يقول الله تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين) النحل 103. أي مجد بعد هذا ينسب إلى لغة الضاد؟ وأي علو وسمو مكانة بعد كلام الله سبحانه وتعالى الذي نزل به الوحي الأمين على نبي الله الكريم بلغة عربية فصيحة البيان.

ضروري الإشارة إلى أن التيارات الثقافية الأجنبية صارت تكثف من غزوها ومحاولاتها المستمرة لطمس هوية لغتنا العربية. وشيئاً فشيئاً إن لم نفق من هذه الغفلة سنجد مجتمعاتنا العربية قد تلاشت وذابت هويتها وجرفتها أمواج هذه الأفكار والثقافات الدخيلة علينا. والمتأمل في هذا الغزو الثقافي يجد أنه يأخذ صوراً وأشكالاً مختلفة ومتعددة، فيها من الفطنة والذكاء والبرمجة ما يجعلنا نكاد لا نشعر به،

بل ونتعامل معه وكأنه أحد المسلّمات التي يحتم علينا الواقع أن نتعامل ونتعايش معه، ولكنه في حقيقة الأمر داء خطير يسري في جسد هذه الأمة كسريان النار في الهشيم لا ينفك أن يقضي على الأخضر واليابس إن لم نتصدى له، خوفاً من أن يأتي زمن تتساءل فيه الأجيال المقبلة عن هويتها وإلى من تنتمي.

لقد ظللنا نتابع باهتمام كبير كل ما تسطّره الأقلام الواعية والمدركة لحقيقة هذا الزحف الثقافي المبرمج، وتعي أهدافه ومراميه، فتتسارع بين فترة وأخرى إلى تعريته وكشف حقيقته حتى لا ينجرف العرب مع تيارات دخيلة حتماً ستقودهم إلى المجهول والتخلي عن الجذور.

أسعدتني جداً الجرأة التي تناولت بها الابنة الدكتورة حصة عبد الله لوتاه مقالها «الرطانة أم الرصانة» في جريدة «البيان» أواخر سبتمبر الماضي وفضحها بعض محاولات طمس هوية اللغة العربية وكشفها لحقيقة انجراف بعض الجهات وراء هذه التيارات واتخاذها للغات وافدة أساساً للتعامل والمخاطبة، فقد نجد العذر المرحلي للبعض، ولكن ماذا نقول في مؤسسة تعنى بأمر تراثنا وقيمنا اتخذت اللغة الإنجليزية أساساً لتعلمها.

إن أفراد هذه المؤسسة التراثية إن كانوا لا يدرون أن التراث والأجنبي خطان متوازيان فهذه مصيبة، أما إن كانوا يدرون ومع ذلك جعلوا اللغة الأجنبية أصلاً لهم، فهذه هي المصيبة الأكبر. والأمر برمته يحتاج أن تراجعه جهة الاختصاص.

نحن نضم صوتنا مع صوت كاتبة المقال ونضع قلمنا في خندق واحد مع قلمها من أجل مناهضة هذه الهجمات الشرسة الموجهة إلى لغتنا العربية لغة القرآن الكريم. وهذا يدعونا إلى أن نردد نداءاتنا المتكررة بضرورة الالتفات كلية نحو المحافظة على دعائم هذه اللغة وتثبيتها.

ونحن على استعداد تام لتقديم النموذج الذي يؤدي إلى التمكين والتعميم. وما طبقناه في المدرسة الإسلامية للتربية والتعليم نرى أنه تجربة يجب على الجميع أن يطبقوها وسوف نعينهم بإذن الله على ذلك.نحن نهتم باللغة العربية ونرى أن الخط العربي الأصيل جزء لا يتجزأ منها، ونرى أن الاهتمام بها في المدارس عموماً ينحصر فقط في الحصة محدودة الزمن المخصصة لها وهذه قطعاً لا تفي بالغرض.

لذلك رسخنا في النموذج الذي طبقناه في المدرسة الإسلامية مبدأ عمومية اللغة العربية في جميع المواد، ففي حصة التربية الإسلامية تستنبط قواعد اللغة العربية، ويتم التركيز على القراءة والنطق السليم، وكذلك في حصة الحساب والعلوم الطبيعية وغيرها من المواد، وهذا لا يجعلنا نغفل اللغات الأخرى، فنحن نهتم اهتماماً كبيراً باللغة الانجليزية، ولكنها لن تحل مكان لغتنا العربية التي نعمل على تأصيلها.

بجانب هذا يجب أن نلفت الانتباه إلى ضرورة العمل بنظام المعلم الشامل أو أستاذ الصف الذي يكون ارتباطه ارتباطاً وثيقاً بطلابه طيلة اليوم الدراسي. حيث تنشأ بينه وبين الطلاب علاقة متميزة أساسها المحبة والاحترام والتقدير ومن ثم يسهل على الطلاب فهم واستيعاب ما يتلقونه من دروس أو ما يستخلصونه بتوجيهات مدرسهم.

وفوق هذا وذاك يحق لنا أن نتساءل: كيف يستوي أن يربي ابني ستة أو سبعة معلمين يدخلون عليه واحداً تلو الآخر طوال اليوم الدراسي وهم من بيئات متعددة ولهجات مختلفة وأفكار وثقافات متباينة، أليس في ذلك سبباً لتشتيت ذهن الطالب وعدم تركيزه؟ ثم ان ما يبنيه مدرس اللغة العربية من قواعد في ذهن الطالب، يأتي مدرس مادة أخرى ليهدمه دون قصد وفي اليوم نفسه. وهكذا يظل الطلاب والمدرسون يدورون في حلقة مفرغة ودون أية نتائج ملموسة.

نعتقد أن سياسة دفن الرؤوس في الرمال ستعود بنا سريعاً إلى الوراء وتزيدنا تخلفاً على تخلف إن لم نفق من هذه الغفلة، والنظم التربوية والتعليمية الحالية رغم الجهود الجبارة والمقدرة التي يبذلها القائمون على أمرها، ثبت أنها لا تتناسب وحاجة المجتمع.

لذلك نرى أن التفكير والسعي الجاد لإيجاد بدائل غير تقليدية هم السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة والحفاظ على هوية لغتنا الجميلة لغة الضاد وحمايتها من طوفان الغزو الثقافي والفكري الذي سيؤدي إن غفلنا إلى اضمحلالها إن لم يكن زوالها، ولدينا الحل والبديل الذي عجمنا عوده على مدار سنين وثبت لنا نجاحه.. فهل من طارق؟

سعيد بن أحمد آل لوتاه