مع تقدم الحياة والتطور التكنولوجي الهائل الذي تشهده البشرية في الوقت الحاضر وثورة الاتصالات والانفجار المعرفي وارتفاع سقف التطلعات والطموحات والعولمة وانتشار ثقافة السياحة والسفر ظهر شكل جديد من أشكال الزواج يسمى الزواج السياحي، الذي بدأ يظهر في مواسم السياحة في بعض الدول العربية.

وهو يرتبط بقدوم السياح على مختلف المدن وفى العادة تكون العروس السياحية صغيرة السن ويدفع لها الزوج مبلغا كبيرا من المال في اغلب الحالات ويؤجر لها شقة خلال الفترة التي سيقضيها معها ورغم ان هذا الزواج مكتمل الأركان الشرعية من مهر وشهود وولى وإشهار في بعض الأحيان لكن الزوج ينظر إليه على انه فترة مؤقتة وسينتهي

ويقصد به الاستمتاع وليس تكوين أسرة فهو زواج مؤقت في غالب الأحيان ويؤدى إلى مشكلات كثيرة في حالة سفر الزوج وحمل الزوجة وإنجابها حيث ينشأ الأبناء لا يعرفون لهم أبا. ما حكم الدين في مثل هذا الزواج؟ وهل هو زواج مؤقت أو ما يعرف بزواج المتعة؟ ومتى يكون مباحا ومتى يكون محرما ؟

في البداية يؤكد الدكتور عبدالعظيم المطعنى الأستاذ بجامعة الأزهر ان الزواج السياحي يختلف عن زواج المسيار الذي يحدث فيه تنازل من جانب الزوجة عن بعض حقوقها لأنها تريد ان تعيش في كنف رجل لذلك تتنازل عن المهر والإنفاق عليها وترضى بان يتردد الزوج عليها من فترة إلى أخرى ولا يقيم معها إقامة دائمة مشيرا إلى ان زواج المسيار بتلك الشروط موافق للشرع بشرط ألا يتجاوز عدد زوجات الرجل أربعا.

ويضيف أما الزواج السياحي فهو زواج متعة وهذا محرم. موضحا انه إذا لم يكن هناك اتفاق بين الزوجين على مدة محددة ينتهي بعدها الزواج فهو بذلك زواج مقبول حتى لو وقع الطلاق بعد فترة قد تطول أو تقصر لكن النية في الزواج من البداية كانت الاستمرار فيه وعدم تحديده بمدة معينة.

ويرى الدكتور المطعنى انه إذا لم يكن هناك اتفاق بين الزوجين على ان يكون الزواج مؤقتا بمدة محددة ولكنهما يعلمان ضمنا انه سينتهي بعد فترة قصيرة فهذا حرام وإذا كانا يخفيان ذلك عن الناس فإنهما لن يستطيعا إخفاءه عن الله الذي يعلم ما يسرون وما يعلنون وما يحاول ان يخفيه الناس في الصدور.

ويشير إلى ان مسئولية هذه الزيجات تقع على أولياء الأمور فمادامت التجربة دلت على ان الزوج يترك الزوجة بعد فترة قد تطول أو تقصر وقد لا تستمر أكثر من شهور الصيف كما هو الغالب فانه يجب منعه بكل الوسائل لأنه حرام ويخالف الشريعة الإسلامية ويؤدي إلى تشرد الأبناء وانحراف النساء وانهيار بعض الأسر.

ويعرب الدكتور المطعنى عن أسفه لان البعض يتخذ من هذا الزواج ـ خاصة الفتيات وأهلهن ـ وسيلة سهلة للحصول على المال مشيرا إلى ان الزواج ليس طريقا من طرق الثراء وإنما هو عقد مؤبد حتى لو انتهى بعد فترة بالطلاق وهذا يختلف عن الزواج الذي يعلم أطرافه علم اليقين انه سوف ينتهي بعد فترة فالأخير يخالف الشرع وكل من يشارك فيه يرتكب إثماً عظيماً.

ويوضح ان الزواج السياحي يختلف أيضاً عن زواج فريند الذي أثير في السنوات الماضية فالأخير يتم بصورة شرعية لكن الزوجة تقيم مع أهلها لان الزوج لا يستطيع توفير المسكن ولا يستطيع تحمل الإنفاق على زوجة وأسرة وهو يلجأ إلى هذا الشكل من الزواج ليعف نفسه.

ويعلق الدكتور المطعنى على ظهور أشكال متعددة للزواج في السنوات الأخيرة ويقول يجب ان ندرك ان الحلال بين والحرام بين وان المسألة تتعلق بالأنساب والأرحام والأسر والمواريث وان الله لا تخفى عليه خافية وانه سوف يحاسب كل إنسان على أفعاله فليختر كل منا لنفسه ما شاء.

