علوم القرآن (7)

معنى التأويل وإثبات الدليل

للتأويل معان في اللغة كما في اصطلاح العلماء كل حسب الفن الذي ينسب إليه. وقد ساعد على هذه الكثرة في التعريفات ورود كلمة »تأويل« كثيراً في القرآن بحيث اجتهد المفسرون في الكشف عن مرادها وذلك بالنظر في سياقها في الآية. فما ورد في معناها:

في اللغة: ورد في لسان العرب تحت مادة (أول) ما نصه: »الأول الرجوع آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً رجع. وآل إليه الشيء رجعه. وألت عن الشيء ارتدت. وفي الحديث: »من صام الدهر فلا صام ولا آل« أي لا رجع إلى خير والأول الرجوع. وأول الكلام تأوله دبره وقدره وأوله وتأوله فسره وقوله عز وجل: »ولما يأتهم تأويله« أي لم يكن معهم علم تأويله. وفي حديث ابن عباس: »اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل« وسئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن التأويل فقال: التأويل التفسير والمعنى واحد«.

وفي القاموس: »آل إليه أولاً ومالاً رجع وعنه ارتد. ثم قال: وأول الكلام تأويلاً وتأوله دبره وقدره وفسره والتأويل عبارة الرؤيا«.

وقيل التأويل مأخوذ من الإيالة وهي السياسة فكأن المؤول يسوس الكلام ويضعه في موضعه. قال الزمخشري في أساس البلاغة: »آل الرعية يؤولها إيالة حسنة وهو حسن الإيالة وائتالها وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم أي سائس محتكم..«.

ويذكر الفوطي البغدادي في معنى التأويل لغة بأنه على وزن تفعيل من آل الشيء إلى كذا يؤول أولاً إذا صار إليه وأولته تأويلاً إذا صيرته فسمي تأويل الكلام تأويلاً لأنه بيان ما يؤول معناه إليه ويستقر عليه.

ولقد عقد ابن قيم الجوزية فصلاً ممتعاً عن التأويل في كتابه »مختصر الصواعق المرسلة« منه قوله »التأويل تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه فالتأويل هو التصيير وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه. قال وتأول وهو مطاوع أولته«.

ومن المعاني اللغوية للتأويل التفسير والبيان وعليه يخرج قوله تعالى: »فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله«.

ويأتي بمعني العاقبة لأن الأمر يصير إليها وعليه قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً).

ويأتي بمعني حقيقة الشيء المخبر به وعليه قوله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) وكذلك قوله: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله).

ويرد بمعني التعبير في الرؤيا المنامية وعليه آيات كثيرة كذلك يأتي بمعني العلة الغائبة والحكمة المطلوبة بالفعل لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه وعليه قوله تعالى (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً).

في الاصطلاح: اختلف السلف والخلف في المقصود من التأويل وذلك حسب اتجاه كل منهم فالسلف يعنون به أحد معنيين: التأويل ويقصد به مراد الكلام أي تفسيره وبيان معناه وهذا عند المفسرين والسلف من أهل الفقه والحديث سواء أوافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير على هذا مترادفين. وهذا هو ما عناه مجاهد من قوله إن العلماء يعلمون تأويله يعني القرآن. ومنه قول ابن جرير وغيره: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا. ومنه قول الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله فأبطل تلك التأويلات التي ذكرها وهو تفسيرها المراد بها وهو تأويلها عنده. فهذا التأويل يرجع إلى فهم المؤمن ويحصل في الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج. وثاني المعنيين عند السلف هو نفس المراد بالكلام سواء كان طلباً أم خبراً. والطلب كما يروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: »كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن« ويعني ذلك في قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً). أما الخبر فيكون تأويله نفس الشيء المخبر به وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر. فالذي يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام كالتفسير والشرح والإيضاح ويكون وجود التأويل في القلب واللسان وله الوجود الذهني واللفظي والرسمي. وأما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج سواء أكانت ماضية أم مستقبلة. فإذا قيل: طلعت الشمس فتأويل هذا هو نفس طلوعها وهذا في نظر ابن تيمية هو لغة القرآن التي نزل بها وعلى هذا فيمكن إرجاع كل ما جاء في القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني.

أما عند الخلف والمتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة فالتأويل عندهم جميعاً هو صرف اللفظ عن المعني الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. فإذا قال أحدهم: هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا قال الآخر. هذا نوع تأويل والتأويل يحتاج إلى دليل. وعلى هذا فالتأويل مطالب بأمرين:

٭ الأمر الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد.

