فوجئت الأوساط السياسية السورية واللبنانية والاقليمية بإعلان دمشق انتحار وزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان برصاصة في الفم داخل مكتبه أمس خاصة انها جاءت بعد ساعات من تصريحات للرئيس السوري بشار الأسد توعد فيها بتخوين ومحاكمة أي مسؤول من بلاده يثبت تورطه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وبعد أسابيع من استجواب كنعان من قبل لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري برئاسة المحقق الدولي ديتلف ميليس الذي سيقدم تقريره بعد أيام لمجلس الأمن وسط تسريبات بأن التقرير ربما يتضمن توجيه اتهامات لمسؤولين سوريين بالتورط في الاغتيال كان آخرها تقرير تلفزيوني لبناني أذيع الليلة قبل الماضية يتهم كنعان بالتورط في عمليات فساد مالية واسعة النطاق في لبنان وهو ما نفاه كنعان نفسه قبل انتحاره بساعتين طالباً تعميم تصريحه بالنفي باعتباره «آخر تصريحاته».
وفي نبأ مقتضب قالت وكالة الأنباء السورية (سانا) أمس: «توفي السيد اللواء غازي كنعان وزير الداخلية في مكتبه قبل ظهر اليوم (أمس) منتحراً وتقوم السلطات المختصة بإجراء التحقيقات اللازمة في الحادث».ونعت رئاسة الحكومة السورية كنعان (63 عاماً) في بيان لكنها لم تعط أية تفاصيل إضافية.
وواصلت الإذاعة والتلفزيون السوريين البرامج المعتادة. وقال وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله لتلفزيون «الجزيرة» القطري «حتى الآن نحن لا نعرف أسباب (الحادث) لكن محققينا سوف يطلعوننا بسرعة»، وأضاف «مهما حدث لن يؤثر على الاستقرار والتماسك الداخلي في سوريا. نحن إحدى أكثر الدول استقراراً في المنطقة».
ورداً على سؤال عما اذا كان الحادث مرتبطاً بالتحقيق، في اغتيال الحريري قال دخل الله: «بالطبع الوقت حساس. لكن أنا أتحدث عن حقائق وليس حول شكوك. النتائج التي توصلت لها لجنة التحقيق معروفة، ليس هناك اي دليل يشير إلى سوريا». وأوضح وليد أباظة مدير مكتب وزير الداخلية السوري ان كنعان انتحر برصاصة في فمه. وقال ان «اللواء كنعان غادر الوزارة لمدة ثلث ساعة إلى منزله ثم عاد
ودخل مكتبه وبعد عدة دقائق سمع صوت طلق ناري وكانت الطلقة من مسدس في فمه». وكان الرئيس السوري بشار الأسد نفى، قبل انتحار كنعان، اي علاقة لدمشق باغتيال الحريري، لكنه أشار، في مقابلة مع شبكة «سي ان ان» الأميركية، إلى انه «إذا اثبت التحقيق الدولي تورط مواطنين سوريين (في الحادث) فان هؤلاء الأشخاص سيعتبرون خونة وسيعاقبون بشدة»، وأوضح ان هؤلاء يمكن ان يحاكموا أمام القضاء السوري أو أمام محكمة دولية.
وفي لبنان عمت الصدمة والحذر في التصريحات الأوساط السياسية، وامتنع العديد من المسؤولين اللبنانيين ممن حاولت «البيان» التحدث إليهم التعليق على الخبر.وسئل رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، لدى مغادرته مجلس النواب أمس، عن تعليقه على نبأ وفاة كنعان، فأجاب: «ليس عندي أي معطيات لأدلي بها، وليرحمه الله».
وقال رئيس «تكتل الإصلاح والتغيير» النائب ميشال عون تعليقا على نبأ الوفاة إن كنعان كان في فترة محددة «حاكم لبنان الفعلي الذي يقوم بالمناورات السياسية لتأليف الحكومة»، وأشار إلى انه «إذا ما فتحت ملفات في وقت لاحق اعتقد أنها ستتوقف عند كنعان ولن نعرف بعد اليوم من هو الضالع الحقيقي فيها».