الضرورات

ويرى الدكتور عبدالله ربيع عبدالله أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر ان مثل هذا الزواج لا يباح إلا عند الضرورة خاصة إذا كان السفر في طاعة ويضرب الدكتور عبدالله مثلا بطالب العلم الذي يسافر إلى بلد اجنبي من اجل الدراسة ولا يستطيع اصطحاب زوجته معه ويخشى على نفسه العنت فله ان يتزوج هذا الزواج بشرط إلا يظهر نيته في التطليق حتى لا يتحول هذا الزواج إلى زواج مؤقت «متعة» فهذا محرم عند أهل السنة والجماعة.

أيضاً الشخص الذي يسافر للعمل له ان يتزوج وبعد انتهاء فترة العمل له ان يطلق زوجته خاصة وان المدة في هاتين الحالتين قد تطول إلى سنوات ويمكن للزوجة ان تتعرف على زوجها أو تتصل به في حالة الحمل والإنجاب. ويشير إلى ان الزواج السياحي سواء لمدة شهر أو أكثر هنا المدة قصيرة جدا ولو حدث حمل فربما لا تتمكن الزوجة من التعرف على زوجها أو الاتصال به

بالإضافة إلى ان قصر المدة يجعل الخوف من وقوع الزنا غير مطروح كما هو الأمر بالنسبة للحالتين السابقتين موضحا انه في حالات الاحتياج والضرورة لمثل هذا الزواج كما ذكرنا فلا بأس به لان القاعدة الفقهية تقول: «الضرورات تبيح المحظورات» وهناك قاعدة أخرى تقول: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة» وتربط هاتين القاعدتين وتضبطهما قاعدة ثالثة تقول: «الضرورة تقدر بقدرها» فإذا وجدت الضرورة يباح هذا الزواج.

وحول وقوع الضرر على الزوجة في مثل هذا الزواج يوضح الدكتور عبدالله ان الضرر المتمثل في الطلاق قد يقع في كل حالات الزواج فبالنسبة للمرأة أو الفتاة التي تتزوج طالبا يدرس في الخارج إذا رضيت به زوجاً رغم علمها انه طالب وربما يرجع إلى بلده ويتركها

فهذا جائز وربما ينتهي الزواج بمدة الدراسة وربما يستمر الزواج وتعود معه الزوجة إلى بلده الأصلي مشيرا إلى أنها إذا طلقت فلها كافة حقوقها كمطلقة وعلى ذلك فالضرر متوقع في كل الحالات. من جانب آخر يؤكد الشيخ فكرى حسن إسماعيل وكيل وزارة الأوقاف السابق وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ان الأصل في الزواج ان يكون بنية الدوام والاستمرار وليس بنية التحديد والتوقيت

ولهذا يقول الله ـ تعالى -: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة». مشيرا إلى ان الفقهاء اشترطوا في الزواج الصحيح ان يكون قائما على أركان ثابتة وان يكون طابعه الإعلان والإشهار وليس محدد الزمن.

جمهور الفقهاء

ويوضح الدكتور محمد أبو ليلة رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر ان الزواج يشترط فيه ان يكون بنية التأبيد والاستمرار عند الشروع فيه وهناك قلة أباحت ان يكون الزواج بنية التطليق بعد فترة لكن جمهور الفقهاء يتفقون على ضرورة ان يكون الزواج بنية الاستمرار

لأنه بذلك يتحقق الاستقرار للمجتمع وتقوم الأمة وتثبت الأنساب وتتمدد العلاقات مشيرا إلى ان ما يسمى بالزواج السياحي اقرب إلى علاقة غير شرعية وإذا سمحنا به فسوف نعطى مسميات لأمور خارجة على الدين لنضفى عليها الغطاء الشرعي بحيث تكون في ظاهرها إسلامية وهى في حقيقتها غير إسلامية

ويشير إلى ان العالم اليوم أصبح منفتحا على بعضه البعض فإذا كان من يذهب للسياحة يريد ان يتزوج من فتاة ثم يتركها بعد انتهاء زيارته لبلد ما ثم يأتي آخر ويفعل مثله وقد تتزوج هذه الفتاة بسائح آخر في العام الذي يليه فان المسألة سوف تتحول بهذه الصورة إلى بغاء باسم الزواج مما يترتب عليه مشكلة أخلاقية ويتساءل الدكتور أبو ليلة ما علاقة الذي يتزوج سياحيا بزوجته في بلده

وكيف سيكون موقفها إذا علمت بما فعله زوجها؟ وما تأثير ذلك على أبنائه وما ذنب هذه الزوجة في ان يتزوج زوجها في كل بلد يحل به؟ وإذا كان مثل هذا الشخص غير متزوج فسوف يظل هكذا من دون ارتباط وإنما يتزوج ويطلق ولا يتحمل مسؤولية وكأنه يدفع أجرة للمعاشرة ويؤكد أن هذا لا يبيحه الإسلام خاصة في عصرنا الذي يريد فيه الناس ان يتفلتوا من الضوابط الشرعية التي إنما شرعت لتحقيق مصالح الناس والحفاظ على حقوقهم وأعراضهم وكرامتهم.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد