عندما يعلن معالي الدكتور علي عبد الله الكعبي وزير العمل والشؤون الاجتماعية ويكرر بأن إصلاح وضبط سوق العمل من إصلاح جهاز التفتيش العمالي بالوزارة وتدعيمه وتقويته لكي يستطيع الاضطلاع بمهامه ومسؤولياته ومراقبة ومتابعة آلاف المنشآت والشركات بالدولة فإن هذا الكلام لا يعني سوى الأهمية البالغة والقصوى للتفتيش ورجاله.
ورغم هذا الكلام الذي سبق وأعلنه أيضا وزراء العمل السابقون إلا ان جهاز التفتيش والذي يعتبر «خط الدفاع الأول عن ضبط وتنظيم سوق العمل» مازال يعاني من ضعف في الإمكانيات والتي تأتي في مقدمتها قلة الكوادر البشرية العاملة فيها والتي جعلت الوزارة تعلن أمام المجلس الوطني في دورة سابقة بأن الإمكانيات الحالية للتفتيش لا تفي سوى بانجاز 10% من حجم العمل الهائل الملقى على عاتقه.
ورغم كل تلك الظروف الصعبة التي يعمل فيه المفتشون وجمعيهم من «الكوادر المواطنة» وقلة إعدادهم وعملهم في بيئة عمل غير طبيعية وظروف صعبة وقاسية نظرا لانتقالهم إلى مواقع وأماكن العمل والسكن للعمال والتي قد تعرضهم للمخاطر والتي قد تودي بحياتهم
إلا أنهم ورغم ذلك لا يجدون من يحميهم ويمنحهم ابسط الحقوق للعاملين في مثل هذه الظروف ممثلة في «بدل طبيعة عمل» التي وعدوا بها من جميع وزراء العمل السابقين وحتى الآن رغم حصول عاملين في جهات ومهن أخرى ربما تقل خطورة وجهداً عن عملهم يحصلون على هذه البدلات.
وما من شك انه عندما يصرح وزير العمل بأن جهاز التفتيش الحالي في حاجة لأكثر من 400 مفتش حتى يستطيع القيام بدوره على أكمل وجه ويتمكن من التفتيش على المنشآت الموجودة بالدولة مرتين في العام ناهيك عن باقي أنشطة وأعمال التفتيش الأخرى وفي ظل وجود نحو 70 مفتشا بالدولة حالياً فإن هذا يؤكد المعاناة التي يعيشها المفتشون وحجم العمل الهائل الملقى عليهم من اجل ضبط وتنظيم سوق العمل.
* معاناة
المفتشون عبروا لنا في اللقاءات التالية عن بعض ما يعانونه في عملهم والذي يغلب عليه الجانب الميداني وضرورة تواجدهم بصورة شبه يومية ولساعات طويلة في أماكن العمل أو الانتقال إلى مساكن العمال من اجل التأكد من عدم مخالفة الشركات وتطبيقها لقانون العمل
وهو دور كبير يقومون به في ظل ظروف صعبة ولا يجدوا مع ذلك الدعم والمساعدة سواء من حيث زيادة أعدادهم أو منحهم ابسط حقوقهم وهي «بدل طبيعة عمل» وهو حق مشروع نظرا للمخاطر العديدة التي يواجهونها في عملهم ولا يجدون من يحميهم منها رغم أنهم يقومون بحماية حقوق العمال.
ويضيف المفتشون أنهم يواجهون ضغوطاً كبيرة سواء كانت نفسية أو صحية وغيرها من دون أن يهتم بهم أحد ويكفي لتأكيد ذلك ان الوزارة أصدرت قرارا بمنع عمل العمال بين الساعة الثانية عشرة ظهرا إلى الساعة الرابعة والنصف عصرا ولم تفكر في من يقوم بالإشراف على تنفيذ ذلك وهم نحن المفتشين الذين عانينا طوال شهري يوليو وأغسطس من التواجد في هذه الفترة شديدة الحرارة والرطوبة لمتابعة التزام الشركات بالقرار.
يقول محسن علي سعيد نائب مدير إدارة تفتيش العمل بأبوظبي ان المفتشين يقومون بدور كبير لمتابعة المنشآت والشركات للتأكد من مدى التزامها بقانون العمل ويتطلب ذلك قيام المفتشين بعمليات تفتيش ميداني في مواقع العمل ما يعرضهم لبعض المخاطر والاحتكاك ببعض العمال وخاصة في حالات التوقف عن العمل كما حدث وتكرر مؤخرا أو وجود عمال مخالفين ويخرجون إلى أماكن العمل المكشوفة والمصانع التي تستخدم بعض المواد الكيماوية الخطرة.
