اجتاز العراق أمس مرحلة الاستفتاء على مسودة الدستور المثير للجدل بنجاح أمني لافت وإقبال متفاوت على المشاركة في التصويت بين محافظة وأخرى، فبينما كان كثيفاً في المحافظات الجنوبية الشيعية والشمالية الكردية كان ضعيفاً في المحافظات الغربية السنية ووصل أحياناً إلى حد المقاطعة، ووصلت نسبة المشاركة الكلية في الاستفتاء الذي تعلن نتائجه خلال ثلاثة أيام 61 في المئة.

واستبق الرئيس العراقي جلال الطالباني نتائج الاستفتاء التي ينتظر إعلانها رسميا خلال ثلاثة أيام، وتوقع مع رئيس وزرائه إبراهيم الجعفري أن تصوت الأكثرية بنعم.. فيما قال البيت الأبيض إن العملية السياسية ستتواصل حتى ولو رفض العراقيون الدستور واعتبر الرئيس الأميركي جورج بوش الاستفتاء هزيمة للإرهاب.

وبدا أن الإجراءات الأمنية المشددة شجعت على تحدي الخوف وأسفر ذلك عن إقبال كثيف على التصويت في المناطق الشيعية والكردية في جنوب وشمال البلاد، بينما بدأ التصويت محدودا ثم أخذ في التصاعد في بعض المناطق ذات الغالبية السنية في بغداد ومحيطها.وفي ظل حظر كامل على جميع السيارات الخاصة في إطار الإجراءات الاحترازية، توجه الناخبون المقدر عددهم بنحو

5,15 مليوناً إلى مراكز الاقتراع سيراً على الأقدام في أنحاء بغداد والبصرة وكركوك ومدن أخرى وان كان الإقبال شحيحا في بعض المناطق الغربية التي بها وجود قوي للمسلحين السنة. وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها في السابعة صباحا وأغلقت في الموعد المحدد في الخامسة بعد الظهر (بالتوقيت المحلي) في جميع أنحاء العراق وبدأ فرز الأصوات مباشرة بعد إغلاق المكاتب.

وسارت عملية التصويت بسلاسة رغم أعمال عنف معزولة على عكس الانتخابات التي جرت يوم 30 يناير عندما شن مسلحون أكثر من 100 هجوم من بينها تفجيرات انتحارية في ذلك اليوم قتل فيها أكثر من 40 شخصاً.وباستثناء خطف عشرة من موظفي الانتخابات في الفلوجة غرب بغداد لم يسجل وقوع أحداث تذكر.

وأعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن مسلحين خطفوا عشرة من موظفيها قرب الفلوجة كانوا متوجهين إلى مركزين للاقتراع. ورغم الإقبال الكثيف على التصويت في أجزاء عديدة من العراق بدا المشهد كما لو لم يكن هناك عملية تصويت في الرمادي وهي معقل للمسلحين إذ لم تفتح مراكز الاقتراع.

وفي الموصل ثالث اكبر المدن العراقية وهي منطقة تشهد نشاطا قويا للمسلحين كان الإقبال على التصويت شحيحا عند مراكز الاقتراع ووزعت نشرات إعلانية تحث الناس على الابتعاد عن مراكز التصويت. وفي تكريت وهي معقل الرئيس المخلوع صدام حسين، كان الحضور ضعيفا وقت فتح مراكز الاقتراع البالغ عددها 27 مركزاً أبوابها لكن الإقبال تحسن نسبيا في وقت لاحق.

وقال مدير مكتب التنسيق في تكريت العميد عيسى عبد محمود أن 155 ألف ناخب أدلوا بأصواتهم في محافظة صلاح الدين حتى الظهر من مجموع 560 ألف ناخب في المحافظة لكنه لم يحدد عدد من صوتوا في تكريت نفسها. وفي الفلوجة كان لافتا اصطفاف العشرات منذ الصباح أمام مراكز التصويت وغلب الهدوء على الوضع حيث تولت الشرطة وعناصر أمنية الأمن.

وأصبحت الأعداد في بعض المراكز المخصصة للتصويت وعددها تسعة، بالمئات في وقت لاحق. وفي منطقة بعقوبة التي تقع على مسافة 65 كيلومترا إلى الشمال من بغداد قال مراسل وكالة «رويترز» إن شوارع المدينة خلت من أية حركة باستثناء انتشار ملحوظ لقوات الأمن العراقية. وأضاف أن مراكز الاستفتاء في مركز المحافظة «لم تستقبل رغم مرور ما يقارب الساعتين على انطلاق عملية الاستفتاء أي شخص.»

وفي مدينة كركوك كانت مراكز الاقتراع في المناطق التي يسكنها التركمان والعرب خالية بينما شهدت مراكز الاقتراع في المناطق التي تسكنها أغلبية كردية في الشمال وشيعية في الجنوب توافدا كبيرا ومنذ الساعات الأولى. وفي اربيل (355 كم شمال)، تجمعت «حشود» الناخبين حول مراكز الاقتراع وأمامها بعدما دعا الحزبان الكرديان الرئيسيان إلى التصويت بكثافة.

وفي النجف والحلة جنوب بغداد دعت مكبرات الصوت من المساجد الناخبين التوجه إلى مراكز الاقتراع لان الدستور «يشكل مرحلة الخلاص للعراقيين». وفي المنطقة الخضراء المحصنة حيث يوجد مقر الحكومة العراقية كان الرئيس العراقي جلال الطالباني ورئيس الوزراء إبراهيم الجعفري من بين أول من أدلوا بأصواتهم. وقال الطالباني للصحافيين انه صوت ب«نعم» وحث جميع العراقيين على التصويت ب«نعم» أيضاً.

وأضاف «اعتقد أن الأكثرية سوف تصوت بنعم على الدستور». من جهته، قال الجعفري إن الخطة الأمنية اتخذت طابع التحدي لهذا اليوم، نأمل أن تسير الأمور بشكل جيد. وأوضح «نحن اليوم أمام محطة عبور كبيرة ونوشك على أن نصل إلى مرفأ الاستقرار السياسي بناء على قاعدة دستورية».

وأقر الجعفري بأن الدستور العراقي كتب في وقت قصير وقال «في العالم يستغرق الأمر وقتا طويلا لان الدستور كائن حي فيه مفاهيم وحريات، لكن الزمن وحده ليس هدفا فمن خلال انفتاحنا على العالم استطعنا الاستفادة من مضامين مشتركة مثل حقوق الإنسان وما إلى ذلك من حريات».

وأعلن رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عبد الحسين الهنداوي بعد إغلاق المراكز ان نسبة المشاركة في الاستفتاء في جميع أنحاء العراق بلغت نحو 61% وفقا لتقديرات أولية. وأكد ذلك المسؤول في اللجنة الانتخابية، عادل اللامي مشيراً إلى أن النتائج النهائية لن تعلن قبل ثلاثة أيام.

وقال المسؤول في المفوضية فريد أيار إن حجم الإقبال على الاستفتاء ربما يكون قد وصل عشرة ملايين ناخب أو ثلثي عدد الناخبين المسجلين. وقال لرويترز «أعتقد ان العدد يمكن أن يزيد على عشرة ملايين.. أعتقد.. آمل ذلك».

وأضاف «كنت أعتقد انه كان بمقدورنا أن نستقطب أكثر من 11 مليون ناخب.. فالعراقيون يزداد تعودهم على عملية التصويت الآن.. ولذلك فلربما كان الأمر أخف (مما هو متوقع.. بالإضافة إلى شهر رمضان».وإذا كان عشرة ملايين أدلوا بالفعل بأصواتهم من أصل 5. 15 مليون ناخب مسجل فستكون نسبة المشاركة في الاستفتاء نحو 65 في المئة أو أكثر من نسبة الإقبال على الانتخابات التي جرت في يناير وبلغت 58 في المئة.

بغداد ـ «البيان» والوكالات