تمثل معدلات الطلاق المتزايدة في المجتمع الإسلامي ظاهرة خطيرة جداً تدعو إلى البحث والدراسة. ومن أهم أسباب هذه الظاهرة أن بعض المتصدين لفتوى الناس في الطلاق لا يفتونهم إلا بمذاهبهم الخاصة، مع أن قانون الأحوال الشخصية أهمل الأخذ بهذه المذاهب..

وكما أن كثيراً من هؤلاء الذي يفتون يرون أن آراء الفقهاء أحكام شرعية يجب الالتزام بها، وهذا خطأ، فليس كل ما قاله السلف من الفقهاء صحيحاً، فهم بشر مجتهدون يصيبون ويخطئون. حول هذه القضية يقدم لنا الدكتور محمد الدسوقي كتابه الجديد: «فقه الطلاق بين التقليد والتجديد».

المقاصد العامة

في البداية يطالب المؤلف بضرورة إعادة النظر في فقه الطلاق، موضحاً أن هذه الإعادة ليست خروجا على الثوابت بحال من الأحوال، لأنها تتوخى علاج مشكلة ارتفاع معدلات الطلاق، وحماية الأسرة من التفكك والتفرق، وما يترتب على هذا التفكك والتفرق من ضياع الأبناء،

فقد أثبتت التجارب أن النشأة الطبيعية للإنسان لا تكون إلا في ظل الدين تجمع بينهما معاني التفاهم والود والاستقرار العائلي، وان الإنسان مهما تتحقق له من أسباب الرعاية الغذائية والصحية في صغره، ولكنه يفقد حنان الأبوين فان نشأته لا تكون سليمة، وتؤثر هذه النشأة على مستقبل حياته.

إن علاج مشكلة ارتفاع معدلات الطلاق تعول على الرجوع إلى مصادر الأحكام الأساسية مع الاهتمام بالمقاصد العامة للتشريع والتذكير بالأصل في تشريع الزواج والطلاق، ومراجعة أقوال الأقدمين من الفقهاء والترجيح بينهما بالاجتهاد، والاسترشاد بما صدر عن بعض المحدثين من الفقهاء الذين أضحت آراؤهم مصدرا للقوانين التي وضعت للأسرة،

وكانت آراء هؤلاء الفقهاء من قبل ينظر إليها على أنها شاذة، فلا يؤخذ بها، وكان يعد من يتبناها مبتدعا وماراقا من الدين. ويتحدث المؤلف عن الطلاق مؤكدا انه مقيد بالضرورة الملجئة، أي الضرورة التي يضطر إليها الإنسان، وليس لديه مخرج منها سوى الطلاق.

فالإسلام قد أقام العلاقة الزوجية على دعائم من الرغبة المشتركة والمودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف، وحرص أبلغ الحرص على الإصلاح إذا ما جد على هذه العلاقة ما يعكر صفوها، ليعيش الإنسان في ظلال وارفة من التآلف والانسجام، وليواجها كل مشكلات حياتهما بروح سامية من العفو والتجاوز والإيثار،

ولكن ما يحرص عليه هذا الدين من وقاية الحياة الزوجية كل عوامل الاضطراب، وجفاف القيم المعنوية التي توثق العلاقة بين الزوجين قد لا يتحقق دائما، فالقلوب والنفوس تتحول وتتغير، وما كان بينها من محبة وتآلف، قد ينقلب إلى بغض وتنافر، والدعوة إلى الإصلاح والعلاج قد ينتج عنها بالعجز عن عدم الوئام والوفاق إلى الحياة الزوجية وقيام كل طرف فيها بما يجب عليه من حقوق نحو الطرف الآخر.

والضرورة الملجئة للطلاق لها أسباب كثيرة أهمها:

السبب الأول: قد يظهر لكل من الزوجين انه بعد البحث والتحري وقت الخطبة لم يعرف تماما صاحبه من ناحية الأخلاق وغيرها، وقديما قالت العرب كل خاطب كاذب، فبعد عقد الزواج والمعاشرة تجلى لكل من الزوجين ما كان خافياً عنه.

السبب الثاني: قد يظهر أن الزواج لم يحقق للزوجين ما كانا يرجوان من نسل، وبذلك يفوت أهم مقاصد الزواج.

والسبب الثالث: قد يضر الزوج زوجته ضررا لا تستطيع معاشرته بسببه، ومن ثم يتعين التسريح بإحسان مادام لم يعد ممكنا الإمساك بمعروف.

السبب الرابع: العوامل النفسية، وهذه ليست من اليسير معرفتها أو التصريح بها، وتكون من أسباب هوة الخلاف والشقاق بين الزوجين، فتكون الحياة الزوجية جحيما لا يطاق، وجرحا لا يندمل إلا بالفراق.

أدوات الشرط

وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن صيغ الطلاق، مشيرا إلى ثلاث صيغ: منجزة، ومعلقة، ومضافة إلى زمن. أما الصيغة المنجزة: فهي التي خلت من التعليق والإضافة، وأراد بها من أصدرها وقوع الطلاق وترتب آثاره في الحال، كقول الرجل لزوجته: انت طالق، وهذا هو الأصل في الطلاق.. وحكم هذه الصيغة أن يقع الطلاق بها في الحال بشرط أن يكون أهلا لإيقاعه، والمرأة محلاً له.

أما الصيغة المعلقة: فهي التي تجعل وقوع الطلاق معلقا على أمر سيحصل في المستقبل، فهي ترتب وقوع الطلاق على حصول ذلك الأمر بأداة من أدوات الشرط أو ما في معناها: إن وإذا ومتى ونحوها، فيقول الرجل مثلاً لامرأته: إن زرت بيت فلانة فأنت طالق، أو كلما خرجت بدون إذني فأنت طالق.

وحكم الطلاق المعلق، اختلف الفقهاء فيه، ومنشأ اختلافهم عدم ورود نص من الكتاب أو السنة في هذا الطلاق، وعدم ورود النص الشرعي في مسألة من المسائل يفتح باب الاجتهاد، وتتعدد الآراء فيها، ويرى جمهور الفقهاء أن هذا الطلاق يقع عند تحقيق ما علق عليه، لعدم ورود النص، ولأن الطلاق قد شرع للحاجة،

وقد تدعو الحاجة إلى أن يكون بصيغة التعليق ولأن الزوج يملك إيقاع الطلاق منجزاً فيملك تعليقه، ولأن الطلاق من قبيل الإسقاطات كالإبراء من الدين فيصح منجزاً ومعلقاً. أما الصيغة المضافة إلى زمن: وهي التي تقترن بظرف زمان يقصد وقوع الطلاق فيه، وهذا الزمان قد يكون مستقبلا وهو الأغلب، كأن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق في أول الشهر القادم، وقد يكون ماضيا، كأن يقول : أنت طالق منذ أسبوع.

وقد اختلف الفقهاء في هذه الصيغة، حيث يرى البعض ان الصيغة إذا أضيفت إلى زمن مستقبل وقع الطلاق عند حلول الوقت الذي أضيفت إليه، مادامت المرأة عندئذ محلاً للطلاق.. ويرى البعض الآخر ان الطلاق يقيم في الحال، لأن بقاء الزوج مهم الإضافة إلى المستقبل يجعل عقد الزواج في حكم المؤقت، بل قد يكون هذا التصرف زريعة إلى نكاح المتعة، وهو منهي عنه.

وفي النهاية يتوقف بنا المؤلف عند مراحل الطلاق، حاصرا إياها في ثلاث مراحل : الطلاق الرجعي، الطلاق البائن بينونة صغرى، الطلاق البائن بينونة كبرى. المرحلة الأولى: «الطلاق الرجعي» وهو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها ولم يكن مسبوقاً بطلقة أصلاً، أو كان مسبوقا بطلقة واحدة،

وهذا الطلاق الرجعي لا ينهي العلاقة الزوجية فور وقوعه، وإنما تنتهي بعد انقضاء العدة دون أن تراجع الزوجة فيها، ويملك الزوج في الطلاق إعادة مطلقته في أثناء العدة دون اعتبار رضاها في أي وقت شاء، ودون حاجة إلى عقد جديد.. وحق الرجعة أثبته الشارع للزوج، ومن ثم لا يملك إسقاطه، ولذا كان إدخال الطلاق على الطلاق إلغاء لهذا الحق فكان باطلاً.

وما دام الطلاق الرجعي لا ينهي العلاقة الزوجية في الحال، فان من حق المرأة في فترة العدة عليها ألا تخرج من بيت وزوجها، بمعنى أن تنتقل إلى بيت آخر «بيت أهلها»، أما خروجها لقضاء حاجة لها فلا بأس به وتتقيد المرأة في هذا بما شرع الله، وأن يكون ذلك بإذن بعلها.

المرحلة الثانية: «الطلاق البائن بينونة صغرى» هذا النوع من الطلاق يؤدي إلى فصم عرى الزوجية فور صدوره، فتنقطع العلاقة بين الزوجين، وتصبح المرأة أجنبية عن الرجل، فلا توارث بينهما ولو مات أحدهما في العدة، ويحل بهذا الطلاق مؤخر الصداق، إن كان مؤجلا لأقرب الأجلين، ولا يملك الزوج فيه مراجعة مطلقته لا في العدة ولا في بعدها إلا بعقد ومهر جديدين.

المرحلة الثالثة: الطلاق البائن بينونة كبرى «وهو الطلاق المكمل للثلاث، وهو ينهي العلاقة الزوجية فور وقوعه، كالبائن بينونة صغرى، يأخذ كل أحكامه، ويزيد عليه أن المرأة بهذا الطلاق تصبح محرمة على زوجها حرمة مؤقتة، فلا يملك الزوج فيه مراجعة المرأة لو رضيت لا في العدة ولا بعدها، لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجا آخر زواجاً طبيعيًا ثم تطلق منه طلاقاً طبيعياً.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود