جاء القانون الاتحادي رقم 25 لسنة 2005 بتعديل بعض أحكام القانون الاتحادي رقم 26 لسنة 1999 بشأن إنشاء لجان التوفيق والمصالحة بالمحاكم الاتحادية بمثابة إحياء لتلك اللجان وخاصة فيما يتعلق بالمنازعات العمالية بعد أن ظلت تلك اللجان مجرد حبر على ورق ومواد في قانون العمل الاتحادي رقم 8 لسنة 1980 ولم تخرج عن نطاقه حتى صدور القانون رقم 25 الأخير .

ولكنه جاء محدداً بتبعية هذه اللجان لوزارة العدل بدلاً من العمل والتي ظلت طوال ربع قرن مضى «غائبة» عن تفعيل تلك اللجان المهمة. ومنذ صدور قانون العمل قبل نحو ربع قرن ورغم أهمية تلك اللجان إلا أنها لم تر النور حتى الآن ولا يعرف سبب ذلك على الرغم من الحماس الذي كان يدب في أوصال بعض المسؤولين بوزارة العمل لإحياء وتفعيل هذه اللجان ثم سرعان ما تفتر وتهدأ الأمور

وتعود إلى ما كانت عليه من نظر المنازعات العمالية أمام إدارات علاقات العمل وأقسام المنازعات والباحثين القانونيين والذين رغم أهمية الدور الذي يقومون به إلا أن قراراتهم لم تكن لها قوة أو محمية وكان يضرب بمعظمها إن لم يكن كلها عرض الحائط وما نراه حالياً من حالات لا مبالاة وتقاعس مئات المنشآت عن سداد رواتب العمال وتسوية العديد من المشاكل العمالية لهو دليل قاطع على ذلك.

وفي الواقع إن الحديث عن لجان التوفيق والمصالحة لا بد وأن ينطلق من منازعات العمل الجماعية والتي خصص لها قانون العمل باباً منفرداً وهو الباب التاسع في القانون والذي يضم 12 مادة من المادة 154 وحتى 165 وبقراءة متأنية لها يتبين مدى «الجرم» الذي ارتكبته وزارة العمل في حق نفسها وحق العمال وأصحاب العمل وسوق العمل بشكل عام نظراً لعدم تطبيق تلك المواد.

وبداية يعرف القانون منازعات العمل الجماعية بأنها كل خلاف بين صاحب عمل وعماله يتصل موضوعه بمصلحة مشتركة لجميع العمال أو لفريق منهم في منشأة أو مهنة أو حرفة معينة أو في قطاع مهني معين.وإنه إذا وقع نزاع بين واحد أو أكثر من أصحاب العمل وجميع عماله أو فريق منهم وفشل الطرفان في تسويته ودياً وجب عليهم اتباع الخطوات التالية وهي:

يقدم العمال شكواهم أو طلبهم كتابة إلى صاحب العمل ويرسلون في الوقت ذاته صورة منها إلى دائرة العمل.يجيب صاحب العمل كتابة على شكوى العمال أو طلبهم خلال سبعة أيام من أيام العمل اعتباراً من تاريخ تسلمه الشكوى ويرسل في الوقت ذاته نسخة من رده إلى دائرة العمل. إذا لم يرد صاحب العمل على الشكوى خلال المهلة أو لم يؤد رده إلى تسوية النزاع تتولى دائرة العمل المختصة سواء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد جانبي النزاع الوساطة لحل النزاع ودياً.

وفي الحقيقة ان القانون كان حاسماً عندما أشار إلى أنه في حال لم تؤد وساطة العمل المختصة إلى حل النزاع خلال عشرة أيام، من تاريخ اتصالها بالواقعة محل النزاع وجب عليها إحالة النزاع إلى لجنة التوفيق المختصة للبت فيه مع إخطار الطرفين كتابة بذلك، وكان القانون أشار في مادته 157 إلى تشكيل لجنة تسمى لجنة التوفيق في كل دائرة للعمل ويصدر بهذا الشكل قرار من وزير العمل والشؤون الاجتماعية.

على الرغم من ذلك إلا أنه لن تشكل مثل هذه اللجان أو أنها شكلت ولن تعمل أو يتم تفعيلها أو إحيائها منذ صدور القانون حتى الآن.حسبما أفادنا أحد كبار مسؤولي الوزارة، وبمعنى آخر انها لم تر النور، الأمر الذي كان يتطلب إحياؤها منذ سنوات نظراً لأهميتها،

ولكن ذلك لم يتم وأصبحت اللجان مجرد حبر على ورق، أو كلمات ونصوص في القانون ليتأخر بذلك عملها لأكثر من ربع قرن لو كانت موجودة خلال تلك الفترة لاختلف الوضع تماماً، ولم يكن حال مشكلات سوق العمل كما هي عليه الآن والتي صارت «مزمنة».

ولم يتوقف الأمر في قانون العمل عند حدود لجنة التوفيق بل أنه تطرق إلى ما هو أبعد من ذلك، حينما أشار إلى انه على كل من طرفي النزاع تتبعه أمام لجنة التوفيق حتى يفصل به وتصدر اللجنة قرارها بأغلبية الآراء خلال أسبوعين من تاريخ إحالة النزاع إليها ويكون هذا القرار ملزماً للطرفين، إذا كان قد وافقا كتابة أمام اللجنة على قبول قرارها فإذا تخلف هذا الاتفاق جاز لأي من الطرفين أو لكليهما الطعن في قرار اللجنة أمام لجنة التحكيم العليا

وذلك خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور القرار وإلا أصبح نهائياً واجب التنفيذ.ويظهر قانون العمل مدى التقاعس واللامبالاة في تنفيذه وخاصة فيما يتعلق بالمنازعات العمالية التي هي سبب البلاء، في سوق العمل من عدم تشكيل لجنة التحكيم العليا أيضاً خاصة وانها فيما لو كانت موجودة كان سيكون لها تأثير أكثر فاعلية في إيجاد حلول للمنازعات لأنها تختص،

كما أكد القانون على الفصل بصورة نهائية وباتة في جميع الخلافات التي ترفع إليها من قبل أصحاب الشأن وتصدر قراراتها بالأغلبية ويجب ان تكون مسببة، وتنفذ قرارات لجنة التحكيم العليا لحل منازعات العمل الجماعية بالتعاون مع الجهة المختصة في كل إمارة.

ومن هنا فإن القانون الاتحادي رقم 25 لسنة 2005 والذي اختص لجان التوفيق والمصالحة بوزارة العدل بتسوية المنازعات العمالية، جاء ليصحح بعض الأوضاع الخاطئة في التعامل مع هذه المنازعات التي ظلت ولا تزال أحد أهم عوامل القلق في سوق العمل، والتي تفاقمت في السنوات الأخيرة، وأدت إلى ظاهرة التوقف عن العمل، وغيرها من أشكال تشويه سمعة الدولة.

أبوظبي ـ «البيان»