أ.د. محمد رضوان الداية
أبو الصَّلْت الداني
من الأدباء العلماء الشعراء: أندلسي من دانية، ولكنه انتقل وصار إلى بلاد المغرب ومصر. وُلد أبو الصلت أمية بن عبدالعزيز بن أبي الصلت في مدينة دانية في شرق الأندلس سنة 460هــ وتلقى علومه في دانية وغيرها. وطلب علوماً مختلفة من الشريعة والآداب من جهة وعلوم الأوائل والطب خاصة من جهة أخرى. وكان دخوله مصر سنة 489 في أيام الآمر (من الدولة العبيدية) ولازم رجلاً متنفذاً من أتباع الوزير الأفضل. فلما أصابته نكبة سنة 502هــ بغضبة من الوزير الأفضل سُجن أبو الصلت أزيد من ثلاث سنوات. ولما أطلق قصد إلى تونس وصار في كنف صاحبها يحيى بن تميم بن المعز. وتوفي في مدينة بجاية سنة 529هـــ.
برع أبو الصلت أمية في الطب والفلك والفلسفة والطبيعيات والرياضيات والموسيقى. واشتهر كاتباً ومؤلفاً وشاعراً. وقد جُمعت أشعاره الباقية في ديوان طُبع في بيروت 1990. ومن كتبه: الرسالة المصرية، والأدوية المفردة وغيرها.
وقد عانى أبو الصلت مما يعاني منه الغريب الذي تذهب به المقاصد في أنحاء بلاد الدنيا، ونقرأ له هذه القطعة التي استخدم فيها أسلوب الحوار:
وقائلة ما بال مثلك خاملاً
أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز؟
فقلت لها: ذنبي إلى القوم أنّني
لما لم يحوزوه من المجد حائزُ
وما فاتني شيء سوى الحظّ وحْدهُ
وأمّا المعالي فهي عندي غرائزُ
وهذه النغمة الواضحة في القطعة السابقة ليست أمراً طارئاً على شخصية أبي الصلت أو على شعره، ولكنها أساسية أصيلة. ونقرأ للشاعر في مجال آخر
عَذِيريَ من دهرٍ كأنّي ونزته
بباهرِ فضْلي فاستقادَ به منّي
على طريقة الشعراء، وعلى سبيل المجاز البلاغي جعل المشكلة بين الزمان، والمراد بعض أهل الزمان من الذين اغتاظوا من الشاعر لعلمه وفضله وشاعريته، وغير ذلك من أسباب الحسد عندهم. ثم قال إن الدهر أسرع عليه بالشيب قبل الأوان وجعله يلقى المعاناة قبل أوانها (ضرب لذلك مثلاً ممن يجد في آنية الزيت العَكَر والشوائب قبل الزيت الصافي):
تعجّلني بالشيب قبل أوانه
فجرّعني الدُّردي من أوّل الدّنّ!
وما مرّ بي كالسجن فيه ملمّة
وشرّ من السجن المصاحب في السجن
وختم القصيدة بهذين البيتين وفيهما استسلام لمجريات أحداث الدنيا وقبول ـــ عن رضا أو عن كره ـــ بما تجيء به الأيام:
متى صَفتِ الدنيا لحرّ فأبتغي
بها طيب عيشي أو خُلوّي من الحُزن؟
وهل هي إلا دار كل مُلِمّةٍ
أمضُّ لأحشاءِ اللّبيبِ من الطعْنِ
وسجل شعر أبي الصلت الداني ملامح من أحواله وقد أتعبه المرض، وتوالت عليه أعباء الزمن، كقوله يخاطب ابنه عبدالعزيز (وفيات الأعيان 1:246):
عبدالعزيز خليفتي
ربّ السماء عليك بعدي
أنا قد عهدت إليك ما
تدريه فاحفظ فيه عهدي
فلئنْ عملت به فإنّــــ
ك لا تزالُ حَليفَ رُشدِ
ولئن نكَثت لقد ضللـــ
تَ وقد نصحتك حسب جَهْدي!
ونصّت كتب التراجم (مثل وفيات الأعيان، ونفح الطيب، وشذرات الذهب) على أن آخر شعر قاله أبو الصلت الدّاني الأندلسي خمسة أبيات نظمها لتُكتب وتُنقش على شاهد قبره، وهي:
سكنتك يا دار الفناءِ مصدّقاً
بأنّي إلى دار البقاءِ أصيرُ
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌ
إلى عادلٍ في الحكم ليس يجورُ
فياليت شعري كيف ألقاه عندها
وزادي قليلٌ والذنوب كثيرُ
فإن أكُ مجزياً بذنبي فإنني
بشرِّ عقاب المذنبين جديرُ
وإن يك عفوٌ منه عنّي ورحمة
فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرورُ
ونلاحظ أن الشاعر قابل في البيت الأول بين دار الفناء ودار البقاء. وهذا من هاجس كثير من الشعراء، وأنه ذكر الزّاد الذي يرحل به واعتماده على العفو والرحمة. وملاحظة أخرى هي أن في بعض روايات ابن خلكان في البيت الرابع قوله: »بشرّ عقاب المجرمين جدير« وهذا على المبالغة في ذكر التقصير أو الهفوات.