قال الشيخ: جناحا المؤمن رجاء في الله وخوف منه، فإذا طغى أحدهما على الآخر لم يستطع أن يحلّق في أجواء الروح، والرجاء في الله طمع بمنتهى الرحمة والكرم، وبأصل الغفران وبمنبع الرأفة والحنان، فمن عرف الله لا يمكن إلا أن يحسن الظن به، وهو من قال عز من قائل:أنا عند حسن ظن عبدي بي.
فلله صفات جمال لا يخطئها القلب والعقل، فهو الرحمن الرحيم، وهو الرزاق الكريم، وهو الغفور الرحيم، وهو الودود العظيم، ومن كانت هذه صفاته وأسماؤه لا يمكن إلا أن يطمع في عطائه، وأن يمعن في رجائه، من هنا كان الرجاء أصل كل فرحة وأمل، في حياة كل مؤمن لم يغره طول الأجل، أما الخوف من الله فهو خوف من الميزان والحساب،
ومن السؤال والعقاب، والحساب في الدنيا وفي الآخرة، والعقوبات بين زاجرة وقاهرة. فلله صفات جلال لا يخطئها أهل الوقار، فهو العزيز الجبار، وهو المتين القهار، ومن كانت هذه صفاته وأسماؤه لا يمكن إلا أن يخشى ويخاف، وهي سنة ذوي الألباب والعفاف. يقول الشاعر:
عبدتك لاخوفاً وإن كنت خائفاً
ولا طمعاً حتى وإن كنت طامعاً
عبدتك أنت الحق ولا رب غيره
ويا رب آمن روع قلبي وعمني
وكان فؤادي من جلالك واجفاً
وما زلت مزروعاً ببابك واقفاً
فهب لي أحوالاًوهبني لطائفاً
بفضلك واجعلني بحبك عارفاً
إن حب الله هو حب للرحمن والرحيم، وللقهار والجبار، ومنه لا يمكن أن ينفصل حبه مهما استولى على القلب والجوارح عن رجائه وحسن الظن به، وعن خشيته والخوف من سخطه وبطشه، وكل من ادعى أن حبه فاق طمعه بكرم الله وخوفه من عقابه لم يقدر الله حق قدره، ولم يعرف حقيقة محبوبه ومطلوبه، لذلك قال سيدنا عمر بن الخطاب: لوظننت أن رجلاًواحداً سيدخل الجنة لظننته أنا، ولو ظننت أن رجلاً واحداً سيدخل النار لظننته أنا.
ولم يعرف عن واحد من الصحابة والسلف، أنه أمن مكر الله وعقابه باسم حبه جل وعلا، بل إن الامام ابن حنبل وهو في نزعه الأخير عرض له الشيطان وقال له: نجوت مني يا أحمد... فكان يردد وهو في سكرات الموت: ليس بعد ليس بعد. إن الخوف والرجاء هما أصل الاتزان عند المؤمن، أصل أمله وخوفه، وفرحه وحزنه، وإقباله على المكارم وإدباره عن المغارم، وكل حسن ظن بالله لم يرافقه حسن عمل هو نوع من الضلال، وقد صدق عز وجل بقوله: «يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم».
وكل من سلك الطريق إلى الله تحول الخوف والرجاء عنده إلى «أحوال ولطائف» ـ كما يسميها الشاعر ـ فترى دمعة الحب والأمل تخالط دمعة الخوف والخشية في عين واحدة، والمؤمن في ذكره للحق سبحانه وتعالى واستحضاره ليل نهار قلبه ونفسه وروحه بين اصبعي الرحمن فإن لامس في نفسه انشراحاً شكر الله وزاده ذلك حباً وشوقاً وإن لامس فيها ضيقاً وانقباضاً استغفر الله وزاده ذلك خشية وخوفاً...
دون يأس أو قنوط فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. والمؤمنون في أحوال الله ولطائفه في جنة أرضية قبل جنة السماء، وهم يجدون في قلوبهم حلاوة لا تعادلها لذات الدنيا الحقيرة، ولكنها أحوال ولطائف لا تمنح إلا لذي اليقين الذي لا يخامره ظن ولا شك، انظروا إذا شئتم إلى الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه وهو يقول للصحابة: أنا أغناكم وأكثركم حسنات، يقولها فرحاً وغبطة ونشوة وسرورا.
فيتعجب الصحابة ويذهبون إلى الرسول الأعظم لينقلوا إليه ما سمعوه، فيبتسم صلى الله عليه وسلم ويفسر لهم قول عمر، ألم تروا أن الله يبدل السيئات حسنات، وعمر كان أكثركم سيئات قبل اسلامه، وهو أكثركم حسنات بعد اسلامه، فجمع الحسنات من قبل اسلامه وبعده، وهي لطيفة لا يتذوقها إلا أصحاب الحقيقة من أهل الايمان واليقين.
ويا رب آمن روع قلبي وعمني
بفضلك واجعلني بحبك عارفاً
ماهر سقا أميني