المعاناة كلمة كثيرا ما سمعناها وقليلا ما عشناها مقارنة بالأشخاص الذين التصقت بهم وأصبحت جليسهم ليل نهار، وعلى قدر انتشارها يختلف وقعها وتأثيرها. في دبي وعلى بعد أمتار من سلسلة الأبراج المرتفعة المزهوة تعيش أكثر من 150 أسرة مواطنة في شعبية منسية يقال لها «شعبية البدو» كائنة في منطقة القوز الثانية وسكانها أقرب ما يكونوا من حياة البدو الرحل حيث يقوم معظمهم بالرحيل لمناطق أخرى طلبا للمرعى وهروبا من الحر في أشد أشهر الصيف حرارة.
إضافة إلى افتقادها لأبسط مقومات الحياة العادية كالطرقات والصرف الصحي والعيادة الطبية وسلامة المنازل التي انقضى على بنائها 30 عاما وتحلل البيئة الاجتماعية التي انتشر فيها فساد الوافد وعبثه لغياب الرقيب وتوفر الجو الملائم. كل هذه المفردات التي تشكل معاناة أهالي «شعبية البدو» تجعلهم يناشدون المعنيين تسريع عملية رحيلهم إلى «شعبية التمدن» التي وعدوا بها وما زالوا ينتظرون. وأثناء زيارة «البيان» للشعبية التقت بعضا من أهلها واستمعت لشكواهم.
يقول محمد عبد الله: المشكلة العامة التي يعاني منها جميع سكان الشعبية هي «هرم» المنازل واحتمال سقوطها وعدم وجود طرقات وصرف صحي أو حتى أغطية لحفر الصرف الصحي أو مدرسة أو عيادة طبية أو بقاليات، وسبق أن خاطبنا بلدية دبي أكثر من مرة ولكن دون جدوى.
ويضيف محمد: في فصل الشتاء تتحول المنازل لأحواض سباحة بسبب عدم احتمال أسقفها لقطرات المطر ونعاني من وجود الحشرات بسبب كثرة النباتات الضارة المنتشرة بين أزقة الشعبية وقد سبق أن طلبنا من البلدية رش هذه النباتات وكل مرة يعدوننا ولا يحضرون إضافة إلى حفر الصرف الصحي التي تفوح منها الروائح الكريهة بسبب عدم وجود أغطية لمعظم الحفر وهو ما قد يؤدي إلى سقوط الأطفال فيها.
ويتوفر في الشعبية بقالتان لبيع المواد الاستهلاكية غير أن هاتين البقالتين كثيرا ما تبيعان مواد غذائية منتهية الصلاحية ولا توجد عليها متابعة من قبل البلدية. وبخصوص أسقف المنازل فقد سبق أن سقط نصف سقف غرفة الخادمة عندنا قبل سنة وعندما طالبنا البلدية بالترميم قالوا لنا أن المنزل غير صالح للسكن ولا يتحمل الترميم.
ويقول راشد حسن: إن شعبية البدو منسية في زمن الحضارة والتمدن حيث قلة الكهرباء وضعفها يجعلانا نضطر للرحيل عنها أيام الصيف إلى أقاربنا في الإمارات والمناطق الأخرى. ومن المشكلات الجماعية انتشار الوافدين الآسيويين بشكل مخيف فلا يكاد يخلو بيت من بيوت الشعبية إلا وفيه أسرتان أو ثلاث أسر آسيوية وقد دفعت الحاجة المواطنين لتأجير منازلهم لأي غريب وفضلوا مشاركة الغرباء في حياتهم عن مشاركة الفقر.
ويشكل انتشار الآسيويين في الشعبية خطرا على الجميع حيث تكثر التجاوزات والأوضاع غير القانونية وهي بيئة صالحة لانتشار العمال الهاربين والذين لا يملكون أوراقا ثبوتية. ويضيف: لا يكاد يخلو منزل من تصدع الجدران والأسقف وقد سقطت السنة الماضية مروحة سقفية على عجوز مسنة واشتعلت النار في منزلها بسبب الماس الكهربائي الذي أعقب سقوط المروحة وقصص سقوط أجزاء من الأسقف او الأسقف كلها كثيرة لا يكاد يخلو بيت منها.
ويضيف راشد: أما المسجد فهو صغير جدا ولا يوجد غيره في الشعبية ولا يوجد فيه مصلى للنساء رغم مطالبتنا إدارة الشؤون الإسلامية بدبي منذ عشر سنوات ولكن كما يقول الشاعر «لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي» ولا يوجد في المسجد سوى 4 حمامات وتبلغ الأزمة أوجها يوم الجمعة حيث تجد الناس يقفون طوابير على الحمامات وقد ينتهي الشيخ من الخطبة وتنتهي الصلاة وهناك أناس لا يزالون في الطابور.
وتقول الأم فاطمة محمد صاحبة السبعين عاما والتي تعيش مع أمها المسنة التي تتجاوز التسعين خريفا: لا يوجد عندنا مصدر للرزق ونعيش على المبلغ الذي نتسلمه من الشؤون الاجتماعية ألف و200 درهم شهريا. وتطالب فاطمة بسرعة تحرك المعنيين لتنفيذ مشروع إحلال الشعبية بالمساكن الحكومية التي وعد بها السكان، وتحذر من أن المنازل قد شارفت على الهلاك وقد تسقط على أصحابها في أقرب وقت.
وقامت «البيان» بعرض قضية « شعبية البدو» على إدارة الإسكان الحكومي في بلدية دبي وكان رد البلدية أنها تعد مشروعا لإحلال «شعبية البدو» الكائنة في منطقة القوز الثانية بمساكن حكومية حديثة تواكب متطلبات المواطنين في المنطقة، وروعي أن يشمل المشروع الأبناء المتزوجين ممن لم يمنح أحد منهم مسكنا أو قروضا إسكانية.
ويتألف المشروع الإسكاني الجديد من 115 وحدة سكنية، ومن المتوقع البدء في تنفيذ المشروع ابريل المقبل على أن ينتهي العمل منه عام 2007. وقد جرى تخصيص موقع المشروع ويجري الآن العمل على وضع تصاميم الوحدات السكنية.
كتب محمد زاهر

