علوم القرآن (6)
معنى التفسير ولغة العرب
من مقتضى سنة الله تعالى في خلقه ألا يعذبهم حتى يبعث فيهم رسولاً أو نبياً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم ويزكيهم ويوضح لهم ما يهم حياتهم في الدنيا والآخرة. يقول تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). ومن مقتضى دعوة الرسل والأنبياء مراعاة لسان المخاطبة وبيان الدعوة. فكانت السنة في كل رسول ونبي المخاطبة بين المبعوث وقومه بلسان القوم أنفسهم ليحدث الفهم والتفهيم.
ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن لتتخطى من حوله من أنباء قومه فتخاطب من عمتهم هذه الرسالة من التقليد بهجران اللسان العربي الذي هو لسان قومه. بل الحكمة كامنة في بث الدعوة ابتداءً من الحلقة المحيطة بالنبي عليه السلام من سكان الجزيرة العربية التي دأبت وترسخت فيها عبودية الأوثان وعادات مكللة بتاج الجاهلية فضلاً عما ترسخ في نفوسهم وعقولهم من شوائب الشرك والكفر والضلال.
ولذا فإن الحكمة في العطاء مواكبة حتماً للدعوة نظراً إلى أهدافها السامية ومقاصدها النبيلة وعطاء الأنبياء والرسل هبة وعطية من الحكيم الخبير سبحانه وتعالى أو ليس هو القائل: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).
هذا ولسان المخاطبة لدى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعاً عن سنة الرسل والأنبياء الذين سبقوه في المخاطبة وإن كانت دعوته صلى الله عليه وسلم تتميز بنهج الشمول والكمال لبقية الناس والأمم خارج نطاق الجزيرة العربية فإن من سبقه من بعض الرسل كانت دعوته تتميز بهذه الشمولية باستثناء الجان فكل من كان رسولاً فدعوته عامة إلى قومه وقد قرر المولى جل ذكره لسان المخاطبة للرسل بقوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم). فهذا تقرير رباني في ماهية اللسان المخاطب المبلغ فإنه بلسان القوم والأبناء الذين يعيش الرسول معهم وفيهم
وفي تقرير اللسان العربي يقول تعالى: (آلر، تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون). ويقول كذلك: (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين). ولعلة يعلمها الله تعالى كان القرآن بلغة العرب بل بلغة قريش التي بها نزل. وكأني بهذه العلة – السبب تتوضح مع الأيام والسنين انطلاقا من منطوق القرآن ومفهومه فلنتأمل قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون) ولنتدبر معها آية أخرى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون). وما بين العلم والعقل من روابط القربي وعوامل الألفة ومن أسرار جديرة باللغة التي تحمل هذا النص الرباني أن تكون على مستوى تلك الأسرار نفسها. ومن غير العربية أولى بحمل هذه الأمانة أمانة العلم وأمانة العقل في زواج بينهما لا يعرف الطلاق إليه سبيلاً.
ولكن رب معترض يقول: ماذا يتغير فيما لو نزل القرآن بغير لغة العرب؟ فالكلام نفسه قد يقال. ونرد على المعترض قوله من وجهين: الأول من القرآن الكريم نفسه حيث يقول تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) وكأني بالقرآن – وهو كلام الله ومن أصدق من الله قيلاً – ينفي عن غير العربية أياً كانت تلك اللغة قدرتها على تحمل الأمانة التي أشرنا إليها سابقاً بدليل أن اللسان الأعجمي وبتقرير القرآن نفسه لا يستطيع التفصيل بينما أسند ذلك التفصيل للغة العرب. وما ظاهرة الإعجاز بكل صورها اللغوية والبيانية إلا دليل على صحة ما تذهب إليه.
