الحركة الاقتصادية المتسارعة
استقطبت الكوادر المدربة والعقول المستنيرة
كانت احتياجات دبي في فترة الخمسينات من القرن العشرين في تطور مستمر وكانت عجلة الحركة الاقتصادية في المدينة لا تتوقف عن الحركة المستمرة ليلا ونهارا. كان الاقتصاد محتاجا لأيدي عاملة مدربة وعقول مستنيرة تعرف كيف تستفيد من تلك الحركة الاقتصادية وتضاعف من أرباحها المالية, وتوظفها لما فيه خير المجتمع. لذلك ظهرت الحاجة إلى التعليم الحديث القادر على توظيف الطاقات المتوفرة لاستفادة المجتمع منها خير استفادة.
نشأة التعليم الحديث في دبي:
وكنشأة الخدمات العامة الأخرى فإن التعليم قد نشأ أيضا في دبي بمبادرة من المجتمع التجاري وليس من قبل السلطة الحاكمة أو السلطات الاستعمارية وذلك كون المجتمع التجاري يملك الموارد المالية اللازمة للصرف على التعليم بينما لم يكن الحاكم يملك مصدرا ثابتا.
بدأ التعليم في منطقة الإمارات عامة في بدايات القرن العشرين مع إنشاء المدارس القليلة التي قام عليها تجار اللؤلؤ الميسورون كما سبق ذكره. ولكن الكساد العالمي وظروف الحرب العالمية الثانية أثرت على وضعية هذه المدارس التي أغلقت أبوابها بسبب الحالة الاقتصادية المتردية. ولكن بعد الحرب الثانية وخلال فترة الخمسينات عادت بعض المدارس لتفتح أبوابها, أحياء لذكرى مؤسسيها, كمدرسة الفلاح لمؤسسها محمد علي زينل. ولكن هذه المدارس لم تستطع الصمود حتى توقفت نهائيا بمجيء البعثة الكويتية للتدريس وذلك عام 1956.
بدء نوعية متميزة من التعليم – المدرسة الأهلية:
قبل بدء التعليم النظامي قام أحد أبناء الإمارات, المغفور له بإذن الله تعالى الأستاذ حسن ميرزا الصايغ وهو أحد أبناء الإمارات القلائل الحاصلين على شهادات علمية عالية من الهند, بتأسيس مدرسة حديثة عرفت باسم »المدرسة الأهلية«. وقد تأسست هذه المدرسة في العام 1945 وكانت تدرس اللغات العربية والإنجليزية والفارسية بالإضافة إلى الرياضيات والعلوم الدينية. وقد كانت هذه المدرسة حلقة وصل بين النظام الدراسي القديم والنظام التعليمي الحديث.
كان الأستاذ حسن ميرزا هو مؤسس المدرسة وممولها. وقد قام بجلب الكتب الإنجليزية من الهند والعربية من سوريا والبحرين. وكان يفرض رسوماً دراسية بواقع روبيتين على كل طالب شهريا ولكن العديد من الطلاب اعتادوا تأجيل الدفع لمدة 6 شهور بل البعض ينهون الدراسة دون دفع رسوم. وكانت الدراسة تقبل في صفوفها كل نوعيات الطلاب وكل الأعمار فلذلك فلا عجب أن ترى طالبا ناضجا يجلس إلى جنب طالب صغير. وقد ظلت هذه المدرسة تعمل حتى منتصف الستينات من القرن العشرين حين أغلقت أبوابها بدخول التعليم الحكومي.
من بين طلاب المدرسة والذين تلقوا العلم على يد ذلك المربي الفاضل هو سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم, نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة, وعدد من الشخصيات البارزة في دبي من أمثال جمعة الماجد, عبدالرحمن الرستماني وغيرها من الشخصيات التي لعبت دورا مهما في تاريخ دبي المعاصر.
وحتى قيام الاتحاد في عام 1971 شهدت دبي بدء التعليم النظامي الحديث. والمقصود بهذه النوعية من التعليم أن العملية التربوية قد خرجت من نطاق تعليم (المطوع) أو التعليم الديني أو الكتاتيب في كل ما يتعلق به من مناهج ومستوى المدرسين إلى النظام الحديث. فشهد التعليم في تلك الفترة نوعا من الاستقرار والإشراف. ذلك لأن دائرة التعليم الكويتية والقطرية والبعثات المصرية أصبحت هي المسؤولة عن النشاط التربوي التعليمي. فقد وصلت بعثة قطر عام 1957 ممثلة بثلاثة من المدرسين الفلسطينيين. وفي عام 1960 وصلت أول بعثة مصرية مكونة من عشرة مدرسين. ومع تطور التعليم وتعدد المدارس وزيادة أعداد التلاميذ قامت دولة الكويت بافتتاح مكتب لها في دبي عام 1965. أما فيما يتعلق بتعليم البنات فقد افتتحت مدرسة الخنساء في منطقة ديره ومدرسة خولة بنت الأزور في منطقة بر دبي في عام 1956.
تطور خدمات المواصلات في دبي:
شهدت فترة الخمسينات تطور خدمات المواصلات في دبي والتي تعتبر عصب الحياة في هذه المدينة التجارية المتطورة. فبدون شبكة حديثة من المواصلات لا تكتمل مرافق البنية التحتية الحديثة.
المواصلات الأرضية:
كانت المواصلات المعروفة في دبي حتى الثلاثينات من القرن العشرين تقوم على ظهور الدواب. فقد كانت قلة من الناس تعرف أهمية وسيلة المواصلات الحديثة وهي السيارات التي كانت تصنع في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ولكن مع بداية الثلاثينات بدأت دبي تتذوق طعم هذه التقنية الحديثة. فقد قام بعض التجار بشراء السيارات الحديثة من طراز »فورد«. فكان أول من أدخل السيارة إلى دبي هو التاجر محمد بن أحمد بن دلموك وقد أهداها إلى الحاكم الشيخ سعيد بن مكتوم. ومنذ نهاية الثلاثينات بدأت أعداد السيارات تكثر في دبي حيث قام عدد من أعيان دبي باقتنائها.
أما خدمات النقل بين شطري دبي: بر دبي وبر ديره, وبين إمارة دبي بصورة عامة وبين إمارة الشارقة فقد كانت تتم في سيارات أجرة تعمل لحساب أفراد من الأسرة الحاكمة في دبي كالشيخ مكتوم بن راشد والشيخة حصة بنت المر, زوجة الشيخ سعيد بن مكتوم والشيخ راشد بن سعيد. وقد دخلت هذه الخدمة لدبي في الأعوام ( 1938 ـــ 1939) وكذلك تم استخدام اللوريات أو سيارات النقل العام لنقل البضائع الكبيرة.
وعلى الرغم من تطور وسائل المواصلات إلا أن المواصلات البحرية أو »العبرة« لم تفقد أهميتها ولا شعبيتها بين صفوف الناس خاصة غير القادرين على اقتناء السيارات واستخدامها. فقد ظل التنقل بين ضفتي خور دبي من أكثر وسائل المواصلات شيوعا بين السكان نظرا لرخص هذه الوسيلة وتوفرها على مدار الساعة.
لم تكن دبي حتى نهاية الخمسينات تمتلك طرقا حديثة. فالطرق في الأحياء السكنية المبنية من سعف النخيل فقد كانت ضيقة وتسمح بمرور المشاة فقط. أما في الأحياء الأكثر رقيا والمبنية من الطين والحجارة فكانت الطرق فيها أكثر اتساعا وتنسيقا, وقد تسمح بمرور السيارات ولكنها لم تكن معبدة. ولكن منذ أواخر الخمسينات وعندما بدأت تظهر أهمية بناء المرافق الحيوية للبنية التحتية الحديثة بدأ التفكير في توسيع الطرق وتعبيدها. وفي بداية الستينات عٌهد أمر تنظيم بلدية دبي وتطويرها إلى شركة إنجليزية هي شركة جون هاريس John Harris والتي وضعت مخططا حديثا للمدينة. وكانت من المناطق التي أوليت أهمية كبيرة لإنشاء طرق بها هي المناطق التجارية. وكان من أول الشوارع التي عرفتها دبي هي شارع الفهيدي وشارع علي بن أبي طالب في بر دبي وشارع بني ياس ونايف في بر ديره. ولكن ما إن انتهت الستينات حتى كانت دبي تملك شبكة حديثة وطويلة من الطرق تفي بحاجتها بعد تزايد أعداد السكان وبالتالي أعداد السيارات في طرق الإمارة.
