أصبح البحث عن طرق حديثة للري ومورد جديد للمياه حديث المزارعين في المنطقة الشرقية، فالمزارعون يعانون من ارتفاع نسبة الملوحة في تربة مزارعهم نتيجة قلة الأمطار وانخفاض منسوب المياه الجوفية، ما جعل بعضهم يتجه إلى إغراءات المباني السكنية تعويضا عن الزراعة، وهذا بدوره أدى إلى استنزاف العديد من الأراضي الزراعية التي كانت تشكل مورد الرزق الرئيس لأهالي المنطقة.
وعلى الرغم من هطول أمطار جيدة خلال العام الجاري مقارنة بالأعوام السابقة إلا أنها لم تعوض سنوات الجفاف التي مرت على المنطقة، وخاصة في المناطق القريبة من البحر في الفجيرة وكلباء وقدفع وسكمكم ومربح، فما إن تنخفض المياه الجوفية فيها حتى تحل مكانها مياه البحر التي تتدفق من خلال القنوات والشقوق الأرضية، «البيان» تلمست معاناة المزارعين في المنطقة الشرقية وتوجهت إلى المسؤولين في وزارة الزراعة والثروة السمكية في المنطقة أملا في إيجاد حل ومخرج لمعاناة المزارعين.
بداية يقول أبو احمد الذي يعمل في إحدى المزارع في منطقة الغرفة بالفجيرة القريبة من البحر: إن الإنتاج الزراعي تأثر بصورة كبيرة جدا في السنوات الخمس السابقة، بسبب ملوحة المياه واحتوائها على نسبة عالية من الكربون، فقد اختفت كل أشجار الحمضيات والمانجو من المزرعة،
ولم يتبق في المزرعة إلا شجر النخيل لأنه يتحمل درجة ملوحة أعلى من باقي الأشجار، لكن استمرار ارتفاع نسبة الملوحة وصل إلى حد لا تتحمله أيضا أشجار النخيل ما أدى إلى انخفاض كبير في انتاج المزرعة من التمور في هذا العام، فلم تنتج المزرعة التي تضم 500 نخلة إلا 70 كيس تمر فقط تم استخدامها كعلف للحيوانات، لان الكمية بسيطة وغير مجدية للتصدير.
وأضاف: انه على الرغم من تحسن طفيف لمياه الأمطار في شتاء العام الحالي مقارنة بالسنوات السبع السابقة إلا أنها لم تكن كافية، وان ارتفاع أسعار صهاريج «تنكات» المياه تحول دون اللجوء لشراء المياه وري المزروعات لأن صهريج المياه الواحد يباع بـ 70 درهما، والمزرعة تحتاج شهريا 100 صهريج مياه على الأقل،
وقال إن المزارعين يحدوهم الأمل في هطول أمطار غزيرة في هذا العام لتمتلئ الآبار الارتوازية، وتقل نسبة ملوحة التربة، وتعاد زراعة الأشجار في المنطقة، وأشار أبو احمد بيده إلى أرض خاوية أمامه قائلا كانت هذه الأرض مليئة بأشجار الحمضيات والمانجو لكنها الآن اختفت بسبب ملوحة المياه، وسيجري استثمارها في بناء مبان سكنية بدلا من الأرض الزراعية.
أما ابوخالد فلديه مزرعة في الفجيرة، ويقول: كانت مزرعتي خضراء تماما وممتلئة بالأشجار المثمرة من أصناف عدة تشتهر بها المنطقة، لكن أشجار المانجو والحمضيات صارت أثرا بعد عين، وانخفضت أشجار النخيل من 1200نخلة إلى 40 نخلة فقط بسبب ارتفاع نسبة الملوحة في التربة بسب قلة الأمطار،
مشيرا إلى انه يفكر جديا ببيع مزرعته لأنها لم تعد مجدية زراعيا فمنذ عام 1982 لم تهطل أمطار غزيرة ما أدى إلى انخفاض المياه في الآبار الجوفية وبالتالي تدفق مياه البحر المالحة في القنوات الداخلية من الأرض إلى الدرجة التي لا تتحملها بعض الأشجار ومنها المانجو والحمضيات،
فضلا عن الري الجائر الذي يقوم به بعض المزارعين بسحب كميات كبيرة من المياه في الآبار الجوفية واستخدام طرق تقليدية تتعرض فيها المياه إلى التبخر بنسب كبيرة، مطالبا الجهات المعنية بتوفير كميات من المياه وبأسعار رمزية للحفاظ على الثروة الزراعية في المنطقة.