ويضيف ان عمل المفتشين في تلك الظروف يتطلب ضرورة صرف بدل طبيعة عمل خاصة وأنه كان مطبقا في فترات سابقة ولكن لا يوجد الآن وطالبنا به مرات عدة نظرا لضغوط العمل وحجم العمل الكبير الملقى على عاتق المفتشين وظروفه الصعبة ولكن المسؤولين كانوا يبلغوننا بأنهم رفعوا مذكرات لمجلس الوزراء ووزارة المالية ولكن يبدو انه لم تتم الموافقة عليها، إضافة إلى ذلك فإن جهاز التفتيش يعاني من قلة الأعداد الأمر الذي يلقي بأعباء إضافية على العاملين حاليا.
ويوضح محسن علي ان المفتشين يضطرون كذلك إلى العمل في فترات دوام مسائي مما يجعلهم يتركون عائلاتهم والتزاماتهم الأسرية وعملهم في أوقات الراحة وهذا يتطلب ضرورة وجود بدل طبيعة عمل مشيرا إلى ان ذلك لو حدث يجعل المفتشين يشعرون بالرضا الوظيفي وانعكاسات ذلك الايجابية على انجازهم لعملهم رغم أنهم لن يقصروا حاليا مما يساهم في انجاز المعاملات وقيامهم بدورهم بصورة أفضل وجودة وكفاءة.
* مخاطر
ويقول قاسم محمد جميل رئيس قسم التفتيش بأبوظبي ان المفتشين يتعرضون للمخاطر وخاصة في مواقع المصانع والأماكن المكشوفة أو تحت الإنشاء خلال قيامهم بعملهم للتأكد من تطبيق قانون العمل وتوافر شروط الأمن والسلامة والصحة المهنية وكذلك التعرض لأشعة الشمس
مشيرا إلى انه رغم ان قرار حظر تشغيل العمال تحت أشعة الشمس في الفترة من الساعة الثانية عشرة والنصف إلى الرابعة والنصف إلا ان المفتشين كانوا يعملون لمدة ساعتين في ظل تلك الظروف الصعبة وبالتالي يستدعي ذلك صرف بدل طبيعة عمل لهم؟
ويشير إلى ان الوزارة قدمت دراسة كاملة لصرف بدل طبيعة عمل ولكن الجهات الأخرى المعنية لم تستجب ولم تقدر الجهود التي يقوم بها جهاز التفتيش خاصة وان هناك مخاطر عديدة يمكن ان يتعرض لها رجال التفتيش العمالي عند قيامهم بعملهم وخاصة عند ضبط «عمال مخالفين» والذين يمكن ان يقوموا بتصرفات عنيفة في حال شعورهم بالخطر مما قد يعرض المفتشين للحوادث والإصابات وسبق أن حدثت بعض الحوادث لبعض المفتشين من قبل.
ويأمل قاسم جميل ان تراعي الجهات المعنية وخاصة وزارة المالية ظروف العمل الصعبة التي يعمل فيها المفتشون وكل من يعمل في مثل ظروفهم وان تسرع بصدور قرار بصرف بدل طبيعة عمل خاصة وان الأعباء زادت كثيرا على إدارات التفتيش العمالي بعد تكرار حالات التوقف عن العمل والمطالبة بالرواتب المتأخرة حيث بذل المفتشون جهودا كبيرة في احتوائها والسيطرة عليها قبل تفاقمها بالتعاون مع الجهات الأمنية.
* متابعة
ويقول راشد هلال العليلي مفتش عمل أول نحن نعاني كثيرا من كثرة أعداد المنشآت والمعاملات التي نقوم بإجراء عمليات تفتيش ومتابعة ميدانية لها يوميا وفي جميع الظروف وفي أماكن مختلفة والانتقال لمواقع الشركات المنتشرة في ربوع الدولة ونعاني كذلك من مخاطر جسيمة وفي كثير من الأحيان تعرض مفتشون للاعتداء من جانب العمال وخاصة في السابق عندما كان المفتش يقوم بضبط المخالف وجلبه إلى الوزارة حيث كان البعض يقاوم.
ويضيف ان ظروف عمل التفتيش تختلف تماما عن الكثير من أصحاب المهن والأعمال الأخرى سواء في الوزارات والدوائر الأخرى أو حتى وزارة العمل وهذا يتطلب من المسؤولين ضرورة مراعاة ذلك وصرف بدل «مخاطر» أو بدل طبيعة عمل أسوة ببعض العاملين في مهن اقل خطورة من التفتيش العمالي ورغم ذلك يحصلون على بدلات كثيرة.
ويقول عبد المنعم الأحمد مفتش عمل أول بأبوظبي اننا نعاني الكثير من المشاكل مع المراجعين والمسؤولين عن المنشآت، وتأتي معاناتنا هذه عند قيامنا بالتفتيش على المنشآت حيث لا تلتزم بتوفير كافة المتطلبات والاشتراطات المطلوبة وللأسف ان الكثير منهم يدعون أنهم لا يعرفون الإجراءات مما يلقي بأعباء إضافية على المفتشين لأننا نضطر إلى انجاز العمل في أكثر من مرة كما اننا نتعرض للمخاطر عند التفتيش على المنشآت والورش التي تستخدم مواد كيماوية.
