روجت وسائل إعلام غربية ان واشنطن عرضت على نظام الرئيس السوري بشار الأسد صفقة شبيهة بالصفقة التي انهت عزلة نظام الزعيم الليبي معمر القذافي تتعاون بموجبها دمشق في التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وعدم التدخل في الشؤون اللبنانية والعراقية مقابل اخراج سوريا من عزلتها الدولية.

وهو ما رفضته دمشق، وانتقدت في الوقت ذاته ما نشر عن طلب ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق في اغتيال الحريري توسيع مهمته لتشمل التحقيق في انتحار وزير الداخلية السوري غازي كنعان قبل أيام.ورغم اشاعة أجواء الصفقة إلا ان تقارير إعلامية غربية تحدثت عن ان الجيش الأميركي يدرس شن عمليات استخبارية داخل سوريا وسط مخاوف من تحول اشتباكات على الحدود السورية العراقية مع الجيش الأميركي إلى جبهة خطرة.

وأوضحت صحيفة «التايمز» البريطانية أمس أن العرض الأميركي الذي سمي بـ «صفقة القذافي» مشابه للاقتراح الذي عرض قبل سنتين على الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، الذي كانت بلاده في عزلة دولية اثر الاعتداء على طائرة «بانام» الأميركية فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية. ورأت الصحيفة أن المسألة قد تحل اعتبارا من الأسبوع المقبل مع رفع تقرير الأمم المتحدة عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري إلى الأمين العام للمنظمة الدولية كوفي عنان.

وأضافت ان الاستنتاجات التي سترد في التقرير غير معروفة بعد لكن يتوقع بشكل عام أن ترد أسماء مسؤولين سوريين كبار في مجال الاستخبارات.ونقلت الصحيفة عن مسؤول دبلوماسي عربي كبير قوله «إن نظام الرئيس السوري بشار الأسد تنتظره أيام عصيبة، فأصدقاؤه باتوا قلائل. ويبذل كل ما في وسعه للخروج من الوضع الصعب هذا».

وكتبت إن واشنطن تريد أن تلبي سوريا أربعة شروط رئيسية: أن تتعاون بالكامل مع محققي الأمم المتحدة بشأن التحقيق في اغتيال الحريري وقبول أي طلب يصدر عنهم، وأن يتم استجواب أي مسؤول في النظام السوري يرد اسمه كمشتبه به وحتى ملاحقته القضائية، وأن يتوقف السوريون عن التدخل في شؤون لبنان، وأن تتوقف دمشق عن تجنيد متطوعين وتمويلهم وتدريبهم ليشاركوا في أعمال عنف في العراق.

وقالت «التايمز» إن واشنطن تتعهد في مقابل ذلك بإقامة علاقات كاملة وودية مع سوريا لجعلها مجدداً بلداً يجذب استثمارات أجنبية. وشددت الصحيفة على أن «الأميركيين على اقتناع أن الأجواء في منطقة الشرق الأوسط ستتغير برمتها في حال قامت سوريا بتحول جذري في موقفها: فلبنان عندها سيتحرر وستوجه ضربة قوية للتمرد في العراق وسيفتح الباب أمام سلام تدريجي بين إسرائيل وفلسطين».

ونقلت الصحيفة عن مصدر لم تسمه مقرب من النظام السوري إن الاقتراحات الأميركية عرضها طرف ثالث خلال الأيام العشرة الأخيرة وان السوريين أعربوا عن عزمهم على التعاون. لكن مسؤولين بريطانيين يشككون رغم ذلك بموافقة الرئيس السوري على الصفقة التي تشكل بالنسبة له تراجعاً كبيراً، ونقلت «تايمز» عن مصدر سوري مقرب من عائلة الأسد قوله ان الرئيس السوري سيرد سلباً على الاقتراحات الأميركية.

وقالت مصادر رسمية سورية لـ «البيان» إن الحديث عن صفقة بين واشنطن ودمشق «أمر غير دقيق، فسوريا لا تعقد صفقات مع أي طرف لأن موقفها واضح وسليم من مختلف القضايا الخلافية، أما الحوار فإنه مطلب سوري لأنه يسمح بمناقشة كل القضايا بروح منفتحة تعرض وجهة النظر السورية المدعمة بالحجج والأسانيد التي تثبتها».

وأضافت المصادر «ان دمشق مستعدة للتجاوب بشكل إيجابي مع جميع المبادرات التي تهدف إلى إعادة الأميركيين إلى طاولة الحوار والكف عن توزيع الاتهامات الاعتباطية عبر وسائل الإعلام وهو أمر لا يخدم الاستقرار في المنطقة».

في موازاة ذلك، نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أمس إلى مسؤولين حاليين وسابقين قولهم إن الجيش الأميركي يدرس خططاً لشن عمليات خاصة داخل سوريا مستخدماً فرقاً سرية لجمع معلومات استخبارية عبر الحدود.

وذكرت الصحيفة أن سلسلة من المواجهات وقعت في الفترة الأخيرة بين قوات أميركية وسورية بينها تبادل لإطلاق النار دام لفترة هذا الصيف وقتل فيه عدد من السوريين، مما يعزز احتمال أن تتحول العمليات العسكرية عبر الحدود إلى جبهة جديدة خطرة في العراق. ونقلت عن مصادر عسكرية وحكومية سابقة وحالية لم تسمها، قولها إن تبادل إطلاق النار بين القوات الأميركية والقوات السورية عند الحدود السورية ـ العراقية كان أخطر هذه المواجهات بين الطرفين.

وقال أحد كبار مساعدي الرئيس الأميركي جورج بوش طالباً عدم الكشف عن هويته للصحيفة، إن قوات عسكرية أميركية انتقلت إلى المنطقة الحدودية لمنع تسلل متمردين، لكنه شدد على أنها امتنعت حتى الآن عن عبور الحدود. لكن مسؤولين آخرين يقولون إن معلوماتهم مستقاة من الأرض أو من حديثهم إلى قادة عمليات خاصة، يؤكدون أن العمليات تجاوزت الحدود عن طريق الخطأ أحياناً وعمداً أحياناً أخرى.

في غضون ذلك، أبدت المصادر السورية استغرابها مما نشر عن طلب القاضي ديتليف ميليس، رئيس لجنة التحقيق الدولية في مقتل الحريري، رسمياً من سوريا السماح له بالتحقيق في حادثة انتحار وزير الداخلية غازي كنعان بما في ذلك إعادة تشريح الجثة. وقالت المصادر إن القضاء السوري تولى التحقيق في هذا الحادث وتبين أنه انتحار، وعرض الأدلة والوقائع كما هي أمام وسائل الإعلام، مستغربة محاولات ربط هذه القضية الفردية الشخصية بموضوع اغتيال الحريري.

ولم ينف الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية آدم إيرلي، احتمال إقدام الحكومة الأميركية على ممارسة ضغوط لتوسيع مهمة ميليس كي تشمل التحقيق في انتحار وزير الداخلية السوري. وقال في تصريح لإذاعة «سوا» بث أمس إن واشنطن مستمرة في مطالبة جميع المعنيين بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية والامتثال لقرار مجلس الأمن 1559. وأضاف ان واشنطن تتطلع باهتمام لاستلام تقرير ميليس ودرس ما يتضمنه بعد تقديمه في الخامس والعشرين من هذا الشهر إلى مجلس الأمن.

دمشق ـ تيسير أحمد:

لندن، واشنطن ـ الوكالات: