أسرة بودنبروك
كتب توماس مان روايته الأولى أسرة بودنبروك بعد تجربة قصيرة مع الكتابة حيث طبع له قبلها مجموعة قصصية »السيد فريدمان الصغير« كان قد نشر معظمها في الصحافة وتم تمييز »أسرة بودنبروك« باعتبارها الرواية الكلاسيكية العظيمة في الأدب المعاصر، وحاز بها على جائزة نوبل في الأدب سنة 1929. والرواية تمثل سيرة ذاتية للمؤلف ولأسرته ولمدينته، فكانت مجازفة كبيرة.
فعل ذلك بعد أن استقال من وظيفته وسجل في الجامعة كمستمع لأنه لم يتمكن من إنهاء دراسته الإعدادية، كيف لا وهو الذي كان ينهي كل صف في ثلاث أو أربع سنوات؟ ثم تفرغ للكتابة كتابة القصة القصيرة أولاً والآن جاء دور كتابة رواية طويلة طويلة جداً، رغم أنه يدرك عدم امتلاكه للموهبة، لكنه كان يملك العزيمة القوية جداً.
اختار روما مكاناً للكتابة حيث يسكن أخوه هاينريش الذي قرر هو أيضاً تأليف رواية كأخيه. كان توماس وهو طالب يساهم في الكتابة في مجلة مدرسته تحت اسم مستعار هو باول توماس وقد أعطاه ذلك إحساساً بأنه يملك شيئاً ما ولكنه لم يتمكن من تحديده.
توفى والده السيناتور جوهان هنريش مان وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يكن حينها رجلا مسنا، بعد ذلك بيعت شركة والده وتفرقت أسرته، فأمه جوليا داسيلفا بروهانز الهجينة والمولودة في ريودي جانيرو والتي باتت تعرف باسم جوليا مان سافرت إلى ميونيخ في جنوب ألمانيا لأنها لم تكن تحب لوبيك حيث عاشت أسرة مان. أخوه هاينريش غادر إلى درسدن، أما هو فقد مكث في لوبيك أملاً في إكمال دراسته. تزوج توماس سنة 1905 من ابنة استاذ الرياضيات في جامعة ميونيخ برينكشيم ورزق منها بستة أطفال.
أحس أنه غير قادر على كتابة رواية طويلة، عرض على أخيه هاينريش أن يكتبا رواية معاً، وكما فعل الأخوان مومبران عندما ألفا رواية معا فليكتب الاخوان مان رواية معا ويقوما بتكرار التجربة اتفقا على ذلك لكنهما لم ينفذا الخطة ثم أكمل المشوار وحده بعد أن أدرك أنها قضية تخصه وحده.
ورواية أسرة بودنبروك من روايات الشخصية الواحدة هانو والتي تدور حولها بقية الشخصيات؟ هانو الذي يكره الحياة ولا يريد الاستمرار فيها فما هو السر وراء ذلك؟ وشخصية هانو في الرواية تمثل توماس مان نفسه ذلك الطالب الصغير الذي ينحدر من أسرة من التجار الغامضين والذين يمثلون أسرة برجوازية لامعة هي أسرة بودنبروك وهانو يواجه الكثير من الصعاب في حياته رغم أنه رقيق لا يقوى على مواجهة مثل تلك الصعاب ثم ان هانو يمثل آخر أفراد هذه الأسرة، عائلة تودع وجودها على الأرض.
ولما كانت الرواية صدى لسيرته الذاتية وتدور أحداثها في لوبيك مسقط رأسه، فقد تناولت حياة أشخاص ما زالوا على قيد الحياة من أفراد أسرته وآخرين محيطين بهم مسلطاً الأضواء على أسرارهم وحياتهم الشخصية مما أثار حفيظتهم.
كيف لا ؟ وهي رواية أجيال أربعة وتحفر في ماضيهم وجذورهم وتسلط الأضواء على حياتهم دون حرج. حتى انه أضطر إلى كتابة قائمة بأسماء وتواريخ وولادة وموت وزواج شخصيات روايته بحيث رسم أربع شجرات لعوائل مهمة في روايته ثم تجرأ واختار المكان بعد التاريخ واختار مدينة لوبيك الألمانية مسقط رأسه واستعان بأقاربه لمعرفة المزيد من المعلومات التي تتطلبها رواية طويلة كهذه. فهو مثلا يستعين باخته جوليا ليعرف المزيد عن خالته اليزابيث، ثم أن أخته تكتب له مطولاً عن خالتهما 28صفحة وتقول له: أرجوك كن حذرا باستخدام هذه المعلومات ولكن توماس يتجاهل نصيحتها ويكتب معظم ما جاء في رسالتها، بل وينقل جملا حرفية مطولة منها، خالته اليزابيث ثارت ثورتها بعد صدور الرواية ولكنها بعد فترة هدأت وراحت تأخذ المسألة بروح المرح الممزوج بالفخر كأغلب أهل لوبيك سواء الذين تحدثت عنهم الرواية وعرتهم أمام الآخرين الذين راحوا يدلون الغرباء على بيت مان ويقولون بفخر : نعم توماس مان، ابننا من لوبيك فبمثل هذه الطريقة ارتكزت رواية مان على المعلومات والأسس فضلا عن تجربته الخاصة حيث استنفر ذاكرته وكل الماضي، وكان سعيدا أنه يختزن الكثير، ولكنه كان يسأل نفسه إن كان ذلك هو الطريق الصحيح فهو يكتب متأثرا بتولستوي ومشحونا بقدرات شكسبير وكيف يوجد مواضيعه وآخرين أمثال جوته وفاجنر وشيلر ومومبران وجونكور وزولا ودستويفسكي وفلوبير بل إنه يستعين حتى بأخيه الصغير لمعرفة المزيد من الشتائم بلهجات لوبيك وميونيخ لكي يوظفها في روايته.
كتب توماس مان روايته في ثلاث سنوات وانتهى منها سنة 1900، ولكنه عانى كثيراً حتى وجد من يوافق على طباعتها سنة 1901بينما هو يؤدي الخدمة العسكرية.
وأخيراً وجدت طريقها إلى النشر بجزأين يسبقها عنوان سقوط عائلة الجزء الأول ويتكون من 560 صفحة والجزء الثاني من 530 صفحة والجزءان يباعان بـ 12 ماركاً ألمانياً وهو مبلغ كبير في حينه.
طول الرواية وسعرها المرتفع ساعدا على عدم رواجها أضف إلى ذلك هجوم النقاد العنيف عليها أما أبناء مدينة لوبيك فاعتبروا الرواية فضيحة لهم وباتوا غاضبين على توماس ونعتوه بألقاب قبيحة والأقارب شعروا بالعار.
غضب الأقارب وأبناء لوبيك أخذ ردودا قوية في البداية.
قالوا ليس هكذا يعامل الوطن وقالوا كيف لأبن السيناتور مان، العائلة الكريمة المحافظة أن يجرحنا ويهيننا ويجعلنا نبدو كالقردة بعدما أزاح عنا أسقف بيوتنا وفضحنا يا له من قرد وانهالت على توماس الرسائل بالشتائم وتزامن ذلك كله مع محاكمة الضابط بيلز الذي نشر رواية من المعسكر الصغير والذي عرى فيها مدينته أيضا وطالب البعض بمحاكمة مماثلة لتوماس مان وبنفس التهمة قال أحدهم: أنا أعلن أن رواية أسرة بودنبروك لتوماس مان هي الشيء ذاته أي أنها رواية بيلز.
الأخ هاينريش هو الآخر أصدر روايته في ذلك الوقت الأم عاضدت ولديها في ترويج الروايتين فكانت تلف على المكتبات تحث أصحابها على وضع الروايتين في الواجهات، وتعود فيما بعد كي تتأكد من ذلك.
ألف نسخة فقط بيعت من رواية أسرة بودنبروك في السنة الأولى و12 ألفاً في السنة الثانية و 15 ألفاً في السنة الثالثة ثم يباع منها أكثر من مليون نسخة بعد أن حصل مؤلفها على جائزة نوبل سنة 1929 ويلتف أقارب توماس مان حوله من جديد ويسامحه أغلب أبناء مدينة لوبيك بل ويفتخرون به ويعتبرونه ابنهم البار ويعاملونه كذلك.
ويعتلي هتلر الحكم بينما توماس مان يقيم خارج ألمانيا، ويرفض العودة إليها كما رفض اريش ماريا ريمارك مؤلف رواية «لا جديد في الجبهة الغربية» العودة إلى ألمانيا.
وتنهال الشتائم على توماس مان من حكام ألمانيا الجدد وتسحب منه الدكتوراه الفخرية سنة 1937 والتي كان قد حصل عليها قبل فترة قصيرة، ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945 بهزيمة ألمانيا أعيدت له الدكتوراه الفخرية وتحديدا سنة 1946.
هاجر توماس إلى الولايات المتحدة الأميركية وحصل على الجنسية الأميركية وعاش في كاليفورنيا في الفترة من 1941 إلى 1953 ولكنه كان يزور أوروبا باستمرار، وأخيرا عاد إلى أوروبا واستقر قريبا من زيوريخ حتى وفاته سنة 1955.