عبدالله محمد سعيد غواش مدير العمل والشؤون الاجتماعية في الفجيرة صاحب مزرعة نموذجية يستخدم الري بالتنقيط يقول إن مشكلة اختفاء العديد من المزارع في المنطقة الشرقية تعود إلى استخدام طرق بدائية في الري أو استخدام طرق تستنزف المياه بصورة كبيرة، فالحل يكمن باستخدام شبكة الري الحديث،
وأضاف: في مزرعتي لا تزيد نسبة الملوحة عن 1200 جزء، وذلك لاستخدام طريقة الري بالتنقيط، فضلا عن عدم فتح المياه أكثر من اللازم لتأخذ الشجرة كمية كافية من المياه، مشيرا إلى أن بعض الأشجار لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه مثل شجر النخيل لذلك يمكن أن يتم ريها كل 4 أيام مرة واحدة فقط، فبعض المزارعين يقومون باستنزاف دائم للمياه وبسقاية أشجار النخيل كميات أكثر مما تحتاج، ما يؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية وزيادة نسبة ملوحة التربة.
وطالب بن غواش وزارة الزراعة بمزيد من الدراسات والأبحاث في مجال توفير المياه وتوجيه المزارعين نحو الري الحديث، مشيرا إلى طريقة عالمية جديدة جربها ووجد جدواها ويمكن استخدامها وتقوم هذه الطريقة على وضع حوض أو مجمع يحيط بالشجرة واستخدام شبكة الري بالتنقيط مع وجود أنابيب خاصة تحت الأشجار تقوم بسحب المياه الزائدة وإعادتها إلى الآبار لاستخدامها فيما بعد،
موضحا أن الدراسات أثبتت أن الشجرة لا تستفيد أكثر من 25% من المياه التي يتم دفعها إلى حوض الشجرة وتهدر الباقي لذلك فهذه الطريقة توفر أكثر من 75% من المياه. من جهته، قال خلفان الأصم مسؤول مركز وزارة الزراعة بكلباء: نضم صوتنا إلى أصوات المزارعين بان تقوم جميع الجهات المعنية بتوفير المياه وبأسعار رمزية للمزارعين لان العديد من المواطنين في المنطقة الشرقية يعتمدون بصورة رئيسية على الزراعة في أرزاقهم وتدبير أمورهم المعيشية،
وأضاف أن الوزارة لا تألوا جهدا في إرشاد المزارعين إلى الطرق الحديثة في الري، لكن العديد من المزارعين يستنزفون كميات كبيرة من المياه باعتمادهم على الطرق التقليدية أو الري الجائر، مشيرا إلى أن الوزارة تنصح باستخدام طريقة الري الحديث وهو الري بالتنقيط من خلال الأنابيب البلاستيكية، كما توفر شبكات الري الحديث للمزارعين وبأسعار رمزية، لأنها الطريقة الوحيدة التي توفر المياه الجوفية وبنفس الوقت توفر الأيدي العاملة،
مشيرا إلى أن 20% من المزارع بمنطقة كلباء اختفت بسبب الملوحة والري الجائر والزحف العمراني. وقال المهندس خدوم محمد عبدالله من وحدة كلباء الزراعية إن وزارة الزراعة توفر شبكات الري بالتنقيط للمزارع بأسعار مناسبة، لكنها لا تستطيع استخدام طريقة الري الحديث التي تستخدم في بعض الدول الأوروبية والتي تقوم على وضع أحواض وأنابيب تحت الأرض لإعادة تكرير المياه لأنها طريقة مكلفة جدا،
ولا يمكن استخدامها إلا في زراعة الخضار فقط. مشيرا إلى أن بعض الأسمدة التي يستخدمها المزارعون مثل اليوريا والأسمدة المركبة تؤثر بشكل سلبي لأنها تؤدي إلى ارتفاع نسبة الملوحة في التربة. موضحا ان تحمل نسبة الملوحة يختلف من شجرة إلى أخرى، فأشجار الحمضيات والجوافة والموز والخضار لا تتحمل أكثر من 140 جزءاً في المليون من الملوحة بينما يتحمل النخيل من 10 آلاف إلى 17 الف جزء من المليون ملوحة.
من جهته طالب المهندس إبراهيم علي مدير المنطقة الشرقية الزراعية المزارعين باتباع تعلميات الوزارة باستخدام الطرق الحديثة في الري وبتركيب الشبكات الحديثة وترك طريقة الري التقليدي (الري بالغمر) لأنها تستنزف كميات كبيرة من المياه، وتؤدي إلى زيادة نسبة الملوحة والكبريت في التربة،
وتوجه إلى المزارعين بتقليل زراعة الأعلاف والخضار لأنها تستنزف كميات كبيرة من المياه، وزراعة شجر النخيل وخاصة في المناطق القريبة من البحر لأنها من الأشجار التي تتحمل درجة ملوحة عالية، مشيرا إلى أن الطرق التقليدية في الري وارتفاع نسبة الملوحة أدت إلى استنزاف من 6-16% من أراضي الساحل الشرقي وبدرجات متفاوتة.
تحقيق: فراس العويسي

