في محاضرة لأحد التربويين نقلها تليفزيون احدى الفضائيات، زعم أنه ليس في العالم نظام تربوي يقسم المرحلة الثانوية الى شعبتين «علمي وأدبي» إلا في الوطن العربي. وفي احصائية نشرتها المنظمة العربية للعلوم والثقافة والفنون ظهر أن نسبة الأمية في عالمنا العربي هي الاخطر في العالم.

وبدون ربط مباشر بين الأمرين الا أن ارتفاع نسبة الأمية ولو بنصف معدلها الحالي وبعد خمسين سنة وزيادة من التحرر من الاستعمار المباشر يعد دليلا على فشل النظام العربي، لاسيما في جانبه التربوي والتعليمي، فيما تعد دعوات الاصلاح بمثابة نداءات استغاثة عاجلة لاتحتمل التأخير.

في ضوء ذلك نتساءل: هل نظام التشعيب في المرحلة الثانوية بوضعه القائم يتيح لأبنائنا على مقاعد الدراسة تعليما مناسبا لتنمية العقل، ملائما للحياة واستكمال الدراسة الجامعية بالتخصص المطلوب، أم هو باختصار المسؤول عن نصيب كبير من الفشل أو الهدر أو التشتت، مما يحدو بنا أن نفكر ببدائل جذرية له تعترف وتراعي الفروق الفردية للطلبة ليرسموا مستقبلهم بشكل يشبع ميولهم ورغباتهم وتطلعاتهم.

أكدت د. فخرية بوحليقة مديرة مركز تطوير الامتحانات والقياس والتقويم بوزارة التربية والتعليم أهمية تدريس المواد العلمية لطالب الأدبي لتحقيق زيادة المعارف العلمية لدية، وقالت ان طالب الثانوية العامة والذي يقبل على الدراسة الجامعية بحاجة إلى حد ادنى من المعلومات ذات الارتباط بالعلوم والرياضيات والتكنولوجيا،

ويجب ان لا تقتصر هذه المعلومات على طالب العلمي ولا يحرم منها طالب الأدبي، ويفترض فيه انه درسها في الصف الأول ثانوي واجتازها بنجاح وبالتالي قادر ان يجتازها بسهولة في الثانوية العامة، مطالبة بعد الافتراض في طلابنا عدم القدرةعلى استيعاب المواد العلمية في عصر العلم والتقدم التكنولوجي.

ويقول الدكتور محمد أحمد المعراوي موجه اللغة العربية بتعليمية دبي ان المرحلة الثانوية تهدف الى اعداد الطالب لأمرين في وقت واحد، أولها تزويده بمعلومات أساسية تمكنه من استكمال دراسته الجامعية في أي فرع جامعي، وثانيها اعداده للحياة بمختلف مجالاتها ليستطيع التكيف الايجابي مع مقتضياتها ان لم يكمل تعليمه في الجامعة، متسائلا : هل نظام التشعيب بواقعه الحالي يلبي ذلك؟،

ناهيك على حد قوله ان من الثابت تربويا أن العقل المزود بمنظومة علمية متكاملة يكون أقدر على النجاح في مادة التخصص من العقل الذي لم يزود الا بمادة التخصص فقط، فماذا فعل نظام التشعيب ؟، حصر مجموعات الطلاب الضعفاء الا ماندر في شعبة الأدبي وحرمهم من التفاعل مع زملائهم الأفضل أداء ومهارة الذين التزموا الدراسة في شعبة العلمي .

كما حرمهم من مهارات علمية تفيدهم سواء في تكيفهم مع متطلبات الحياة أم في تخصصهم الجامعي، لافتا الى أن من الطبيعي أن تتألف الجهود الادارية والميدانية على تغطية هذا الضعف سواء بتيسير الامتحانات أم بالتسامح في تصحيحها أم في دقة مراجعة الاوراق الراسبة حتى يظهر الأمر وكأنه طبيعي لاخلل فيه.

* قدرات ابداعية

وأشار الدكتور المعراوي الى أنه ممايزيد الأمر سوءا أن بعض الجامعات واستكمالا للتشعيب حصرت القبول في فروع العلوم الانسانية بطلاب القسم الادبي، وهي فروع يحتاج الابداع فيها الى عقل تجريدي وقدرات ابداعية قد تفوق شروط النجاح في كثير من فروع الدراسات العلمية التطبيقية

ولايخفى مقدار حاجة الدولة الى المبدعين في الدراسات الانسانية التي قد تفوق حاجتها الى المهندسين والأطباء، فالفلاسفة والادباء والحقوقيون وأضرابهم هم عقل المجتمع وقيادته الحقيقية، وبعض البلدان توجه أذكى وأنجح الطلاب الى الدراسات الانسانية، وينتظرهم بعد التخرج مكانة في المجتمع تلائم ذكاءهم وجهودهم، متسائلا: أين نظامنا من كل هذا؟

وأشار الى أنه ليس من الصعب دراسة تجارب الشعوب في هذا، ولن يكون حل مسألة المهملين، وأصحاب القدرات المحدودة، وأصحاب الظروف الخاصة في حصرهم في القسم الأدبي، بل الاهتمام برعاية هؤلاء وتفجير طاقاتهم الى حدودها الممكنة، مع العناية برعاية المواهب الخاصة وأصحاب القدرات المتميزة، وعزل الطالب عن الظروف الخاصة التي قد تعطل طاقته.

واستطرد قائلا : لا أوغل بعيدا في الدعاية لمثل هذ ه الاحتمالات بل أمثل لها بما يلي: احدى الدول تدفع للطالب مرتبا يكاد يكفيه كل مؤونته حتى لايكون رهين ظروف أسرته، وتفتح للموهوبين في أية مرحلة تظهر فيها موهبتهم امكانية الانتقال الى مدرسة خاصة برعاية تلك الموهبة يدرسون فيها كافة المواد في اطار برنامج يومي يراعي ظروف التدريب المكثف على تلك الموهبة سواء كانت رياضية أم فنية أم غير ذلك،

ثم انها تتيح لأصحاب القدرات العالية في مادة من المواد امكانية الانتقال الى مدرسة خاصة بهذه المادة يتلقى فيها منهاجا خاصا بالمتميزين في هذه المادة مع المنهاج العادي لسائر المواد الأخرى، وتحيل الطلاب الذين يعجزون عن اجتياز المرحلة التعليمية في وقتها المحدد الى مدارس ملحقة بالمعامل

بحيث يتلقون تدريبا عمليا مكثفا في الحرفة التي تلائم قدراتهم مع تعليم عام يناسب حاجاتهم وامكاناتهم، موضحا أن المنهاج فيها لاتشعيب فيه لكنه يتيح للطالب أن يختارعددا من المواد لايقل عن خمسة أسباع المواد الاختيارية، وذلك علاوة على المواد الالزامية ومنها اللغة القومية والفلسفة.

* مردود استثماري

ناهيك عن برامج رعاية ذوي القدرات الخاصة أفضل رعاية لسبب انساني بحت بغض النظر عن نتائج تلك الرعاية ومردودها المادي، لافتا الى أن مثل هذا النظام قد يبدو مكلفا في الحقيقة لكنه ليس كذلك ومردوده الاستثماري يبيح التفكير فيه، مع أن واجب التعليم في المجتمع الراقي يجب أن يرقى الى المستوى الانساني وحق الانسان في تنمية قدراته العلمية الى أوسع مدى ممكن وليس النظر الى المردود الاستثماري الذي لاتظهر نتائجه في التربيةالا بعد عشرات السنين.

وخلص الدكتور المعراوي الى أن التشعيب في المرحلة الثانوية ليس هو النظام الأمثل ان لم يكن مسؤولا بنسبة لافتة عن الفشل أو الهدر أو التشتت، ومن الضرورة ايجاد بدائل له.ويرى محمد عيسى الخميري موجه أول تاريخ وتربية وطنية بوزارة التربية والتعليم، أن خطة وزارة التربية والتعليم ترمي إلى إفادة الطالب في القسم الأدبي من دراسة المواد العلمية عند الغاء التشعيب،

لكن كثرة المواد في القسم الأدبي تشكل عبئا على كاهل الطالب سيزداد في السنة الدراسية الحالية عندما يدرس الطلاب علم الإحياء في الثالث الأدبي مؤكداً أهمية إدخال المواد العلمية في القسم الأدبي بحيث تكون مرتبطة بحاجاته اليومية والمجتمعية.

وقال ان دراسته للفيزياء أو الإحياء تفيده في التطبيقات اليومية، وتعلمه العديد من المهارات والمعلومات، كما ان دراسته لمادة الإحياء ستنفعه عند الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي لدراسة شخصية الإنسان بدءا من مكونات الرأي ومن ثم بقية أجزاء الجسم، والصفات الوراثية وغيرها.

وفيما يتصل بالغاء حصتين من مادة التاريخ لتدريس الإحياء في القسم الأدبي، أوضح الخميري إن ذلك لن يؤثر على تدريس المادة،وأصبح التاريخ يدرس للطالب من الصف الأول الأساسي حتى الصف الحادي عشر،ويأخذ الطالب فكرة شاملة عن تاريخ وطنه ثم التاريخ العربي الإسلامي ثم العالمي في نهاية التعليم في المرحلة الأساسية، أما في مرحلة التعليم الثانوي فيدرس المادة برؤية مختلفة تتمثل فيها باكتسابه المهارات اللازمة للتعامل مع الإحداث والقضايا التاريخية

ومنها أسلوب حل المشكلات بأسلوب التفكير الناقد والتحليل إلى ان يصل فيها إلى عملية اتخاذ القرار، وكذلك في الصف الحادي عشر يدرس الطالب قضايا تاريخية معاصرة يطبق عليها المهارات التي اكتسبها في مادة التاريخ، وبالتالي أصبح الطالب معدا للتعامل مع الإحداث التاريخية من خلال اكتسابه لهذه المهارات الأساسية بأسلوب علمي.

* المواد العلمية ضرورية

ويتفق معه في الطرح عبد الحكيم الجوهري موجه التاريخ في منطقة أبوظبي التعليمية مؤكداً أهمية إدخال المواد العلمية إلى الأدبي كالفيزياء والإحياء وأن يكون منهاج هذه المواد قريباً من الواقع اليومي لحياة الطالب من خلال تعامله مع المشاهدات والمشكلات اليومية المتعلقة بالكهرباء وتوصيلاتها أو ما يتعلق بالأجهزة الحديثة مثل الاتصالات والموبايل، مشيراً إلى أهمية تدريس التاريخ في ترسيخ القيم والانتماء للوطن.

وقال إن الصورة تغيرت بحيث أصبحت مادة التاريخ تدرس باستخدام التقنيات الحديثة ولم تعد مادة للحفظ والتلقين أو مجرد سرد للإحداث والوقائع التاريخية، ولكنها أصبحت مادة لتنمية مهارات التفكير لدى الطالب، مثل الربط والمقارنة والتصنيف والتفكير الناقد، وبمعنى آخر أصبحت تدرس من خلال تقنيات حديثة أو ما يسمى مشروع المنهج الالكتروني الذي عم على جميع المدارس وأصبح الطالب يعتمد على أساليب التعلم الذاتي وتوظيف المكتبة المدرسية.

وأشار جعفر الفردان مدير السعيدية للتعليم الأساسي الى ان الفارق الكبير بين طالب الأمس واليوم والغد، أن الأول يمتلك كما هائلا من المعلومات استقاها من أسلوب التلقين الذي تفرضه المناهج الدراسية والعقم التعليمي الذي يؤسسه المعلم في عقول المتعلمين، ونرى أن الطالب ينتهج الغش أسلوبا في أي اختبار حقيقي بعد رحلة العناء الطويلة مع المعلم،

فتضطر المؤسسات أن تخضعه لمجموعة من الدورات والخبرات حتى يتسنى له مواكبة الوظيفة التي تم تعيينه عليها ومؤكدا أن الأفق التعليمي تغير كثيرا فجعل طالب اليوم والغد هو الذي يمتلك مهارات ومعلومات تؤهله لشغل أية وظيفة، كما أنه قادر عليالتجربة لأنه يشغل الكثير من الحواس لديه ويستخدم أكثر من وسيلة تعليمية.

* أساليب تقليدية

وعن امكانية الغاء التشعيب في المستقبل القريب لطلبة المرحلة الثانوية أكد الفردان أن مردود ذلك سيكون صعبا عليهم وعلى مستقبلهم العلمي لأن المناهج لاتتكيف مع ميول الطلاب وتطلعاتهم، وتفرض فرضا، اضافة الى أنها مازالت قاصرة على الأساليب التقليدية التي تصعب من مهمة الفهم والاستيعاب لدى الطلبة وتصعب أيضا من توصيل المعلومة مما يجعل الطالب يعيش صراعاً داخلياً سيكون مردوده سلبيا عليه وعلى مستقبله،

مشيراً الى اننا لاشك نحتاج في الفترة المقبلة لملامسة حقائق معينة تفرضها المرحلة كأحاسيس وميول وتطلعات طالب الغد، فكل الدراسات التربوية تفترض عدم اهمال الجوانب النفسية للمتعلمين، موضحاً أننا بحاجة إلى فتح قنوات جديدة يستشرف الطلبة من خلالها افاقهم ويرسمون لوحة المستقبل بأيديهم ويفكرون ويبدعون في رسم تلك الأمنيات.

وتساءل الفردان: لماذا نرى الطريق من جانب واحد ونحن نمتلك مجموعة كبيرة من الحلول والخيارات، ولماذا لانحاول القضاء بشكل جذري على كل القضايا والمشاكل التي تؤرق كاهل المجتمع المدرسي كالغياب والتسرب والتمرد والمشكلات السلوكية وكبار السن والمشاجرات وغير ذلك من قائمة طويلة تتجدد كل عام وهي مشكلات تضرب بمعولها أساس الواقع التعليمي.

* ميول المتعلمين

وأكد أننا بتطبيقنا نظام الاعدادية المتنوعة سنقضي على المشكلات من جذورها لأننا سنلامس ميول الطلبة ورغباتهم وسيذهب كل طالب الى حيث يريد، مؤكداً أننا نحتاج إلى حلول جذرية لمشكلات مستأصلة وهي كالسرطان في الجسد التعليمي وفي واقع لايعترف ولايراعي الفروق الفردية للطلبة، أما الطلبة الذين يعانون من مشكلات أسرية ونفسية واقتصادية فهم ضحايا لمناهج علمية لاتعترف بهم ولاتوضع لهم مع أن التعليم حق مكتسب لكل مواطن ومقيم على هذه الأرض الطيبة.

تحقيق: عبدالرزاق المعاني، يحيى عطية