ويضيف لقد عينت بالوزارة عام 1994 ومنذ ذلك الوقت وأنا اسمع ان هناك مذكرات للوزير والوكيل لصرف بدل طبيعة عمل ولكن لا جدوى من ذلك ويقولون ان الموضوع في المالية رغم اننا لم نقصر في أعمالنا ونعمل في كل الظروف ونضطر في كثير من الأحيان ان نقوم بالتفتيش في المصفح
وبني ياس لعدم وجود مكتب للتفتيش هناك ورغم كل ذلك والجهود التي تبذلها أو تأخر مفتش عن التوقيع بالبصمة الالكترونية يحال إلى التحقيق ويخصم من راتبه بدلا من صرف بدل طبيعة عمل أليس هذه مفارقة عجيبة؟! وبدلا من ان «يثاب» تتم معاقبته.
* واجهة
ويقول احمد حمود المنهالي مفتش عمل ان المفتشين هم واجهة الوزارة في التعامل مع المنشآت والشركات بصورة مباشرة والذين يذهبون إليهم وفي مواقع العمل وهذا بالطبع يلقي بالكثير من الأعباء النفسية والضغوط عليهم ويعرضهم للخطر الحقيقي خاصة اذا كان لدى الشركة عمال مخالفون أو متسللون والذين قد يقومون بتصرفات طائشة وهوجاء ويعرضون حياة المفتشين للخطر كما حدث من قبل لبعض الزملاء نتيجة الاحتكاك والذي يصل إلى حد المشاجرات مع مسؤولي الشركات أو العمال.
ويضيف نحن نعاني من انعدام لغة التخاطب مع العمال الذين لا يعرفون سوى لغتهم كما لا توجد مواقف للسيارات في أماكن الشركات اذا كانت داخل المدينة ونعاني كذلك في الوصول إليها وإلى معسكرات سكن العمال اذا كانت خارج المدينة كمصفح أو بني ياس أو اذا كانت بجوار المشاريع التي تنفذها الشركات من هنا فإننا نطالب بضرورة توفير الحماية لنا
وان تكون هناك آليات خاصة لذلك لأننا معرضون للخطر الحقيقي وان لا تكتفي الوزارة بالمطالبة ببدل طبيعة عمل فقط والتي يجب عليها ان تنظر لهذا الأمر بعين الاعتبار خاصة وان هناك وعوداً كثيرة ومنذ سنوات ولكنها لم تر النور وتتحقق حتى الآن.
* المهن الأخرى
ويرى هادي حسن محسن مفتش عمل ان عملهم لا يقل خطورة عن بعض المهن الأخرى التي يحصل شاغلوها على بدلات طبيعة عمل بل ان المفتشين يواجهون المخاطر الفعلية والحقيقية ويتعاملون مع نوعيات مختلفة من العمالة سواء المخالفين أو المتسللين كما ان وجود المفتشين في المواقع قيد البناء والتشييد يعرضهم كذلك لمخاطر سقوط بعض المعدات وأشعة الشمس.
ويضيف ان جهاز التفتيش يعاني كذلك من قلة أعداد المفتشين حيث ان حجم العمل يفوق القدرات البشرية والإمكانيات المتاحة حاليا حيث يقوم كل مفتش بانجاز ما يتراوح بين 7 إلى 10 معاملات يوميا وبعضها يحتاج إلى ساعة للانتهاء منها في ظل اعداد كبيرة من المنشآت والعمال وخاصة لشركات المقاولات التي تتطلب متابعة توثيق العقود والجوازات وبطاقات العمل
وكشوف الرواتب إضافة إلى عشرات المعاملات التي تحال إلينا يوميا من قبل لجنة التأشيرات كل ذلك يلقي بأعباء إضافية لا حصر لها يضع المفتشين في دوامة عمل مستمرة لا تنتهي الأمر الذي يجعلنا نؤكد على ضرورة الإسراع بصرف بدل طبيعة عمل وتوفير الحماية لنا من مخاطر المهنة.
* عمل صعب
ويقول خميس سعيد السويدي مفتش عمل مساعد ان عمل التفتيش بصعب ومتعب جدا خاصة في ظل زيادة أعداد المعاملات المطلوب انجازها من كل مفتش يوميا مع العجز الكبير في أعداد المفتشين وقد زادت «متاعب» العمل بصورة كبيرة مؤخراً مع زيادة أعداد طلبات التأشيرات التي تحال إلى التفتيش والتي تتطلب ضرورة القيام بإجراء عمليات تفتيش على الشركات للتأكد من مدى التزامها وتطبيقها للقانون قبل السماح لها بجلب عمالة جديدة.
استطلاع ممدوح عبد الحميد