بعضها تكريس غير مباشر لصورة مرسومة مسبقاً في الخيال الغربي بورتريهات صحراوية نابضة بالحياة
الرحالة الرومانسي، الحالم، ثيسجر، هل كان فعلاً صادقاً في حبه للبدو، وهل كان عقلانياً ومنصفاً في أحكامه عليهم، أم كان كغيره من الرحالة العابرين..
يبقى كتاب ثيسجر (الرمال العربية) رغم أسلوبه المشوق الممتع الذي يسوده جو من الأسى الرومانسي الشفيف، والذي ميز انتقاءه لكلماته التي رثى بها الصحراء وكان حانقاً جداً، ومستاءً لأن الآلة ستغيرها (الصحراء) وتغير طبيعة إنسانها، ورغم عبارات الاعتزاز والإشادة برجولة رفاق رحلته من البدو، نقول رغم كل هذا، فإن كتابه لا يخلو من عبارات انتقادية شديدة اللهجة موجهة للبدو، وإطلاقه لبعض الأحكام التي إن لم تكن أحياناً متسرعة فهي لا تتسم بالعقلانية والدقة والموضوعية، ولكي لا نكون مغالين في رأينا وفي أحكامنا التي نطلقها يمكن أن نورد هنا بعض الأمثلة مما دوّنه عنهم في كتابه (الرمال العربية) فهو يصف حياته بين البدو بقوله:
وجدت العيش مع البدو وفي بداية الأمر مرهقاً جداً، وخلال السنوات التي قضيتها معهم، كنت أوُاجه الإجهاد النفسي أكثر من الإجهاد الجسدي. كان من الصعب أن أتكيف مع نمط حياتهم، وخصوصاً تجاه وجهة نظرهم في العالم الخارجي، فكان صعباً عليهم قبول ما يعتبرونه تصرفات شاذة مني. لقد كنت معتاداً على الانفراد، أما هنا فلا، حتى ولو أردت التحدث مع أحدهم منفرداً، لأن الآخرين سيأتون حالاً لاستطلاع الأمر والمشاركة في الحديث. كانوا يستمعون لكل كلمة قلتها. ولقد شعرت في البداية بعزلة بينهم. كنت أعلم أنهم يعتقدون بأنني أحمل مالاً كثيراً، وأشك بأنهم يحاولون استغلالي، وأغضب لجشعهم وأرهق لإلحاحهم. كنت أتساءل كلما اقترب مني أحدهم (والآن ماذا سيطلب مني؟)، وأتضايق من التملق الصبياني الذي كانوا يبدون مقدمة لطلباتهم، ولم أكن قد تعلمت بعد أن البدوي لا يعتبر الاستجداء عيباً، حتى أنه عندما ينظر إلى هدية تقدمها له يقول: هل هذا كل ما سيعطيني إياه؟
و يقول في (ص 57) معرباً عن سخطه على البدو فقط لأنهم كانوا يشاركونه طعامه: »وكما هي الحال عند البدو عادة فقد كانوا يتجمعون كل ليلة في مخيمنا ليأكلوا على حسابنا. فكل منهم سمع أن المسيحي يحمل معه كميات كبيرة من الطعام، ولم يكن هؤلاء الضيوف غير المرغوب فيهم ينتظرون توجيه دعوة إليهم قبل أن يجلسوا معنا لتناول الطعام... «.
ثم يذكر حادثة (ولا ننسى أنه كتب كتابه للقارئ الغربي وقد صدرت طبعته الأولى سنة 1959هذه الحادثة التي تكرس صورة العربي الدّموي، القاسي، عديم الرأفة الذي لا يكترث حتى لتوسلات صبي صغير بحيث لم تمنعه هذه التوسلات من ذبحه بل والوقوف فوق رأسه إلى أن يتأكد القاتل أن هذه الضحّية البريئة قد لفظت أنفاسها الأخيرة...
»عند مغيب الشمس رأوا بعض الماعز وخيمة صغيرة تحت شجرة في وادٍ منخفض. كانت هناك امرأة تخض الزبدة في قعب جلدي، وكان الصبي الذي يبلغ الرابعة عشرة من العمر أول من رآهم، وعندما حاول الفرار حاصروه، عند جرف منخفض، ووضع الصبي الأعزل إبهاميه في فمه، علامة الاستسلام، وتوسل الرأفة دون جدوى. ثم نزل بخيت من على ناقته واستل خنجره وغرزه بين أضلاع الطفل الذي سقط عند قدميه متأوهاً ومتوسلاً: يا أبي.. يا أبي.. بينما وقف بخيت فوقه إلى أن لفظ أنفاسه، ثم صعد إلى سرجه، وقد خف حزنه بعد ارتكاب جريمته«.
وهو يورد هذه الملاحظات والحوادث دون توضيح ودون تبرير لها أو شرح، بل ودون تعمق في الخلفيات والأسباب التي دفعت هؤلاء (القتلة الشاذين على سبيل المثال) لأن يسلكوا مثل هذا السلوك أو يتصرفوا مثل هذه التصرفات، فهو يسجلها كما هي، كما وردت على لسان راويها، باحتمالات الصدق أو الكذب أو على الأقل (المبالغة) ويترك التعليق (للقارئ الغربي) والذي لا يمكن أن نتوقع منه غير الاستهجان لتصرفات هذا العربي المتوحش، لينسحب هذا الاستهجان على كل البدو من العرب سكان هذه الصحراء الغامضة المرعبة، أي أنه (تكريس) غير مباشر لصورة مرسومة مسبقاً في الخيال الغربي، بدل تصحيح هذه الصورة ورفع شيء من الضبابية عنها، وهذا ما أكد عليه إدوارد سعيد في »الاستشراق« وخوان غويتسولو في »الاستشراق الإسباني«، فإن مجمل ما كتبه الرحالة الغربيون في الشرق تمخض عن متن استشراقي يتكلم عن الآخر، وباسمه، ويخلع عليه قيمه (الغربية)، ويتوهم القدرة على تمثّله وتمثيله سواء محاكاته في الملبس والمأكل وحفظ بعض العبارات الشائعة للتحول بعد ذلك إلى سلطة معرفية مقدسة، آراؤها فاصلة ولا تمس بنقد.
لمسات إنسانية
على أن كتابه لا يخلو بطبيعة الحال من لمسات إنسانية (بالأحرى شاعرية أوروبا وهي تستلهم رومانيسة الصحراء في المخيال الغربي) تلك الصورة التي ساهمت في رسمها كتب التاريخ وأوصاف الرحالة السابقين، وما تضمنته من رسوم، تصورهم على نسق واحد اعتاد عليه الغرب، ثياب ناصعة البياض، ووجوه سمراء، نظرات لاهبة، لحى فاحمة السواد، وشكتهم الباذخة من الأسلحة، وجلستهم المرتخية المرتاحة، وحياتهم السهلة البسيطة، وطبائعهم الجانحة إلى الشهوة، النسوة الصامتات، والمناخات المسربلة بالأحلام والمسرات والرعب... الخ.
ويصف ثيسجر في كتابه وفي لقطات كثيرة معبرة عن تلك النوستالجيا الكامنة، فهو يصف منظر الغروب في الصحراء بقوله... »في اليوم التالي، وعند مغيب الشمس شاهدنا الرمال ممتدة أمامنا كحائط وردي اللون باهت اللمعان، أو كسراب لا يمكن لمسه«.
ويقول في (ص 106) حيث يصف ألوان الرمال المتشكلة من حركة الرياح ونحتها للكثبان: »كان سطح الرمل مميزاً بتموجات صغيرة، وقد تشكلت الحواف من حبيبات أثقل وزناً وأدكن لوناً، فيما امتلأت التجاويف بحبيبات رمل أصغر باهتة. كانت الرياح تجرف الرمل باستمرار فاصلة حبيبات الرمل الثقيلة عن الخفيفة، وهي دائماً ذات لون مختلف. وقد شاهدت مرة واحدة رمالاً كانت حبيباتها الكثيرة فاتحة اللون أكثر من تلك الصغيرة. ومع أن الحبيبات الكبيرة أقل عدداً، فإنها هي التي تعطي اللون الغالب. وإذا حفرت سطح الرمل يظهر لون الرمل الباهت. إن هذا المزيج من اللونين هو الذي يعطي مثل هذا العمق وهذه الاناقة، ذهب مع فضة، برتقالي مع بني فاتح، قرميدي غامق مع أبيض، بني غامق مع وردي، أصفر مع رمادي، إنها أشكال متنوعة لا حد لها من الظلال والألوان«.
ثم يصف صباح يوم من صباحات الصحراء... »كانت طيور القبّر تغرد حول مخيمنا، والفراشات تنتقل من نبتة لاخرى، والسحالي تتجول في المكان، والخنافس الصغيرة تمشي بصعوبة على الرمل. وفي ذلك الصباح شاهدنا أرنباً، وآثار غزال. وكان الرمل من حولنا يحمل آثار اليرابيع وغيرها من القوارض التي كانت تتجول خلال الليل«.
وما يميز أسلوب ثيسجر في كتابه، إننا نعيش معه أحياناً في فضاء أدبي محض، حتى ننسى أحياناً موضوع الرحلة، أو أين وصلت. فهو لا يقدم بورتريهات للقطات يمكن وصفها بأنها بورتريهات صحراوية. صور نابضة بالحياة ومؤطرة بالشاعرية إلى حد بعيد ومسكونة بتلك النوستالجيا التي لازُمته بعد مغادرة الصحراء، وكانت تظهر كلما ودّع رفاق رحلته.
نصبنا الخيام في مجرى ماء ضحل على هضبة كلسية، وكنا قد قطعنا الرمال. كان الوادي عندما استيقظت فجراً مغموراً بضباب كثيف دوار، وبدت فوقه الخطوط الخارجية للكثبان الممتدة شرقاً كالجبال الساحرة في مواجهة الشمس الصاعدة. وكانت السماء متوهجة بلطف وبأطياف من حجارة عين الهر الثمينة، والكون بسكينته يبدو مثل الوعاء القابل للتحطم في أية لحظة. وأخيراً وقفت على هذه الهضبة البعيدة عن الرمال، وتطلعت إلى الوراء بنظرة حسرة وأسف إلى الطريق التي كنا قد قطعناها.
بل أن الرحلة نفسها بالنسبة له (كما يقول) لم تكن مهمة بقدر صرف وقت للتأمل في الطريق من فوق ظهر الراحلة والاستعداد لاستقبال مفاجآت الطريق...
ليس المهم هو الهدف، وإنما الطريق. وكلما كان الطريق أكثر مشقة كلما كانت الرحلة أكثر استحقاقاً ومن مفاجآت الطريق يستمد متعته في الاستكشاف...
وشعرت في كل مرة أنني مكروه جداً. فكنت أقف هناك صامتاً متعالياً على الآخرين، فيما هم يتبادلون الأخبار، والدقائق الطويلة تمر بتثاقل. ومع ذلك وحتى عندما أتخوف أن يكتشفوا هويتي، كنت أدرك أنه بالنسبة لي لم تكن جاذبية هذه الرحلة تكمن في مشاهدة البلاد فحسب، وإنما في مشاهدتها تحت هذه الظروف.
يصف الشاعر الفرنسي رينيه شار الإنسان الشاعر بأنه هو ذلك المرء الذي يمتلك الشهية لقلق يؤدي الانتهاء من استهلاكه إلى الغبطة. وبهذا المعنى امتلك ثيسجر شهية القلق المتأصلة لدى هذا الرحالة باقتدار، وعبّر عنها أيضاً بكل اقتدار. كان يصطاد اللحظة بكل زخمها، ويسجلها قبل أن تفلت، قبل أن تخبو جذوة الاستمتاع بها. أخبرني مرافقه (بن كبينة) في إحدى لقاءاتي معه أنه (أي ثيسجر) كان دائماً تراه يكتب، يحمل أوراقه ودفاتره أينما حل وارتحل. دائماً كنا نراه يكتب ويدون. خزّن تلك اللحظات التي عاشها، وتَعَتّق ما دونه (صدرت الطبعة الإنجليزية لكتاب الرمال العربية عام 1959 وكان قد انتهى من رحلاته في منطقة الربع الخالي عام 1950) عرض ما دوّنه، ما اصطاده من لحظات على مدى خمس أو ست سنوات من تنقله في أرجاء المنطقة، من حضرموت جنوباً إلى مسقط شرقاً وليوا وأبوظبي والشارقة ودبي شمالاً، ملايين اللحظات، سجلها بأسلوبه، بعد خمسين عاماً أصبحت تلك المدونات (تاريخاً للمنطقة) أو على الأقل، أصبح كتابه مرجعاً مهماً من مراجع تاريخ المنطقة.
يزيد رينيه شار في وصف الكائن الشاعر، فيقول، بأنه، هو القادر على المبالغة، ينمو بشكل صحيح في العذاب. والشاعر، هو حافظ وجوه الكائن الحي اللامتناهية. ألا ينطبق هذا الوصف على ثيسجر (ونتحدث هنا عن أسلوبه في الكتابة لا عن نواياه أو مدى صحة المعلومات التي أوردها أو... الخ)
لنتأمل مثلاً هذا النص: »بعد حلول الظلام عدنا نحو المخيم نهزج ونغني ونحن نشعر بالتعب الشديد والبرد القارس، لكننا كنا راضين بحصيلة اليوم الأول. وجلسنا حول نار المخيم نتحدث عن صيد يوم آخر. وبينما كنت مستلقياً في ما بعد تحت النجوم اللامعة استمع إلى رغاء النياق المتواصل كنت أشعر بسعادة غامرة…. «.
محاولات
ومما لا شك فيه انه استعان بكتب رحالة سبقوه، وهو لا يخفي إعجابه بتوماس الذي سبقه إلى منطقة الربع الخالي بستة عشر عاماً، وينظر إليه والى فلبي بعين التقدير والاحترام. وقد أشار إلى ذلك في كتابه...
»راقبت بن كبينة وهو يمشي بمحاذاة النتوء الرملي، الذي كان يمتد إلى القمة التي كنت أجلس عليها، حاملاً البندقية العسكرية التي أعرته إياها في هذه الرحلة، وما لبث أن انضم إلي وجلس وبدأ يتحدث، ثم فك مزلاج البندقية، فالعرب يحبون تفكيك البنادق، وقال انه سيشتري بندقية بالنقود التي استعارها عندما أتى معي إلى حضرموت. ثم سألني عما إذا التقيت (توماس)، وهو البريطاني الوحيد الآخر الذي كان مع قبيلته، فقلت له إنني التقيته. وعندما توقف، واستسلم للنوم - أي بن كبينة – أخذت أفكر بالرحلة التي قام بها (توماس) لقد كان اجتياز هذه الصحراء بمثابة آخر وأعظم جائزة في إطار استكشافه للجزيرة العربية، وكان (داوتي) وغيره من الرحالة المشهورين الذين تجولوا في جزيرة العرب، يحلمون بهذا الإنجاز، غير أن تحقيق الحلم كان يستحقه (توماس) و(فلبي) الذين سيظل أسماهما متلازمين لدى الحديث عن اجتياز الربع الخالي.
بل واجتاز ثيسجر الصحراء مع أفراد من القبيلة نفسها التي استعان بها توماس من قبل لعبور الصحراء..
كل ما كان بإمكاني عمله هو أن أضع الترتيبات على أساس أن مغشن هي نهاية المطاف، على أمل أن أتمكن بعد وصولي إلى هناك أن أقنع بعض البدو بعبور الصحراء معي. وقد حاول توماس اجتياز الربع الخالي للمرة الأولى مع بيت كثير واضطر للعودة بعد أن اجتاز مسافة قصيرة، ثم حاول ثانية مع آل راشد وكنت أعلم أنني إذا قررت عبور الرمال فلابد أن أضمن وجود آل راشد معي.
وقد سنحت له الفرصة بالفعل بعد هذه السنوات أن يستعين بأحد الادلاء الذين استعان بهم توماس نفسه وهو الشيخ صالح بن كلوت من آل راشد، حيث التقاه خلال استعداداته للعبور الثاني حين كان في رحلة العودة إلى صلالة من عبوره الأول....
»كما رافقه أيضاً رجال من بيت كثير »وأرسلنا خبراً إلى (صلالة) وفي اليوم التالي خرج الوالي لمقابلتنا ومعه حشد من أهل البلدة والبدو، والكثير من الرواشد. وكان بعضهم أصدقاء قدامى، وآخرون لم أقُابلهم ومن بينهم (بن كلوت) الذي رافق (برترام توماس).
ويصف ثيسجر (بن كلوت) بقوله...
كان (بن كلوت) رجلاً ملفتاً للنظر، قصير القامة، مملوء البنية، قويا، ثقيل الجسم، وبسبب تقدمه بالسن، يتحرك بصعوبة، وينهض على قدميه بعد جهد جهيد، وبعد كثير من الأدعية إلى العلي القدير. كان كثير التأني في كلامه وتحركاته وإيماءاته، عريض الوجه، غليظ القسمات، بارز الأنف، ثابت العينين، واسع الفم وكث اللحية، التي يكسوها الشيب، وأصلع الرأس تماماً. كان نادراً ما يتحدث، ولكني لاحظت أنه عندما يتحدث لا يجادله أحد. وكان معه أبنه (محمد) وهو أخ سالم بن كبينة من أمه. وهو شاب ممتلئ البنية كوالده، طيب المعشر«.
ولم تقتصر صحبته لآل راشد فقط، بل استعان بالبدو من بيت كثير أيضاً، ومن الصاعر والمناهيل، والعوامر والمهرة والجنبا والوهيبة بل وحتى من الدروع وهي القبيلة التي سببت له الكثير من الأرق حين أصرت على منعه من المرور بأراضيها.
ويلفر ثيسيفر