الأخ الأكبر روى قصتهم وناشد توظيفهم لحل المشكلة:

حين تفتك المخدرات بثلاثة أخوة

وتصم مستقبلهم بصفة »مدمن«!

تعود هذه القصة لأكثر من 13 عاماً، عانت فيها أسرة محمد علي محمد الكثير. فمن عمر الخامسة عشر، بدأ أخوته الثلاثة، الواحد تلو الآخر، بسلوك درب المخدرات، حتى تمكنت المادة البيضاء من مستقبلهم، ووقفوا عاجزين أمام عجلة الزمن، دون دراسة، ولا مهنة، ولا ملامح للمستقبل. لكن، رغم خصوصية حالة هذه العائلة، إلا أنه يمكن اعتبارها مثالاً، لعالم آخر، نسمع الكثير من التحذيرات منه، لكن قليلاً ما نعرف عن خفاياه.

هنا قصة أسرة إماراتية، حضنت جدران منزلها الكثير من الأسرار، التي رغب الأخ الأكبر بالكشف عنها، طلباً للمساعدة، وتقديم العبرة، لمن يعتبر.

بداية الطريق

بصوت خفيض، وعينين لامعتين، يعطي محمد الملامح الأولى لقصة حياة، اختار لاعبوها طريقاً أكثر خطورة. »هي قصة أخواني الثلاثة الباقين من الذكور. فقد سلكوا جميعاً درب المخدرات، التي فتكت بحياتهم، وأدت إلى إصابة أحدهم بمرض الإيدز، الذي وصل إليه من حقن تعاطي ملوثة«.

أول تجربة مخدرات للأخوة الثلاثة، كانت في عمر فتى، لم يتجاوز الخامسة عشر من العمر. لكنها ما زالت ترافقهم حتى اليوم، وإن بشكل متقطع، بعد مرور أكثر من عشر سنوات. تتراوح أعمارهم بين 26 و23 و20 عاماً، »ما زالوا في عنفوان شبابهم، ويعيشون فترة حساسة جداً« يقول محمد.

زرعت بذور الانحراف في المحيط الاجتماعي للعائلة. يقول محمد: »كنا نعيش في بيئة يتعاطى فيها أكثر من شخص. منهم من توفي نتيجة الجرعات الزائدة، من بينهم الشخص الذي مات اختناقاًَ في سجن دبي منذ فترة. وقد حمدت الله لأنهم قضوا، لأنهم كانوا سبب انحراف الكثير من شباب، وليس أخوتي فقط«.

لكن، إن كانت العائلة تدرك ملوثات البيئة التي يعيش فيها أفرادها، فلم لم تحتط أكثر لهذه المسألة؟ يجيب محمد: »حاولنا التوقي قدر الإمكان، لكن الظروف لم تساعدنا على السيطرة الكاملة، ذلك بسبب تعرض الوالد لحادث، أدخله المستشفى لمدة ثلاثة أشهر، ما جعل الاهتمام متركزاً عليه بالكامل«. لم تكن هذه المشكلة هي التي تسببت بتوجه الأخوة الثلاثة إلى المخدرات، لكنها فاقمت المشكلة بشكل كبير. حتى وصلوا إلى تعاطي كل أنواع المخدرات، »من الحبوب إلى الحشيشة والهيروين، لم يوفروا أي نوع«.

ردة فعل الأهل

كانت ردة فعل الأب عنيفة، حين عرف بتعاطي أبنائه الثلاثة للمخدرات، يصفها محمد بالقول: »كنت حينها لا أزال طالباً، لا حول لي ولا قوة. وكان أبي لا يزال بصحته حينها، لكن ردة فعله كانت من خلال الضرب والعنف والتخويف، لإجبارهم على الابتعاد عن هذا الدرب، لكن هذا لم ينفع«. ويرى محمد اليوم أن هذا الأسلوب لم يكن ناجحاً، بل يعتقد أنه »على العكس، يجب الإشفاق على المدمن، واحتضانه لإخراجه من الإدمان«.