المواصلات الجوية:
أما في مجال المواصلات الجوية فقد بدأت دبي في استقبال الطائرات منذ العام 1937 عندما قامت الحكومة البريطانية باتخاذ دبي كنقطة عبور لها على الطريق الجوي إلى الشرق أي الهند والشرق الأقصى وأستراليا. وكان مهبط الطائرات المائية بجوار جسر المكتوم حاليا حيث تتوقف الطائرات هناك للنزول الركاب وانتقالهم بعد ذلك إلى محطة الاستراحة في الشارقة.
وقد تطور الطيران في دبي بعد ذلك بإنشاء مطار جوي جديد في دبي. ففي الفترة ما بين 1959 ـــ 1961 تم إنشاء مدرج أرضى بأحجار جلبت من خارج مدينة دبي. وقد تم استخدام طائرات »داكوتا« و»هيرودتس« للهبوط والإقلاع منه. وفي عام 1962 بدأت الخطوط الجوية الكويتية في استخدام مطار دبي ثلاث مرات أسبوعيا وذلك لجلب المدرسين إلى دبي والإمارات الأخرى.
وفي ديسمبر 1963 بدأت إجراءات توسعة المطار ليكون قادراً على استقبال طائرات أكبر وعدد أكثر. ولكن عندما طلبت الحكومة من الطيران الإمبراطوري البريطاني لما وراء البحار British Overseas Airways Corporation BOAC أن تؤمن خدمة مستمرة من لندن إلى دبي رفضت الشركة معللة رفضها بأنه ليس هناك أي طلب كاف على القدوم لمدينة دبي من قبل زبائنها على الرغم من أن الكثير من الهيئات والشركات البريطانية في دبي, كشركات البترول والشركات التجارية وأفراد قوة كشافة عمان, كانوا في أمس الحاجة إلى خط طيران يربط دبي بلندن. ولكن احتمالات الفشل المادي من إنشاء خط جوي غير مجدي أجل فرصة تسير رحلات الطيران البريطاني المنتظم إلى دبي إلى حين آخر.
ما إن بدأ مطار دبي أعماله حتى واجهه أول عقبة حقيقية وهي رفض شركات الطيران العالمية كشركة الطيران الإمبراطوري البريطاني BOAC تأمين خدمات منتظمة بين دبي ولندن على اعتبار أن هذه الخدمة غير مجدية من الناحية المالية. وكاد المشروع أن يتوقف لولا سرعة ويقظة الشيخ راشد بن سعيد الذي قرر أن يتدخل لضمان استمرارية هذه الخدمة. فالوثائق البريطانية تروي أن الشيخ راشد قد قرر ضمان شراء نسبة معينة من المقاعد على خط دبي ـــ لندن حتى تقف الخدمة على قدميها ويضمن استمرارية الخط. ويبدو أن هذه الخطوة كان لها تأثيرا فعالا فسرعان ما ارتفعت النسبة المشتراة على هذا الخط الأمر الذي عزز ثقة الحاكم في اقتصاد بلاده. وما كاد الدرج الأرضي يشارف على الانتهاء في عام 1965 حتى كانت عدة شركات أجنبية, بالإضافة إلى BOAC قد تقدمت بطلب حقوق استعمال الميناء الجوي الجديد.
وهكذا أصبحت دبي منذ ذلك التاريخ على خارطة الطيران العالمي كحلقة وصل مهمة بين الشرق والغرب. لقد سهلت وسائل المواصلات الحديثة سبل الاتصال بين دبي والعالم الخارجي الذي سرعان ما انعكس على النشاط التجاري وعلى تطور البنية التحتية في مدينة دبي نفسها. وسرعان ما قفزت دبي من مصاف المدن الصغيرة المغمورة إلى مصاف مدن الخليج الحديثة المتطورة. فقد أصبحت مقصدا لرجال المال والأعمال في منطقة الخليج والشرق الأوسط وأوربا خاصة أولئك الباحثين عن توكيلات تجارية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط النامية. وهكذا قفزت دبي من مصاف المحلية الضيقة إلى مصاف الإقليمية الواسعة قبل أن تقفز لمصاف العالمية في نهايات القرن العشرين.
د. فاطمة الصايغ
جامعة الإمارات العربية المتحدة