أبرزت الحرائق المختلفة التي نشبت مؤخراً في المناطق الصناعية في الشارقة عن مدى الإهمال الذي تشهده مساكن العمال في تلك المنطقة والتي أقل ما توصف أنها لا تتمتع بأدنى الشروط المنصوص عليها في شروط سكن العمال العمراني في إمارة الشارقة، ويجد أصحاب العمل عادة المبررات لسكن العمال في هذه الأماكن بغلاء أسعار الإيجارات والتكاليف الكبيرة التي سيدفعونها من الأموال في حال هم خصصوا الأماكن المناسبة لعمال شركاتهم.
عندما زارت «البيان» تلك الأماكن لمشاهدة مساكن العمال على اختلاف أنواعها والتقاط بعض الصور لواقع العمال الأليم واجهتها مشكلة حقيقية وهي خوف هؤلاء العمال جميعاً من قطع أرزاقهم وكلما حاول المصور التقاط صور منع، حتى أنه هدد بالضرب عندما حاول التقاط صورة لتجمع كبير من العمال في أحد المساكن، لماذا؟
لأن الجميع يخشى من «الأرباب» أن «يفنشه» من العمل ويسفره إلى بلاده غير مرضي عنه، وهذه الكلمة التي سمعناها عشرات المرات حتى أنها كانت تتردد من الجميع، وكانوا يشيرون إلى الشخص المشرف عليهم ليتكلم عنهم لأنه في حال علم أن هناك من عبر عن استيائه، فسوف ينقل الصورة إلى صاحب العمل ليقوم بفصله.
فالخوف من فقدان العمل هو السمة الغالبة التي تجبر العمال على القبول بهذه الشروط السكنية السيئة ولاسيما مع التوفر الكبير للأيدي العاملة الآسيوية ورخصها. كما أن هناك أيضاً في المنطقة الصناعية مساكن عشوائية بنيت لهؤلاء العمال الذين باتوا يتجمعون في مسكن واحد بحيث يتراوح عدد سكان الغرفة بين الستة والثمانية إلى العشرة فما فوق هذا أحياناً،
وتعود المعادلة في هذا الأمر إلى الراتب الذي يتقاضاه العامل فمن حسن راتبه يحسن مسكنه ويمكنه السكن في غرفة تضم ستة أشخاص مثلاً ولكن ذلك الذي يتقاضى 600 درهم أو 800 درهم كيف سيكون سكنه؟.ليس هذا فقط بل إن هذه المساكن العشوائية رغم افتقادها لأدنى مقومات العيش الصحي والآمن، إلا أنها لم تنج هي أيضاً من حمى ارتفاع الأسعار التي تجتاح الدولة، فقد ارتفع إيجار بعض الغرف من 600 درهم مثلاً إلى ألف درهم أي ثلثا الإيجار،
وما كان من هؤلاء إلا أن أضافوا إلى غرفتهم سكاناً آخرين حتى يتمكنوا من الاستمرار في حياتهم، أي تكديس أعداد جديدة من العمالة الرخيصة في مكان غير آمن صحياً ومعرض إلى فقدان الكثير منهم بمجرد حدوث حرائق أو أية انفجارات من أسطوانات الغاز الكثيرة الموجودة في ذلك المكان وبشكل غير آمن.
والمشكلة الطريفة التي تشهدها تلك المنطقة أيضاً هي عدم وجود السكن كما عبر أحدهم بالقول «إن أحدنا إذا أراد الآن البحث عن سكن فإنه لن يجد مكاناً شاغراً، وهذا بسبب لجوء الكثير من العمال للسكن في تلك المنطقة بعد الغلاء الكبير الذي شهدته المساكن داخل الشارقة». وتابع قائلاً: «وإذا اعترض أحدنا على إيجار السكن يقول له المالك الله معك وهناك عشرات يأتون عوضاً عنك».
وهذا الأمر ليس من باب المبالغة لأنه في الحريق الأخير الذي شهدته المنطقة الصناعية العاشرة والذي أصيب فيه ما يزيد على ثمانين شخصاً نتج عنه تشرد الكثير من العمال حتى أن بعضهم نزل ضيفاً على قريب أو صديق له، وبعضهم الآخر رغم آثار الحروق التي مازالت تنتشر في جسده إلا أنهم ينامون ليلاً قرب السيارات المتوقفة في تلك المنطقة، هذا فضلاً عن أن بعضهم عاد لمزاولة عمله بمجرد خروجه من المستشفى حسب قول بعض المصابين أنفسهم.
الجميع يتمنى أن لا تتكرر المأساة السابقة ولكن الوقائع تشير إلى احتمالية كبيرة في وقوع مثل هذه المشكلة ولاسيما عندما تكون إحدى ورش تصليح السيارات المستعملة تعمل في صهر حديد السيارات على بعد أمتار قليلة من سكن العمال المبنى أساساً ومن الخشب، ولاسيما أيضاً عندما يتجمع عشرة عمال إن لم يكن أكثر في مطبخ صغير الحجم ليطهوا طعامهم كل على الطريقة التي تناسبه وعلى جهاز الغاز الخاص به
لتنبعث من ذلك المكان حرارة مرتفعة قد تؤدي في أي لحظة من اللحظات إلى نشوب حريق، وليست المشكلة في نشوب الحريق فقط، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في عدم وجود أجهزة الإطفاء في تلك المساكن بالإضافة إلى عدم وجود منافذ تسمح بالإطفاء فضلاً عن قلة معرفة هؤلاء العمال بكيفية التعامل مع الحرائق في حال نشوبها وهذا ما يزيد الطين بلة.
وبقي أن نقول أن سكن العمال هذا يحمل في ثناياه الكثير من الخفايا وربما أهمها أن هناك أعداداً كبيرة من الذين أتوا إلى البلاد زائرين ليعملوا بعدها ويستمروا على هذه المخالفة، كما أن هناك مخالفين لقوانين الإقامة حسب ما أخبرنا العمال أنفسهم، ما يتطلب التنبه إلى هذه القضايا من الجهات المسؤولة، وهذا ربما أيضاً ما يعزز نظرية خوف العمال التي لاحقتنا طيلة جولتنا في سكنهم لنقل بعض صور الواقع الذي يعيشه هؤلاء العمال.
شروط مساكن العمال
أما عن الشروط العمرانية التي يجب توفرها في سكن العمال وكما نصت عليها لائحة شروط ومواصفات البناء في إمارة الشارقة في المادة 1/32 فهي: أن يصرح بإقامة مجمعات سكنية للعمال على قطع الأراضي المخصصة لهذا الغرض وفق بيان التخطيط العمراني بالإمارة، وأن لا يصرح بالبناء على حد قطعة الأرض مباشرة ما لم يرد خلاف ذلك من خلال بيان التخطيط العمراني،
و أن يكون عدد الطوابق والارتدادات وفق بيان التخطيط العمراني الصادر عن إدارة التخطيط بدائرة التخطيط والمساحة في الإمارة، كما يجب ألا يقل الارتداد الداخلي بين المباني عن 6 أمتار، وأن يكون الحد الأدنى للفناء الداخلي (6)مx(6)م، وأن لا يصرح بفتح أبواب الغرف مباشرة على الشارع أو السكك ويجب أن تكون المداخل الرئيسية من داخل قطعة الأرض وهذا في حالة التصريح بالبناء على حد قسيمة الأرض من الإدارة المختصة،
وأن يصرح ببروز ممرات الطابق الأول بمقدار (2,1) متر داخل الارتداد بين المباني والارتدادات الخارجية ولا يصرح بإغلاق هذه الممرات عند البروز، وأخيراً يجب تجميع الخدمات كالمطبخ ودورات المياه في مكان واحد وألا يسمح بتوفير تلك الخدمات لكل واحدة على حدة حتى لا يأخذ هذا النوع من السكن طابعاً مختلفاً كالشقق السكنية وليقتصر هذا النوع من السكن على العمال فقط.
توفير مدينة خاصة للعمال
وحول مشكلات مساكن العمال يقول الشيخ محمد بن صقر القاسمي وكيل وزارة الصحة المساعد مدير منطقة الشارقة الطبية والتي بذلت مستشفياتها ما بوسعها وبسرعة فائقة لعلاج المصابين في حريق المنطقة الصناعية العاشرة: إن مشكلة سكن العمال الحالية وعدم توفر الشروط الصحية بالإضافة إلى شروط الأمن والسلامة فيها يتركز في الإيجارات المرتفعة واضطرار بعض الشركات إلى إيجاد أي سكن للعمال،
وأدعو أن يكون هناك تنسيق بين الجهات المسؤولة لإيجاد مدينة صناعية كبيرة خاصة بسكن العمال وتتوفر فيها شروط السلامة بالإضافة إلى الشروط الصحية، وأن تكون المطابخ بعيدة عن أماكن السكن وأن تتوفر في هذه المساكن شروط العزل المناسبة وان تكون غير قابلة للاحتراق وبعيدة كذلك عن مستودعات التخزين، لأن وضع السكن الحالي سيئ جداً ويحتاج إلى ضبط من وزارة العمل وإدارة الدفاع المدني والبلديات
لأن الدولة عموماً مقبلة على طفرة صناعية وسكنية كبيرة ولاسيما أنها أصبحت منطقة جذب لكثير من الأعمال وبالتالي سوف يكون هناك طلب شديد على سكن العمال، وهذا قد يؤدي إلى حدوث بعض التجاوزات، وعليه فلابد أن يكون هناك توازن بين العرض والطلب وخاصة في منطقة الشارقة التي تعتبر من أكبر المناطق الصناعية في الدولة وعليها إقبال كبير من الأيدي العاملة، ويتطلب هذا إشراف جهة على السلامة المهنية لتحقيق الشروط الصحية والأمنية وتحقيق السكن المناسب.
انعدام شروط السلامة
وأوضح العقيد غريب شعبان حسن مدير إدارة الدفاع المدني في الشارقة أن مساكن العمال لابد أن تتوفر فيها جميع شروط الأمن والسلامة مثل الشقق السكنية الأخرى وأن تزود بكاشفات الدخان وأجراس الإنذار ومزودة بأجهزة الإطفاء وخراطيم المياه، بالإضافة إلى تزويد المطابخ وأماكن الطهي بالغاز الطبيعي وأن تكون التوصيلات آمنة وسليمة
وتوفير القواطع الأوتوماتيكية وكواشف تسرب الغاز، وهذه الشروط يجب توفيرها من قبل الشركات لأن من يسكن في هذه الأماكن هم بشر ويحتاجون إلى مأوى آمن، يتوفر فيه جانب من الترفيه والسكينة حتى يتمكنوا من التركيز في أعمالهم والقيام بها على أكمل وجه.
وأشار إلى أن هناك مساكن عشوائية في بعض الأماكن وهذه المساكن غير مرخصة من الجهات المختصة وغير مرخصة أيضاً من إدارة الدفاع المدني وقال: عند القيام بعمليات التفتيش نفاجأ بوجود مجموعات سكنية مخصصة للعمال وهي عبارة عن مساكن عشوائية لا تصلح للسكن والإقامة كما أنها لا تتوفر فيها الشروط الصحية ولا تتوفر فيها أيضاً منافذ للخروج أو للهروب في حال حدوث حريق أو حادث ما،
وأقرب مثال على هذا حريق المنطقة الصناعية العاشرة الذي أصيب فيه الكثير من العمال وكان يمكن تفاديه أو التقليل من آثاره في حال كانت هذه المساكن مقامة حسب القوانين المعمول بها، مشيراً إلى أنه في وقت قريب حدث حريق في المنطقة الصناعية الرابعة وتمت السيطرة عليه ولم تنجم عنه أية إصابات
لأن المكان كان مجهزاً بمتطلبات الوقاية والسلامة وتمكن العمال أنفسهم من السيطرة على الحريق نتيجة توفر أجهزة الإطفاء في السكن.وقال مدير إدارة الدفاع المدني نتمنى من الجهات المختصة العمل على إزالة هذه المساكن العشوائية، ودعا الشركات والمؤسسات على اختلاف تخصصاتها، إلى تدريب عمالها على عمليات الإطفاء والإسعاف والمبادئ التي تجعلهم قادرين على حسن التصرف وقت الطوارئ ولاسيما في الشركات كثيرة العمال.
الشارقة ـ عمر بدران