وقال ديفيد وولش مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط بعد محادثات أجراها في بيروت «سمعت الأنباء، انه حدث كبير وسوف نرى أي أهمية له».وبعد ساعات من الانتحار طالب الرئيس الأميركي جورج بوش سوريا بالتعاون في التحقيق بقضية اغتيال الحريري.
وكنعان هو أحد الشخصيات التي استجوبها القاضي الألماني ديتليف ميليس، رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، الشهر الماضي في دمشق. أما الشخصية البارزة الثانية فكانت رستم غزالي الذي خلف كنعان في لبنان.
وكان آخر ما سمعه اللبنانيون عن هذا الرجل الذي كان منذ أوائل الثمانينات وحتى العام 2002 لاعبا أساسيا في السياسة اللبنانية، ما ذكرته محطة «نيو.تي.في» التلفزيونية اللبنانية أن كنعان كان يتلقى أموالا من رفيق الحريري الذي كان أيضا يوزع عبره شيكات على عدد من السياسيين اللبنانيين. وقالت المحطة ان كنعان أبلغ هذه المعلومات إلى لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري مؤكدا أن لا علاقة له بالجريمة.
إلا أن كنعان نفى في وقت سابق أمس ما أوردته المحطة»، وقال في تصريح لإذاعة «صوت لبنان»: «لنا مصلحة سورية كبرى في كشف الحقيقة. وفي ما خص شهادتي أمام اللجنة فقد أضأت فيها على حقبة خدمنا فيها لبنان وتحدثت فيها عن كل ما طلب مني بموضوعية». أضاف «لقد خدمنا مصلحة لبنان بشرف وأمانة.
أعطينا وأخذنا من كل الشرفاء في لبنان وهم الغالبية من السياسيين والإعلاميين والمواطنين، ولم نوفر دما أثمر في وحدة لبنان وتحريره الذي كان مستحيلاً من دون سوريا».واعتبر كنعان «أن ما يروج في بعض وسائل الإعلام من إشاعات موجودة فقط في أذهان مروجيها لمآرب سياسية أو خلفيات حاقدة»، وأمل في «الرجوع إلى الذات واتقاء الله في ما يقولون»،
وقال إن «العلاقة مع اللبنانيين كانت قائمة على المحبة والاحترام المتبادل لمصلحة الجميع في لبنان لإخراج هذا البلد من محنته».وما كان لافتاً في تصريحاته ان كنعان طلب تعميم التصريح على وسائل الإعلام اللبنانية «لأنه يمكن أن يكون آخر تصريح لي».وذكرت مصادر سورية أن كنعان كان يعاني من ضغوط نفسية شديدة في الآونة الأخيرة نتيجة التقارير الصحافية التي أشارت إليه بإصبع الاتهام في جريمة اغتيال الحريري.
وكان آخر ظهور علني لكنعان مساء أول من أمس خلال اجتماع مجلس الوزراء السوري، حيث ظهر على شاشة التلفزيون إلى جانب وزير الاقتصاد السوري عامر حسني لطفي. وكان كنعان عيّن رئيسا لجهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية التي عملت في لبنان في أحلك محطات الحرب الأهلية اللبنانية (1983- 2002 ) ومن عام 2002 إلى 2004 تم تعيينه مديرا لإدارة الأمن السياسي. وفي أكتوبر الماضي تم تعيينه وزيرا للداخلية السورية في التعديل الوزاري الذي أجراه الأسد.
وكانت تقارير صحافية ذكرت أخيراً أن ميليس سيوجه في تقريره اتهامات ضد مسؤولين أمن سوريين. ونقلت عن دبلوماسي غربي توقعه أن «يكشف التقرير أن الهجوم على موكب الحريري واغتياله كان مخططا له قبل وقوعه بشهور وأن هذا التخطيط مؤسساتي وليس فردياً»،
وأشار إلى أن التقرير «سيوجه الاتهام إلى بعض أعضاء الجهاز الأمني السوري ومن المتوقع أن يتوصل إلى استنتاج مفاده أن الأوامر صدرت من مستوى رفيع».ومن المقرر أن يسلم ميليس، الذي وصل إلى بيروت أمس مع أربعة محققين جدد، تقريره في 21 الشهر الجاري إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.
دمشق، بيروت ـ «البيان» والوكالات