واصلت طاحونة العنف في العراق دورانها بلا توقف موقعة 85 قتيلاً وأكثر من 115 جريحاً في سلسلة هجمات منسقة بالسيارات الملغومة في مدينة بلد غرب بغداد، كما قتل خمسة من جنود المارينز الأميركيين في انفجار عبوة في الرمادي، إضافة إلى اعتقالات ومداهمات في مناطق متفرقة كان أبرزها اقتحام القوات الأميركية لمنزل الزعيم السني البارز عدنان الدليمي واعتقال 4 من حراسه في خطوة استنكرتها الهيئات السنية.

لكن التطور السياسي الأبرز أمس كان تراجع قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال جورج كايسي عن تصريحات سابقة بخفض القوات الأميركية قريباً مولداً الانطباع أمام مشرعي الكونغرس أمس بأن الحرب في العراق تبدو بلا نهاية قريبة وقد تمتد إلى أكثر من عقد. وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية ان 85 شخصاً على الأقل قتلوا وجرح 115 آخرون مساء أمس في ثلاثة انفجارات منسقة على ما يبدو استخدمت فيها سيارات ملغومة في مدينة بلد الواقعة شمالي بغداد.

وأضافت مصادر الشرطة ان السيارات الملغومة انفجرت بعد حلول الظلام قرب سوق مزدحمة وفي شارع به بنك وبجوار مركز للشرطة في المدينة التي يقطنها مزيج من الشيعة والسنة وتقع على بعد 90 كيلومتراً شمالي بغداد. وانفجرت شاحنتان صغيرتان في شارع بوسط المدينة الأولى في الساعة 30,18 (30,14 ت.غ) والثانية في الساعة 40,18 في حين انفجرت شاحنة صغيرة ثالثة في حي آخر في الساعة 50,18 (50,14 ت.غ.).

ومن مدينة بلد إلى الرمادي فقد قتل خمسة جنود مارينز أميركيين في انفجار عبوة في الرمادي، على بعد 110 كلم غرب بغداد، كما أعلن متحدث باسم الجيش الأميركي أمس.واستناداً إلى المصدر نفسه فإن الجنود ينتمون إلى الفيلق الثاني لمشاة البحرية وقتلوا في معركة. ولم يقدم المصدر المزيد من التفاصيل.

ومن التفجيرات والانفجارات إلى الاعتقالات فقد أعلن الدليمي أن القوات الأميركية داهمت منزله أمس واعتقلت أربعة من حراسه، لكنه أكد أن ذلك لن يثنيه عن محاولة «جمع أبناء السنة ودفعهم للمشاركة في العملية السياسية».وقال الدليمي في تصريحات لقناة «العربية» الإخبارية إن المداهمة تمت عند الساعة الثانية فجر أمس «وأرعبوا الصبيان والنساء، ثم جمعونا في غرفة وقيدوا أيدي أبنائي وأحفادي وعصبوا عيون أحد الأطفال»

وأوضح أن القوات الأميركية استجوبتني عن «أشخاص لا أعرفهم وفتشوا البيت فلم يجدوا شيئا وبعد ذلك داهموا بيت ابني المجاور لبيتي واقتادوه إلى داخل بيتنا وقد أرعبوا عائلته».وكان الحزب الإسلامي العراقي أعلن صباح أمس أن القوات الأميركية قامت بمداهمة منزل الدليمي ومنزل حارث العبيدي عضو مؤتمر أهل العراق الذي يضم 32 كياناً سياسياً وشخصية بينها الحزب الإسلامي.

وندد في بيان بهذه «الممارسات الآثمة» وطالب «بالكف عن الاعتداءات غير المبررة على المواطنين». من ناحيتها نددت هيئة علماء المسلمين احد أكبر المراجع السنية بعملية المداهمة واستنكرت «السلوك الأميركي الذي تجاوز كل الحدود الدينية والاجتماعية والعلمية والإنسانية والذي أصبح قراراً لا يعترض عليه».

في غضون ذلك، أثار قائد القوات الأميركية الجنرال جورج كايسي في العراق شكوكاً بشأن توقعاته السابقة بخفض عدد القوات الأميركية في عام 2006 بشكل كبير قائلاً ان العراق يمر بفترة من عدم التيقن تجعل من «السابق لأوانه» القول متى ستجرى إعادة القوات إلى الوطن.

وفي أعقاب اطلاع المشرعين الأميركيين خلال اجتماع مغلق في مبنى «الكونغرس الأميركي» أول من أمس على آخر تطورات الأوضاع في العراق أبدى كيسي مزيداً من الحذر عندما سئل عما إذا كان احتمال خفض القوات لا يزال قائماً.

وصرح للصحافيين «أعتقد أننا نمر بفترة شكوك أكبر مقارنة مع الفترة التي سئلت فيها هذا السؤال في يوليو ومارس «مشيراً إلى أن العراقيين سيصوتون على مسودة للدستور في استفتاء سيجري في 15 أكتوبر وفي حال وافقوا عليه فسينتخبون حكومة جديدة في 15 ديسمبر.