والوجه الثاني ما قرره علماء اللغات والالسنيون من أن لغة العرب من أكثر اللغات العالمية اتساعاً في التعبير وأقدرها على التعامل مع المعاني. وأساليب التعبير فيها خير شاهد على ذلك. وللتذكير فقط وحتى لا تساء محبتنا للغة الضاد والغيرة عليها من عبث العابثين وفتنة المفتونين فيظنها البعض عصبية وما هي بعصبية ولكنها كلمة حق تقال نسأل: مَن من اللغات حوى أو تعامل في أساليب التعبير بالمنطق نفسه الذي تعاملت به لغة العرب من مجاز وحقيقة. وتشبيه وكناية واستعارة وتقديم وتأخير وفصل ووصل وحذف ومضاف وتنوين وبناء واستخدام للضمائر المتصلة والمنفصلة المرفوعة منها والمنصوبة فضلاً عن النعت والحال والتمييز وعوامل الإعراب المختلفة من ضم وفتح وكسر وسكون وجزم وعلة ومد إضافة للمشتقات الإسمية والفعلية وغير ذلك من مباحث يطول ذكرها.. ولن نزيد في الكلام أكثر ولكن نحيل القارئ الكريم إلى الفصل اللاحق المتعلق بترجمة القرآن وأحكام الترجمة.
ولما كان القرآن الكريم العربي المبين حامياً لهذه اللغة لم يجد المعترضون والمفتونون وسيلة منه إلا بالتعرض للغته. ومع اتساع العلوم وتشعب المعارف الإنسانية وحاجة الناس إلى فهم القرآن وتدبر معانيه كثر الخوض فيه بين عالم مؤمن ومؤول مبتدع ومفسر يخلط الغث بالسمين. فكان لزاماً علينا أن نمط اللثام ونجلي المواقف ونقول ما يجب أن يقال ومفتاح الكلام أوله وآخره هو الحديث عن التفسير والتأويل.
التفسير في اللغة: تعددت معاني كلمة التفسير وإطلاقاتها في اللغة وذلك حسب السياق أو الشىء الذي من أجله وضع اللفظ. فهو يرد بمعنى الإيضاح والإبانة والكشف والإظهار والتفصيل والبيان. وهو مأخوذ من الفسر على وزن تفعيل. وقد ورد في لسان العرب تحت مادة (فسر) ما نصه: »الفسر البيان فسر الشيء يفسره بالضم فسراً وفسره أبانه والتفسير مثله: أي الإبانة وكشف المغطى. والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ومنه قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً) واستفسرته كذا أي سألته أن يفسره لي« وكل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه فهو تفسرته وورد في القاموس: »الفسر الإبانة وكشف المغطى كالتفسير.. ونظر الطبيب إلى الماء كالتفسرة أو هى البول كما يستدل به على المرض أو هي مولده«.
وقال أبو حيان في البحر المحيط: «ويطلق التفسير أيضاً على التعرية للانطلاق. قال ثعلب: تقول: فسرت الفرس أي عريته لينطلق في حصره وهو راجع لمعنى الكشف فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري«.
ويقول سليمان الطوفي البغدادي في كتابه »الإكسير في علم التفسير«: »أما التفسير فهو تفعيل من فسرت النورة إذا نضحت عليها الماء لتنحل أواخرها وينفصل بعضها عن بعض. وكأن التفسير يفصل أجزاء معنى المفسر بعضها من بعض حتى يتأتى فهمه والانتفاع به كما أن النورة لا يتهيأ الانتفاع بها إلا بتفصيل أجزائها بتفسيرها«.
ومن هذه التعريفات كلها يتبين لنا أن التفسير لغة يستعمل في الكشف الحسي وفي الكشف عن المعاني المعقولة واستعماله في الثاني أكثر من استعماله في الأول والتفسير في الأصل ليس خاصاً بالقرآن ولكنه شاع واشتهر فيه حتى أصبح فناً له قواعده وأصوله. فإذا أطلق يكون المراد منه بيان معاني آيات القرآن الكريم.
