برعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع راعي جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم تبدأ مساء اليوم فعاليات المسابقة القرآنية الدولية للجائزة والتي يشارك فيها أكثر من 78 متسابقاً من الدول العربية والإسلامية والجاليات المسلمة في الخارج.

وذكر المستشار إبراهيم محمد بوملحة رئيس اللجنة المنظمة للجائزة أن الدورة التاسعة للمسابقة تشهد حضوراً بارزاً وقوياً من معظم دول العالم الذين وفدوا إلى دبي للمشاركة في هذه المسابقة، مشيراً الى ان تأثيرها كان عظيماً في جذب الناشئة إلى حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتجويده.

وأوضح الدكتور عصام البشير الداعية الإسلامي في محاضرته التي ألقاها ضمن الفعاليات الثقافية الجديدة لجائزة دبي الدولية للقرآن ان العصر الحديث تميز بكثير من الخصائص والتي تشمل سقوط الحواجز المكانية والخصوصيات الثقافية والحضارية .

وغدا العالم قرية كونية صغيرة، مشيراً الى أن هذا العصر عرف باسم عصر الثورات الست وهي: ثورة الاتصالات وثورة الفضاء وثورة التكنولوجيا وثورة البيولوجيا والجينات.

وقال في محاضرته بعنوان «نحو خطاب إسلامي مرتبط بالأصل ومتصل بالعصر» إن هذه الثورات لها افرازاتها على الصعيد الاقتصادي والسياسي والفنون والثقافة والتعليم، وإزاء هذا الواقع لابد من تفحص خطابنا الإسلامي والدور المنوط به من باب نقد الذات وليس جلد الذات.

وأضاف ان الخطاب ثمرة الفكر والفكر ثمرة العقل بتعامله مع النص قرآنا وسنة وحيث يطرأ على الجهد البشري القصور والبلى والتجديد وليس له عصمة النصوص وقداسة الوحي المنزلي.

وأضاف: أن الخطاب الإسلامي المعاصر يتجه إلى خمسة مسارات تتضمن: خطاب التقوقع والعزلة والخطاب الاحترازي، والخطاب الانتحاري، والخطاب الاشتجاري الذي يقوم على إشاعة الخلاف والفرقة، ثم الخطاب الانبهاري.

وقال إن القائمين على خطاب التقوقع والعزلة والانكفاء إنما يحسبون أن هذه العزلة لطلب التحصن والوقوف ضد العوادي التي تفد الينا بغير استئذان، ويفزع أهل هذا الاتجاه من أن القابلية للتفاعل إنما يعني فقدان الهوية وفقدان الذاتية والخصوصية.

ولكن العزلة اليوم لم تعد ممكنة جراء الثورات الهائلة التي أسقطت الحواجز، وليست بجائزة شرعاً لأن المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

وأشار إلى أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حملة مشاعل الخير كان لهم تدافع بين الحق والباطل وبين الظلام والنور، ولذلك فإن هذا الوافد من الثقافات لا يجدي معه الانكفاء بل لابد من أن ندفع القدر بالقدر، أن ندفع قدر الضراء بالسراء، وضعف الهمة بعلوها.

وقال إن الجوع بقدر الله يدفع بالطعام الذي هو قدر الله، والسيئات تقع بقدر الله وتدفع بالحسنات «إن الحسنات يذهبن السيئات»، «واتبع السيئة الحسنة تمحها».

وعن الاتجاه الثاني قال الدكتور البشير إن الخطاب الاحترازي يعيش على ماضي الأمة التليد وما كان عليه سلفنا الصالح ولا يقول أهله «ها أنا ذا بل يقول كان جدي وأبي»، ويعيش على قاعدة «ليس بالإمكان أبدع مما كان»، ولكن نقول لهم إن الزمان غير الزمان والمشكلات غير المشكلات التي عاشها الأولون.

والسلف الصالح اجتهدوا لعصرهم فواجهوا مشكلاته، ونحن مأمورون بمواجهة مشكلات عصرنا «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم» ويجب الاقتداء بأسلافنا في المنهج وفي كليات المعاني، ولكن القضايا التفصيلية والجزئيات لابد وان نجتهد فيها وفق ما استجد في عصرنا وذلك على المنهج الذي كانوا عليه.

وقال إن الخطاب الانتحاري هو الخطاب الذي بدأ بالتكفير وانتهى بالتفجير ولا يعرف الاختلاف الذي احتملته الشريعة واحتملته مذاهب العلماء والفقهاء، مبيناً أن هذا الاتجاه غلا في التكفير والتفسيق والتضليل والتجهيل لكل مخالف للرأي وأخرج كثيراً من الأمة حكاماً ومحكومين ومؤسسات وأفراداً من الملة، وانتهى إلى استخدام القوة بغير علم.

واستهدف الأعراض والأموال والأنفس دون رعاية للنفس التي كرمها الله سبحانه وتعالى، كما أوجد هذا الاتجاه احتقاناً وتوتراً، واختلط الحابل بالنابل.

وأكد الدكتور البشير أن تكفير المسلم ليس بالأمر الهين، لأنه حين يكفر مسلم مسلماً فلابد وأن تطلق زوجته ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأنه استحق الخلود في نار جهنم.

وأما الاتجاه الرابع فهو الاتجاه الاشتجاري الذي يقوم على إشاعة الخلاف وضيق الصدر به ولو كان هذا الاختلاف في الفروع، فنظرة أصحاب هذا الاتجاه أحادية، ما عندهم هو الحق المطلق وما عند غيرهم هو الباطل المطلق.

وينزعون إلى إثارة النعرات المذهبية والفقهية حتى في المسائل الوارد فيها هذا الاختلاف، على الرغم من أن الاختلاف رحمة بالأمة، ووحدة الأمة المطلوبة في الأصول وأما الاختلاف ففي الفروع من باب التوسعة على الناس، والتيسير عليهم، ولكنهم يضيقون واسعاً، ويفسرون بعض النصوص بغير علم أو معرفة.

وأشار الدكتور عصام البشير إلى أن الاتجاه الانبهاري والاستلابي والتغريبي يرى أن الأمة لا تنهض إلا بسلوك طريق الحضارة الغربية وتقليدها في كل شيء، وهي الحضارة التي بلغت شأناً عظيماً.

ومن هنا فقد انبهر بها كثيرون وأشاعوا أن أمتهم لن تتقدم إلا بالحياة الغربية بخيرها وشرها، وهم لا يفرقون بين العقائد والقيم، والحقيقة أن علينا أن نقبل النافع ونترك الضار من هذه الحضارة، ولكنهم، أرادوا أن نأخذ كل شيء تحت شعار تجديد الدين، والتفاعل الحضاري.

ويستطرد الدكتور البشير بقوله: ونحن إزاء هذه الاتجاهات نستخلص من كل ذلك الخطاب الصحيح والخط السليم وهو خط الاعتدال والمنهج الوسطي الذي يجمع بين الارتباط بالأصل والاتصال بالعصر، إسلام القرآن والسنة وإسلام القرون المشهود لها بالخير، مشروحاً بلغة العصر وجامعاً بين النقل الصحيح والعقل الصريح، ومتطوراً في الوسائل وثابتاً في الكليات، ميسراً للفتوى ومبشراً للدعوة، منفتحاً على الحضارات ومراعياً للخصوصيات.

وهو الخطاب الذي يجب أن يكون ربانياً في مصدره ومنهجه ووسائله، وتترابط فيه الغايات بالوسائل ويؤكد على إنسانية المنطلق وأخلاقية المحتوى، مشيراً إلى أن كلمة الإنسان ذكرت في القرآن 63 مرة، وكلمة بني آدم ست مرات، وكلمة الناس 240 مرة.

ودعا الدكتور البشير الدعاة إلى الغرب أن يكون لهم من المواهب والأدوات التي يستطيعون عن طريقها مخاطبته بعيداً عن الغلو أو التفريط وبعيداً عن إثارة قضايا لا تعود بالفائدة على الدعوة ولا على المسلمين هناك، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وخالق الناس بخلق حسن، وأن يكون خطابهم مراعياً للظروف ومتدرجاً، متمثلين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه القرآن في 23 سنة.

كتب السيد الطنطاوي: