في البدء نقول: الحمد الله الذي بلَّغنا رمضان، ذاك أن إدراك شهر رمضان، إضافة عدد جديد منه إلى حياة المسلم، يعد نعمة من أجلِّ النعم التي تستوجب الشكر لتدوم وتزيد.والصوم شرعة قديمة، فرضها الله تعالى على كل أمة ـ كما يقول مجاهد ـ، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

ومن فوائد ذلك:

1ـ أهمية الصوم في حياة الناس كلهم.

2ـ شدة حاجة النفس البشرية إليه، ولذا لم يحرم الله تعالى منه أحداً من عباده على مر التاريخ، وعبر القرون، وتنوع الديانات.

3ـ خفة وقع التكليف على الصائمين، حيث ان الأمر إذا عم خف.

4ـ حفز الهمم للنهوض الى العمل، فما دام سنة متبعة ففيم التخلف؟

5ـ المنافسة في الخير، والمسارعة إليه، (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

ومن يقرأ آيات الصيام، يلحظ أنها افتتحت بالتقوى، واختتمت بها ففي الآية الأولى: (لعلكم تتقون)، وفي الآية الأخيرة: (لعلهم يتقون).والتقوى: كلمة جامعة لصنوف الخير، وخلاصة ما قيل فيها: إنها المحافظة على آداب الشريعة، وذلك بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والتسليم للقضاء والقدر.وبهذا تصان النفس عن عقوبة الله تعالى وأسباب سخطه، ويكتسب العبد فضائل لا حصر لها، إذ التقوى سبيل كل سعادة، فمن ذلك أنها:

ـ سبيل الفرقان: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا).

ـ سبيل قبول العمل: ( إنما يتقبل الله من المتقين).

ـ سبيل مغفرة الذنوب: ( ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا).

ـ سبيل معية الله تعالى : (إن الله مع الذين اتقوا).

ـ سبيل محبة الله تعالى: ( ان الله يحب المتقين).

ـ سبيل دخول الجنة: ( وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا).

ـ سبيل الخلاص من النار: (وان منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا).

ـ سبيل الأمن من الخوف والحزن: «فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

ـ سبيل الفوز: «ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون».

ـ سبيل الرزق وتيسير الأمور: «ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب».

ـ سبيل للبركة الشاملة: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض».

لذا وغيره كانت التقوى وصية الله تعالى إلى الأولين والآخرين، قال تعالى: «ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم ان اتقوا الله». ألا إنها من أعظم ثمار الصوم، التي ترتقي بالعبد في مدارج الكمال، فلم يزل العبد يتدرج في رحابها حتى يبلغ قمة الكمال البشري، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين: حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس»،

إنها مرتبة المحاسبة الذاتية، والمراقبة الربانية: يثمرها الصوم الصحيح، على حد قوله صلى الله عليه وسلم: «والصيام جُنة» بضم الجيم ـ أي وقاية، ولذا قال بعده: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم»،

بمعنى: أنه استشعر أن يوم صومه ويوم فطره ليسا سواء، ألا ترى إلى كبح جماح نفسه، وشدة ضبط سلوكه، المتمثل بقوله: «إني صائم»!! ومن ثمار هذه الجملة «إني صائم» ان تكسب صاحبها الصدق في المراقبة وقوة المحاسبة، ومن ثم الإخلاص الذي هو أساس كل فلاح ونجاح، ولذا لم يكن للرياء إلى الصوم سبيل والحمد لله.

إن المحاسبة وقوة المراقبة هي التي حالت بينه وبين الانتصار لنفسه، خشية ان يزل لسانه أو يسوء تصرفه، فيقع في ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، مراعياً حكمة الشعر التي تقول:

إذا لم يكن في السمع مني تصامم

وفي مقلتي غض وفي منطقي صمت

فحظى إذن من صومي الجوع والظما

وإن قلت إني صمت يوماً فما صمت

إن من استطاع ان يقول لمن خاصمه من بني جنسه: «إني صائم» أي فلا أدخل معك في خصومة، لا يعجز عن قول ذلك لشيطانه، اذا ما دعاه الى مخالفة ربه. وبهذا وذاك، يكون في أمن من فساد صومه أو ذهاب أجره، فتزيد خيراته ولا تنقص، ويتقدم في الرقي ولا يتأخر!!

ثم إن التقوى لا تعني فعل الخير الذي يخص النفس فحسب، وإنما تتعدى إلى ما هو أعم من ذلك وأهم، ألا وهو نفع الغير، فخير الناس أنفعهم للناس، لاسيما في الزمن الذي نعيشه، حيث عظمت الفاقة، واشتدت الحاجة عند كثير من المسلمين، الأيتام والأرامل والمساكين،

والمشردين في البلاد حيث لا مأوى ولا ملاذ، وأمثالهم من ذوي الحاجات المتنوعة، ممن نجدهم منتشرين في شتى بقاع الأرض هنا وهناك، كلهم بحاجة الى المساعدة ومد يد العون لهم، وهم يتطلعون الى إخوانهم صباح مساء علهم يجدون من يسعفهم أو يخفف من وقع الجوع والأسى عنهم!!

ومن فضل الله تعالى على عباده ان جعل التفاضل بينهم بالتقوى، فأكرمهم عليه سبحانه أتقاهم، فكان في ذلك فتح باب الخير للجميع بلا استثناء، مهما كان وضعه ومنزلته، ولو كان ذلك بخلاف هذا لشق ذلك على العباد، ولكانت حسرة في قلوب الكثيرين.

فماذا يكون لو كان ذلك بالمال؟ هل يستطيع كل مسلم ان يكون مثل قارون؟!

وماذا سيكون لو كان ذلك بالجمال، هل يستطيع كل مسلم ان يكون مثل يوسف عليه السلام؟.

وماذا يكون لو كان ذلك بالسلطان؟ هل يستطيع كل مسلم ان يكون مثل سليمان عليه السلام؟

وماذا يكون لو كان بالنسب؟ هل يستطيع كل مسلم ان يكون قرشياً هاشمياً؟

لقد جعل الله ذلك بأمر يستطيع من كل هكذا ومن لم يكن كذلك، فما أرحم الله بعباده وما أجل حكمته سبحانه وتعالى!!

د. عيادة بن أيوب الكبيسي

أستاذ التفسير وعلوم القرآن

كلية الشريعة ـ جامعة الشارقة