وفي الاصطلاح: تعددت تعاريف مصطلح التفسير وكثرت أقوال العلماء فيه. ومرد هذا التعدد اختلافهم في هوية المصطلح نفسه هل هو علم ذو قواعد وأصول كغيره أم لا ؟ وترتب على هذا الخلاف لجوء كثير من الباحثين المعاصرين في ميدان الدراسات القرآنية وعلوم القرآن إلى إيراد وذكر أقوال العلماء ثم التصدي لتخريجها وبيان قيودها ومحترزاتها. من هؤلاء الباحثين: محمد حسين الذهبي في كتابه »التفسير والمفسرون« وعبد العظيم الزرقاني في »مناهل القرآن« محمد علي سلامة في »منهج الفرقان في علوم القرآن« ومناع القطان في »مباحث في علوم القرآن« فيرى بعض العلماء أن التفسير ليس من العلوم التي يتكلف لها حد لأنه ليس قواعد أو ملكات ناشئة من مزاولة القواعد كغيره من العلوم التي أمكن لها أن تشبه العلوم العقلية. ويكتفى في إيضاح التفسير بأنه بيان كلام الله أو أنه المبين لألفاظ القرآن ومفهوماتها.
ويرى بعض آخر منهم أن التفسير من قبيل المسائل الجزئية أو القواعد الكلية أو الملكات الناشئة من مزاولة القواعد فيتكلف له التعريف فيذكر في ذلك علوماً أخرى يحتاج إليها في فهم القرآن كاللغة والصرف والنحو والقراءات وغير ذلك.
وإن الناظر في التعاريف الكثيرة يستطيع بسهولة ردها أو إرجاع أكثرها إلى معنى واحد منها. فهى وإذا كانت مختلفة من جهة اللفظ إلا أنها متحدة من جهة المعنى وما تهدف إليه.
ولأبي حيان تعريف آخر ذكره السيوطي أيضاً في التحبير يقول فيه: »هو علم يبحث فيه عن أحوال القرآن العزيز من حيث دلالته على مراده بحسب الطاقة البشرية ويتناول التفسير ما يتعلق بالرواية والتأويل أي ما يتعلق بالدراية«. ويعلق الدكتور محمد حسين الذهبي على هذا التعريف فيقول: إن الناظر لأول وهلة في هذين التعريفين يظن أن علم القراءات وعلم الرسم لا يدخلان في علم التفسير والحق أنهما داخلان فيه وذلك لأن المعنى يختلف باختلاف القراءتين أو القراءات كقراءة (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً) بضم الميم وإسكان اللام فإن معناها مغاير لقراءة من قرأ »وملكاً كبيراً« بفتح الميم وكسر الميم وكسر اللام. وكقراءة (حتى يطهرن) بالتسكين فإن معناها مغاير لقراءة من قرأ »يطهرن« بالتشديد. كما أن المعنى يختلف أيضاً باختلاف الرسم القرآنى في المصحف. فمثلاً قوله تعالى (أمن يمشي سوياً) بوصل »أمن« يغاير في المعني (أم من يكون عليهم وكيلاً) بفصلها فإن المفصولة تفيد معنى بل دون الموصولة. ويذكر السيوطي كذلك رأياً آخر فيقول: وقال بعضهم: التفسير كشف معاني القرآن وبيان المراد منه سواء كانت معاني لغوية أو شرعية بالوضع أو بقرائن الأحوال ومعونة المقام.
هذا وقد علق الزرقاني على التعريف الثاني لأبي حيان فيقول: والمراد بكلمة علم المعارف التصورية. قال عبد الحكيم على المطول: إن علم التفسير من قبيل التصورات لأن المقصود منه تصور معاني ألفاظه وذلك من قبيل التعارف. لكن أكثرها بل كلها من قبيل التعارف اللفظية. وذهب السيد إلى التفسير من قبيل التصديقات لأنه يتضمن حكماً على الألفاظ بأنها مفيدة لهذه المعاني التي تذكر بجانبها في التفسير. وخرج بقولنا: يبحث فيه عن أحوال القرآن العلوم الباحثة عن أحوال غيره. وخرج بقولنا: من حيث دلالته على مراد الله تعالى العلوم التي تبحث عن أحوال القرآن من جهة غير جهة دلالته كعلم القراءات فإنه يبحث عن أحوال القرآن من حيث ضبط ألفاظه وكيفية أدائها. ومثل علم الرسم العثماني فإنه يبحث عن أحوال القرآن من حيث كتابة ألفاظه.
إعداد: رجاء علي