أ.د محمد رضوان الداية

لا تكاد ترجمة للمعري أو إشارة إليه تخلو من إيراد بيت من شعره، مفرد، طلب ان يكتب وينقش على قبره. ووجه اهتمام الباحثين به ان له علاقة بطبيعة حياته، وتكوين شخصيته، وحال بدنه وجوارحه.

والمعري منسوب إلى مدينة معرة النعمان. والنعمان الذي نسبت إليه المدينة هو الصحابي الجليل النعمان بن بشير الأنصاري، قال ياقوت الحموي (5 : 156)، اجتاز بها فمات له ولد فدفنه، واقام عليه، فسميت به. وقيل بل سميت بالنعمان بن عدي الملقب بالساطع. وهي مدينة مشهورة كبيرة قديمة، بين مدينتي حماة وحلب. ونقل ياقوت من شعر المعري في ترجمة مدينة معرة النعمان قوله، وقد رحل إلى بغداد:

فيا برق ليس الكرخ داري وإنما

رماني الدهر منذ ليال

فهل فيك من ماء المعرة قطرة

تغيث بها ظمآن ليس بسال؟

والشاعر هو أبو العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان. ولد سنة 363هـ نشأ في بيت علم ووجاهة. وتلقى علومه على أهله، من علوم اللغة والأدب والفقه وغير ذلك من قضايا الفكر والثقافة والحضارة والتاريخ. وقد عكس شعره هذه الملامح من وجوه معرفته ومتابعاته.

وبدأ المعري حياته شاعراً، ينظم شعره في قضايا الشعر المألوفة في زمانه الشائعة. وقصد إلى بغداد سنة 399هـ، بعد وفاة والده، فلم تقبله هذه المدينة الكبيرة كما يشتهي، وكما يليق به، ولم يقبلها فعاد غير راض عن رحلته تلك. وقبل أن يصل إلى المعرة توفيت والدته، فاكتملت له عناصر دعته إلى الانقطاع في داره، يتعيش من وقف صار إليه يغنيه عن الناس، ويحفظ له حياته. وكان يلقب نفسه لانقطاعه رهين المحبسين: الدار، والعمى. وعاش المعري زاهداً في الدنيا، ومنع نفسه ـ مبالغة في الزهد ـ من اللحوم وكل ما ينتج منها.

وصار المعري مقصداً لأهل العلم، وشخصية يعتز بها أهل مدينته وقد فزع إليه أهل المعرة للقاء صالح بن مرداس صاحب حلب وقد وصل إلى مشارف معرة النعمان قاصداً دخولها لتأديب أهلها وقد عصى عليه أهلها. فلما وصل المعري إلى خيمة صالح أنشده:

تغيبت في منزلي برهة

ستير العيوب فقيد الحسد

فلما مضى العمر إلا الأقل

وحم لروحي فراق الجسد

بعثت شفيعاً إلى صالح

وذاك من القوم رأي فسد

فيسمع مني سجع الحمام

وأسمع منه زئير الأسد

فقال صالح بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد ثم أمر بخيامه فوضعت وبأثقاله فرفعت ورحل عنها!

ومن شعره في قصيدته الذائعة قوله في شأن الموت والحياة:

غير مجد في ملتي واعتقادي

نوح باك ولا ترنم شاد

وشبيه صوت النعي إذا قيـ

ـس بصوت البشير في كل ناد

ومنها:

تعب كلها الحياة فيما أعـ

جب إلا من راغب في ازدياد

إن حزناً في ساعة الموت أضعا

ف سرور في ساعة الميلاد!

خلق الناس للبقاء فضلت

أمة يحسبونهم للنفاد

إنما ينقلون من دار أعما

ل إلى دار شقوة أو رشاد

فالإنسان خلق لأمر أراده الله: فالدنيا دار عمل ثم يكون حساب، وبعد ذلك شقوة (تؤدي إلى النار) ورشاد يقود بإذن الله إلى الجنة.

وأثنى في قطعة على تلميذه القاضي محمد بن محمد الأصفهاني وقال في آخرها:

سأنشر شكره في يوم حشر

أجل وعلى الصراط المستقيم

واشتهر البيت الذي قاله وطلب ان ينقش على قبره

هذا جناه أبي علي

وما جنيت على أحد!

والقول شعري ومعلوم ان المعري لم يتزوج، فهذا معنى انه لم يحمل أحداً أعباء الدنيا (كما قال) وأخذ بعض العلماء بيت المعري على محمل الجد، وأسرفوا في القول بلا داع. وألطف منهم، وأخف ظلاً وقولاً ما قرأته في الشوقيات (1: 310) قال:

بيني وبين أبي العلاء قضية

في البر استرعي لها الحكماء

هو قد رأى نعمى أبيه جناية

وأرى »الجناية« من أبي نعماء!

هذه هي القضية رحمة الله عليكم جميعاً