بعد مرض الوالد، ألقي على كاهل محمد مسؤولية المنزل. لكن، حتى حينها، لم يكن أمامه سوى النصيحة والإرشاد، مع عدم القدرة على المتابعة الكاملة، بسبب تراكم المسؤوليات المتوجبة.

ويعترف محمد أن هذا الانشغال ربما يكون قد ساهم في تمادي إدمانهم، وأن يجر واحدهم الآخر في هذا الطريق، بعد أن استأنسوا للجو والبيئة التي يعيشون فيها.

وكان موقف الوالدة مشابهاً، إذ لم يكن أمامها أية وسيلة لردعهم أو حل هذه المشكلة، »سوى النصيحة، لتستيقظ في اليوم التالي لمعرفة أنهم أدخلوا السجن«.

لكن اليوم، بعد تحمل محمد مسؤولية المنزل، صار بمثابة أب لأخوته، الذين يصغرونه بسنوات قليلة، ويقول: »صاروا يأتون لمصارحتي والحديث معي، وأحاول مساعدتهم قدر الإمكان. لكنهم يقولون إنهم يرغبون بالعمل، وهذا ما لا أستطيع أن أقدمه لهم. كما أنني لا يمكن أن أبقى أنفق عليهم إلى الأبد«.

محاولات

كأخ أكبر يتحمل مسؤولية العائلة الآن، ارتأى محمد أن يكون الحل بإخراجهم من البيئة والمحيط الذي يعيشون فيه، »فانتقلنا إلى بيت جديد، في منطقة مختلفة«، ما أدى إلى حل 70% من المشكلة، لكنها لم تختف. فبقي الأخوة »يحنون« إلى أيام الكيف، ويلجأون إليه في كثير من الأحيان، بشكل يظهر جلياً على تصرفاتهم في المنزل.

وغالباً ما »يكشف« محمد عودة أخوته إلى هذا الطريق، من خلال مجموعة من العوامل، إذ يظهر ذلك »من خلال اختلاف تصرفاتهم في المنزل، فيطول السهر، ويتحول ليلهم إلى نهار، ونهارهم ليلاً«. وحتى حين يكونون مستيقظين، لا يكونون في حالة طبيعية، إلى جانب أن »مظهر أفراد »الشلة« التي يرافقونها توحي بالكثير من الريبة«.

وتؤثر عودة الأخوة إلى هذا الطريق على الجو الأسري كله، »إذ يكون الواحد منهم غير طبيعي، وعصبياً، ويتدخل في أمور لا تعنيه، ما جعلنا نفضل عدم العودة إلى المنزل سوى للضرورة. وكان الجو غير مريح للجميع«. وأدت هذه العودة إلى الخوف على الأخوة الفتيات، لكن »ماذا يمكنني أن أفعل؟«، يتساءل محمد.

سجن وتجارة

في واحدة من محاولاته العديدة لإبعاد أخوته عن هذا الدرب، حاول محمد عرضهم على أطباء في عيادات خاصة، كما رافقوه في عطلاته العائلية خارج البلاد، ما يؤدي إلى ابتعادهم عن المخدرات. لكنهم يعودون إليها حين يعودون إلى حياة البطالة التي يعيشونها.

ورغم أن أياً من الأخوة الثلاثة لم يكن عاملاً، لكنهم لم يألوا جهداً من اللجوء إلى طرق »بديلة« للحصول على ما يحتاجون من جرعات، يقول أخوهم: »كانوا يؤمنون حاجتهم من المخدرات، من خلال التجارة بالمادة البيضاء. كان الكثير من المتعاطين يقومون بذلك، وهذا ما لجأ إليه إخوتي كذلك«. ونتيجة لذلك، تم سجن الثلاثة لفترات متقطعة، تراوحت بين سنة وسنتين، لا يرى فيها محمد أية فائدة، »إذ كان بإمكانهم الحصول على المخدرات حتى داخل السجن«. كان هذا في العام 1992، واستمرت المشكلة حتى العام الماضي، حين خرج واحد منهم من السجن.

يعيش الأخوة الثلاثة اليوم حالة »ابتعاد« عن المخدرات، »لكني أشعر من فترة لأخرى أنهم سيعودون إليها«، كما يتخوف محمد، متوقعاً عودتهم إلى هذا الطريق، »لأن لا شيء يشغلهم. فهم يعيشون حالة من الفراغ، لا بد أن تؤدي بهم إلى الشعور بالإحباط، والعودة مرة أخرى إلى هذا المجال«.

لكن، هل يصح اعتبار البطالة سبباً للإدمان، وهل كل عاطل عن العمل هو »مشروع« مدمن؟ يجيب محمد بسؤال مقابل: »إن ابتعد المدمن عن المخدرات، لكنه غير متعلم، ولا يملك مهنة يعمل بها، ويقضي طيلة الوقت في المنزل، ماذا سيفعل حينها؟. فقد صارت النساء يعملن اليوم، لتفادي الجلوس في المنزل طيلة النهار، فما بالك بالرجال؟«.

البحث عن عمل

ينقل محمد عن إخوته التائبين، حتى الحين، الرغبة بالزواج وتكوين عائلة، دون معرفة سبيل لذلك. وتتمثل المشكلة، كما يراها، في نظرة المجتمع إليهم، مشيراً إلى ضرورة »عدم معاملتهم كمن ارتكب جريمة، ولا مجال لإعادة تأهيلهم. بل يجب أعطاؤهم فرصة ثانية، ليثبتوا أنهم قادرين على التغيير«.

يساعد في هذا التغيير، كما يرى محمد، العمل والراتب الثابت، إذ لا بد أن يساعد ذلك في إبعادهم عن هذا الدرب، واندماجهم في جو جديد صحي، خال من المخدرات.

لكن حل هذه المشكلة ليس سهلاً، لأن كلاً منهم يحمل ملفاً لا يخولهم الحصول على وظائف،

لأنهم لم يحصلوا على شهادة براءة ذمة رسمية، ليقبلوا في الوظائف. وينتقد محمد الفترة الطويلة المحددة للحصول على هذه الشهادة، »لأن المدمن السابق لا يحصل على شهادة براءة ذمة من الدولة حتى مضي فترة سنتين من خروجه من السجن. وهي فترة طويلة جداً بالنسبة لشخص غير قادر على العمل. فلو كانت فترة شهر أو شهرين، يوظف بعدها، يصبح من المؤكد عدم عودته إلى هذا الدرب لأنه يتلهى بالعمل. وإلا فيعود إلى المخدرات بشكل مؤكد«.

لكن، ألا يحق للمجتمع التخوف من توظيف مدمنين في مؤسساته؟ يجيب محمد: »نعم، لكن هل أعطي هؤلاء فرصة ليثبتوا أنهم قادرون على التغير، والابتعاد عن هذا الطريق. لو وظفوا، لابتعدوا عن الإدمان«. ويرى أن هذا يجب أن يكون في المؤسسات العادية وليس مؤسسات خاصة، »لأن هذا سيساعدهم على الذوبان في المجموعة الجديدة التي يعملون فيها، والاندماج معها، وتحويل تفكيرهم للاتجاه الصحيح«.

يعمل اليوم واحد من الأخوة الثلاثة، وهو، للمفارقة، المصاب بالإيدز من بينهم. يعمل في مجال ميكانيكا السيارات، لكن إدارة العمل لا تعرف بحمله للفيروس، لأنه يماطل، منذ عام ونصف العام، في تقديم التقرير الصحي المطلوب«، لأن هذا سيعني، بالتأكيد، طرده من العمل. ويشير إلى أن أخيه، منذ تم توظيفه، ابتعد عن درب الإدمان تماماً، وتحول إلى ناصح لأخوته بالتوبة والعودة عن هذه الآفة.

لم يكن هدف محمد من رواية قصة عائلته مع الإدمان هو مجرد الحديث، بل المناشدة في مساعدة المدمنين السابقين في العودة للانخراط في المجتمع من جديد، من خلال توفير الوظائف لهم. لأن هذا، كما أثبتت تجربته، سيكون دواءهم الشافي من المادة التي تقتلهم، أفراداً ومجتمعات.

لميس حطيط