وأضاف «علينا من وجهة نظري أن نراقب الاستفتاء على الدستور وما إذا كان سيحظى بتأييد السنة على نطاق واسع ونرى كيف ستكون النتيجة. لذا أعتقد أنه من السابق لأوانه القول (ما إذا كنا سنخفض القوات) قبل الانتهاء من العملية السياسية هنا المتمثلة في الاستفتاء في أكتوبر والانتخابات في ديسمبر».

ورجح كايسي ان يؤدي التصويت السني السلبي إلى تدهور الوضع السياسي. لكن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد اعتبر ان «نية السنة المشاركة في هذا الاستفتاء» أمر «ايجابي». لكنه رأى ان تقليص عدد الجنود الأميركيين «يظل أمراً ممكنا سنة 2006». واقر بأن كتيبة واحدة في الجيش العراقي هي فقط التي تستطيع اليوم القيام بعمليات من دون مساعدة، في حين أكد تقرير للجيش الأميركي في يونيو ان ثلاث كتائب عراقية مؤهلة لذلك.

وانتقد السناتور الجمهوري جون ماكاين الاستراتيجية التي يتبعها كايسي وقال «لا يمكنني رؤية إشارات تدل على اننا جاهزون للبدء بسحب القوات في ظل حال عدم الاستقرار». وخاطب كايسي «رهانك غير واقعي وأمل ان تكون على حق». وأكد المسؤول عن القيادة المركزية الأميركية الجنرال جون أبي زيد لماكاين انه «إذا احتاج البنتاغون إلى طلب مزيد من القوات الأميركية على المديين القريب أو البعيد فانه سيفعل».

وهاجم ماكاين أيضاً رئيس أركان قوات التحالف الجنرال ريتشارد مايرز وقال ان «مايرز يفترض ان الأمور في العراق تسير في شكل جيد (...) لكن الأمور لم تحدث كما توقعنا أو كما يقول، لذا أشعر بقلق كبير».وعقب الجلسة التي تحدث فيها أيضاً كل من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وقائد القيادة المركزية الوسطى الجنرال جون أبي زيد، أعرب اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي عن الاعتقاد بأن الحرب في العراق صارت صراعاً «سيطول كثيراً، ومكلف جداً»،

وإنه «ليس لدى الرئيس جورج بوش والإدارة استراتيجية أو خطة للنصر والخروج من العراق قريباً»، وإنه «لا مؤشر على أن تغييراً سيحصل قريباً، ولا مؤشر على أن لدى الإدارة خطة لإعادة الجنود الأميركيين إلى الوطن قريباً. وانه لا تبدو للعيان نهاية في المدى المنظور».

وقال السيناتور ريتشارد ديربن بعد الجلسة «إننا لا نستطيع الحديث علناً عما سمعناه من معلومات في الجلسة، ومع ذلك، فإننا لم نسمع شيئاً يوحي بأن قادتنا لديهم اعتقاد بأن عدداً مهماً من الجنود الأميركيين سيعودون إلى الوطن قريباً.. والواضح جلياً للأميركيين جميعاً اليوم هو أن الحرب ستستمر طويلاً وستستمر تكاليفها البشرية والمادية. ومن الواضح أنه ليس لدى الإدارة استراتيجية واضحة للنصر.

لقد قادتنا الإدارة إلى الاعتقاد بأن الحرب ستكون سهلة وسيتم انجاز المهمة بسرعة، وسيرحب العراقيون بجنودنا، وسنحدد أسلحة الدمار الشامل ونكتشفها.. ولكننا لم نر شيئاً يشير إلى أن ذلك كان صحيحاً، ولا نرى أي شيء يشير إلى ان لدى الإدارة خطة أو استعداداً لما واجهناه على الأرض في العراق.. وفي الحقيقة انه لا توجد استراتيجية لدى الإدارة».

ومن جهة ثانية قال السيناتور جاك ريد: «إن الإدارة بدأت تقترب من الاعتقاد الذي أعلنه قبل سنتين وهو ان الحرب ستكون صراعاً طويلاً، سيستمر عقداً من الزمن أو أكثر، صراعاً لا بالوسائل العسكرية فقط بل يدخل فيه عنصر الدبلوماسية والاقتصاد والثقافة ويجب توظيفها جميعاً في هذا الصراع ضد القاعدة وضد المتمردين في العراق».

وأضاف ان ما بدا له من الجلسة: «ان لديهم (الإدارة) خطة لتسليم السلطة الأمنية للقوات العراقية على المدى البعيد، ولكن إنجاز هذا لن يضمن تحقيق الأهداف التي يتحدث عنها الرئيس (بوش) وهي: عراق مستقر يخدم حقوق الإنسان، جيد مع جيرانه، وليس نقطة مرور ومأوى آمن للجهاديين..».

وأضاف: ان اللهجة الجديدة سمعها في الجلسة من القادة العسكريين ان الوضع يحتاج إلى جهد طويل. وانه لا نقطة تحول أساسية في المستقبل القريب. ولفت إلى ما كان يكرره المسؤولون في الإدارة مثل: عندما نقبض على صدام حسين، سينهار المتمردون، وعندما نقوم بكذا وكذا وكذا سينهار التمرد والمتمردون.

واشنطن ـ محمد صادق، بغداد ـ «البيان» والوكالات