٭ الأمر الثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح وإلا كان تأويلاً فاسداً أو تلاعباً بالنصوص قال في جمع الجوامع وشرحه: التأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فإن حمل عليه لدليل فصيح أو لما يظن دليلاً في الواقع ففاسد أولا لشيء فلعب لا تأويل. وهذا أيضاً هو التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات فمنهم من ذم التأويل ومنعه ومنهم من مدحه وأوجبه.

ويرى ابن القيم الجوزية أن المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين يريدون بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل والتأويل يحتاج إلى دليل. وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين.

ومن التعاريف أيضاً ما ذكره الفيلسوف ابن رشد من أن التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب من التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو لاحقه أو مقاربه... أو غير ذلك من الأشياء التي تعورفت في أصناف الكلام المجازي. ويقرب من هذا التعريف ما عقب الغزالي على تعريفه هو للتأويل حين قال: ويشبه أن يكون كل تأويل صرفاً للفظ عن الحقيقة إلى المجاز. وكأن الحاجة إلى التأويل تظهر بعد »تفسير« الألفاظ الواردة في النص لمعرفة ما يدل عليه ظاهره فيحمل دليلاً ما ــ عقليا أو نقليا أو عرفيا ــ على أن المراد بالكلام غير ظاهره وأنه يجب حمله على المجاز فيؤول أي فيحمل على المجاز دون الحقيقة. وبذلك يكون التأويل خطوة ثالثة بعد خطوة التفسير كما عبر بعض الباحثين.

وقد اختلف العلماء في بيان الفرق بين التفسير والتأويل وفي تحديد النسبة بينهما وذلك من خلال التباين في موضوع استعمال كل منهما من ميدان العمل والتأثير. وكأن التفرقة بينهما أمر معضل يصعب حله على كثير من الناس ولهذا بالغ ابن حبيب النيسابوري فقال: نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه. وليس بعيداً أن يكون منشأ هذا الخلاف هو ما ذهب إليه الأستاذ أمين الخولي حيث يقول: »وأحسب أن منشأ هذا كله هو استعمال القرآن لكلمة التأويل ثم ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاص فيها مع شيوع الكلمة على ألسنة المتكلمين من أصحاب المقالات والمذاهب.

وبعرضنا لمواضع استعمال كل من التفسير والتأويل يمكن استخلاص الفروق بينهما كما أشار إليها العلماء.

أولاً: موضع استعمال التفسير

يستعمل التفسير في كشف المراد من اللفظ المشكل ورد أحد الاحتمالين إلى ما يطابق الظاهر. وأكثر استعمال التفسير في الألفاظ وفي معاني مفرداتها. ويستعمل في غريب الألفاظ أو في وجيز مبين بشرح نحو قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أو في كلام متضمن قصة يتوقف تصوره على معرفتها نحو قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر) وعلى هذا يكون التفسير أعم من التأويل لأنه يستعمل في الألفاظ وفي كشف المعاني وبيان المراد سواء كان بحسب اللفظ المشكل وغيره وبحسب ظاهر المعنى وغيره وهذا الرأي ينسب للراغب الأصفهاني.

وقال الماتريدي: التفسير القطع على أن المراد من اللفظ هذا والشهادة على الله أنه عني باللفظ فإن قام دليل مقطوع به فصحيح وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه قال أبو طالب الثعلبي: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقة وإما مجازاً كتفسير الصراط بالطريق والصيب بالمطر. وقيل: التفسير ما يتعلق بالرواية ويمكن الرجوع إلى ما عرف به أبو حيان التفسير فإنه دقيق

ثانياً: موضع استعمال التأويل

عين الراغب الأصفهاني أكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل. وقد يستعمل عاماً أو خاصاً نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق وتارة في جحود البارئ خاصة والإيمان المستعمل في التصديق المطلق وتصديق دين الحق. وقد يستعمل في لفظ مشترك بين معان مختلفة نحو لفظ وجد المستعمل في الجد والوجد والوجود.

وقيل فيه بأنه ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله.

وذكر عن أبي طالب الثعلبي بأنه تفسير باطن اللفظ. وقيل: بأنه الرجوع إلى عاقبة الأمر وقيل: هو ما يتعلق بالدراية. وقيل: هو ما يتعلق باستنباط ذكره البغوي ووافقه الكواشي عليه.

إعداد: رجاء علي