كان لموقع دبي الجغرافي دور مهم في تحويل هذه المدينة الصغيرة إلى ميناء مهم، وبالتالي إلى تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فقد حظيت دبي بخور مائي يعتبر، حتى يومنا هذا، الشريان الذي غذّي دبي بالحياة وقسمها إلى قسمين ووفر لها ميناء طبيعياً صالحاً لرسو السفن، ذلك أن ضفتيه تعتبران مكاناً مثالياً لوقوف السفن واستلام البضائع أو شحنها. هذه العوامل الطبيعية لعبت دوراً مهماً في تطور دبي الاقتصادي.

* قبل هجرة آل بوفلاسة

على الرغم من أن معرفتنا بتاريخ دبي قبل عام 1833م ضئيلة للغاية، إلا أن الفترة ما بين 1833م وحتى نهاية القرن التاسع عشر شهدت تطوراً كبيراً انعكس على كل مناحي الحياة، ففي عام 1833م خرج زعيمان من عشيرة آل بوفلاسة التي تنتمي لقبيلة البني ياس.

وهما الشيخان عبيد بن سعيد ومكتوم بن بطي برفقة حوالي 800 من أفراد قبيلة آل بوفلاسة واستقر الجميع في المكان المعروف باسم الوصل، وفي هذا المكان الذي كانت بريطانيا قد اعترفت به إمارة مستقلة منذ العام 1820م استقل آل بوفلاسة بشؤونهم القبلية وأمور حكمهم الفريد من نوعه.

فقد حكم الاثنان معاً حتى وفاة الشيخ عبيد بن سعيد (وهو في الواقع خال الشيخ مكتوم في عام 1836 وعندها حكم الشيخ مكتوم بن بطي (الجد الأكبر لسلالة آل مكتوم اليوم) والذي توفي عام 1852.

ويشهد التاريخ أن انتقال السلطة في إمارة دبي من حاكم إلى آخر كان يجري دائماً بشكل سلمي وهو الأمر الذي أعطى لدبي طوال تاريخها صورة الاستقرار السياسي والاقتصادي. فلم تشهد دبي انقلابات أو نزاعات سياسية على الحكم كما لم تشهد أي اضطرابات قبلية أو قلاقل وهو الأمر الذي وفر لدبي الأمن والأمان الذي انعكس على شتى مناحي الحياة، ووفر لها بيئة اقتصادية هادئة استطاعت وبنجاح استثمارها لدفع عجلة النمو والتقدم في الإمارة.

وفي الفترة ما بين 1852 وحتى 1896 توالى على حكم مشيخة دبي العديد من الحكام الذين كان لهم الفضل في بروز الإمارة واستقرارها السياسي والاقتصادي.

فما ميّز فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر هو ذلك التكالب الأوروبي على منطقة الخليج ككل، ومنطقة الإمارات بشكل خاص ومحاولات بريطانيا المستميتة حماية هذه المنطقة وجعلها احتكاراً بريطانياً بحتاً.

خلال هذه الفترة كان دور الحكام هو تفادي الصراع المباشر مع بريطانيا والاهتمام بتنمية مواردهم الاقتصادية المحدودة، وخاصة مهنة الغوص وصيد اللؤلؤ والتجارة التي كانت في هذه الفترة عصب الحياة في دبي.

* بداية التاريخ الحديث

في عام 1896 صعد إلى سدة الحكم الشيخ مكتوم بن حشر، لتبدأ بذلك صفحة جديدة من تاريخ دبي الحديث. فقد استطاع هذا الشيخ أن يتبع سياسة اقتصادية حكيمة قائمة على إعلان دبي ميناء حراً خالياً من الضرائب الباهظة التي تحدّ عادة من الازدهار التجاري. فقد أدرك الشيخ حشر أن دخل دبي من الضرائب ضئيل للغاية ولا يتعدى الضرائب على سفن الغوص.

فانتهز فرصة الانحسار الاقتصادي الذي كانت تعاني منه بلدة (لنجة) على الساحل الفارسي للخليج، بعد أفول نجم القواسم هناك عام 1887م خاصة بعد أن عيّنت الحكومة الفارسية موظفين من الفرس لإدارة شؤون لنجة الاقتصادية، وأخذ هؤلاء في فرض ضرائب عالية بواسطة البنك الامبراطوري الفارسي.

ما أدى إلى تذمر التجار الفرس والعرب معاً، فقام الشيخ مكتوم في عام 1903 بإعلان دبي ميناء حراً. استحسن التجار العرب والفرس معاً، هذا الإجراء إذ سرعان ما نقلوا مقار أعمالهم من لنجة إلى دبي ليبدأ بذلك عصر من أزهى عصور دبي التاريخية.

كان لخطوة الشيخ مكتوم دور مهم في جذب التجارة ليست فقط العربية بل الفارسية أيضاً لتصبح دبي أشهر ميناء على الساحل العربي للخليج. فقد استطاعت أن تجذب ليس فقط تجارة الخليج بل التجارة الهندية والإنجليزية.

ومن الأسباب المهمة التي أدت إلى انتقال التجارة البريطانية في الخليج إلى دبي هو ذلك العداء الذي ناصبه رضا شاه، حاكم فارس القوي لبريطانيا ومصالحها، هذا العداء جعل بريطانيا تفضل نقل مراكزها التجارية من جزيرتي هنجام وقشم الفارسيتين إلى دبي.

لم تكن دبي في مطلع القرن العشرين مأهولة بالكثير من السكان. فحسب ما يذكر جي. لوريمر، مؤلف كتاب «دليل الخليج» إذ يقول: لا توجد في دبي أماكن مأهولة بعد مدينة دبي وقرية حجرين سوى قرية جميرا التي تبعد عن الساحل حوالي 3 أميال إلى الجنوب الغربي من مدينة دبي. وهي تتألف من 15 كوخاً مبنيا من سعف النخيل ويقطنها بنو ياس والمناصير وقبائل مختلفة يمتهنون صيد السمك.

وهم يملكون 5 جمال و60 حماراً و45 رأساً من الماشية و20 رأساً من الغنم. ولا يوجد بدو تابعون لشيخ دبي، ولذا فإن رعاياه من سكان مدينة دبي وسكان الجميرا وحجرين. أما التجارة والشحن فهي مقصورة على أهالي مدينة دبي.

وصف لوريمر أيضاً إدارة دبي في تلك الفترة قائلاً: إن سلطة الشيخ هي السائدة، وأما مسؤولية الأمن فقد أوكلت إلى حوالي 100 مسلح يحملون البنادق، بالإضافة إلى 1500 من أتباع الشيخ العاديين الذين يقال عنهم إنهم «مسلحون بالبنادق».

ولا توجد إدارة جمارك منتظمة في مدينة دبي، ويقال إن عائدات الإمارة تبلغ حوالي 51 مليوناً و400 ألف دولار سنوياً معظمها يأتي من مصائد اللؤلؤ. كما وصف لوريمر مدينة دبي بأنها عاصمة الإمارة وتقع على ضفاف خور ضحل مدخله صعب ويمتد بضعة أميال خارج المدينة. كما يوجد رصيف بحري للمراكب الصغيرة.

وتتألف المدينة من ثلاثة أحياء هي ديره والشندغة وحي بر دبي وهو الحي الرئيسي. كما وصف لوريمر كذلك تخطيط المدينة بأنها تحتوي على 20 منزلاً و 50 محلاً تجارياً ومسجد رئيسي هو المسجد الجامع، إليه يتم يوم الجمعة نقل الناس مجاناً من بر ديرة إلى بر دبي لأداة الصلاة.

كما يوجد بالمدينة بعض الخرائب التي يعتقد بأنها بقايا قلعة برتغالية. وكان يحيط بالمدينة، في السابق سور ولكنه لم يتبق منه الآن سوى آثاره. وتعتمد دبي على المياه المتوفرة بها وهي مياه صالحة للشرب توفر لسكان دبي المياه الكافية.

؟ سكان دبي القديمة

بلغ عدد سكان دبي في مطلع القرن العشرين، حسب رواية لوريمر، حوالي 000 ,10 نسمة معظمهم من العرب وبالتحديد من قبائل بني ياس من آل بومهير والمزاريع والسودان وغيرهم وكذلك من البحارنة والبلوش. وهناك أيضاً حوالي 67 هندوسياً المعروفين باسم (البانيان) و23 من الهنود الخوجة (المسلمين) والهنود جميعهم رعايا بريطانيون. كما يزور هذا المكان 20 هندوسياً آخرون في مواسم صيد اللؤلؤ.

هذه التجمعات البشرية هي التي كونت نواة دبي الحديثة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وساهمت في التطور الاقتصادي والاجتماعي الفريد. ولكن هذا الوضع سوف يشهد تغيراً كبيراً مع نمو دبي المتزايد في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين.

ترصدها:د. فاطمة الصايغ