خيمت أجواء الحرب على قطاع غزة من جديد بعد 12 يوماً من تحرره مع شن الجيش الإسرائيلي عدواناً واسع النطاق بدأ بغارات جوية أدت إلى استشهاد أربعة فلسطينيين بالتزامن مع تحركات برية ونشر المدفعية تمهيداً لاجتياح بري يشرع الأبواب أمام «حمام دم» جديد، تزامن مع إغلاق الضفة الغربية والقطاع، وسط تبادل الوعيد بالانتقام بين الاحتلال وقيادة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي أنهت الهدنة وهددت ب«الضرب في العمق الإسرائيلي».
وبعد ليلة تساقطت فيها أكثر من 35 قذيفة أطلقتها المقاومة الفلسطينية على النقب وعلى معبر كيسوفيم، رداً على مذبحة جباليا أول من أمس التي اتهمت المقاومة إسرائيل بتنفيذها، أمر وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز جيشه «بشن سلسلة من العمليات القاسية» في غزة، في ظل تحرك قطعات عسكرية برية نحو حدود القطاع الذي عاش ساعات من الرعب والترهيب مع سيطرة مقاتلات ال«إف ـ 16» ومروحيات «الأباتشي» على الأجواء وإطلاق صواريخ من البارجات المتواجدة قبالة السواحل.
وحصد العدوان الجديد أمس أربعة شهداء في حي الزيتون، اثنين من كوادر «حماس» في قصف مروحيات إسرائيلية لسيارتين كانتا تقلانهما وأما الآخران فكانا من المارة، فضلا عن إصابة تسعة من المواطنين وركاب السيارات الأخرى. وأعلن ناطق عسكري أن الجيش نشر المدفعية والدبابات على حدود القطاع وسط تخوف بوجود نية لغزو بري، وطلب موفاز من الجيش «شن هجوم على البنى التحتية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة،
بما في ذلك هجوم جوي متواصل وساحق وواضح»، كما أمر بأن يبقى الجيش «على أهبة الاستعداد لشن هجوم طويل قدر الحاجة». ونقل عنه قوله أيضاً إن إسرائيل ستوجه رسائل مدمرة ل«حماس» والمقاومة. كما أعلن الجيش الإسرائيلي أمس الإغلاق العسكري التام للقطاع والضفة ووادي الأردن.
ويتوقع المراقبون أن يقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون، الذي عقد الليلة الماضية اجتماعا للحكومة الأمنية المصغرة، على خطوات قاسية وغير مسبوقة في غزة في حال تواصل إطلاق صواريخ «القسام»، بخاصة في هذه المرحلة التي يواجه فيها أزمة في حزبه «الليكود» الذي يشهد اليوم انتخابات حاسمة تحدد مصيره.
وأكدت شخصيات قيادية رفيعة المستوى في «حماس» ل«البيان» أن الحركة تخلت عن التهدئة بالقول إن «الهدنة باتت وراء ظهورنا... والرد على العدو سيكون قاسياً وشديداً بحجم جريمته في جباليا وسيذوق المر». وأصدرت «كتائب الشهيد عز الدين القسام» الذراع العسكري لحماس، التي أعلنت الاستنفار بين عناصرها بيانا أكدت فيه أن صبرها آخذ بالنفاد.
وجاء في بيان صادر عنها القول: «لقد احتملنا حماقات العدو كثيراً، وإننا نقول وبالفم الملآن آن لنا أن نضربه بكل قوة وأن نجعله يعض أصابع الندم على كل حماقة يقدم عليها، وأن نذيقه المر والعلقم».وفي هذا السياق، قال الناطق باسم «حماس» مشير المصري لوكالة «فرانس برس» إن حركته «لا يمكن أن تصمت أمام هذا التصعيد الخطير ومعاودة سياسة الاغتيالات»،
وشدد على أن «كل الخيارات مفتوحة بما فيها ضرب العمق الصهيوني»، مضيفاً أن «العدو يجازف بحياة جنوده ومستوطنيه، ويد القسام ستطالهم».وعلمت «البيان» أن مختلف القوى والأجنحة العسكرية تشهد استنفاراً كبيراً وأن الكثير من قادتها الذين ظهروا عقب الانسحاب، عادوا لإتباع إجراءات أمنية شديدة الحذر.
إلى ذلك، تواصل الجدل بين «حماس» من جهة وحركة «فتح» والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى في شأن المسؤولية عن انفجار جباليا الذي استشهد فيه 19 فلسطينياً. ففيما تصر «فتح» والسلطة على مسؤولية «حماس» عن الانفجار نتيجة استخدامها المتفجرات والأسلحة في العروض العسكرية، تصر حركة المقاومة الإسلامية على أن إسرائيل هي المسؤولة عن الانفجار.
واتهمت شخصيات قيادية في «حماس» وزارة الداخلية الفلسطينية بالتآمر عليها وتدبير انفجار جباليا، فقد وجه عضو القيادة السياسية للحركة أحمد بحر في كلمة تأبين للشهداء اتهامات غير مسبوقة للوزارة بأنها وراء الانفجار، وتساءل عن توزيعها أربعة بيانات بعد دقائق معدودة من الانفجار تقول فيها إن خللا فنيا وراءه. وقال: «إن قوة حماس أقوى من قوة أميركا وإسرائيل ووزارة الداخلية».
وعلى الجانب الرسمي، اعتبر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن) حادثة جباليا «نتيجة للفوضى والفلتان الأمني»، وحذر، في كلمة أمام مهرجان جماهيري في رام الله لمناسبة انسحاب إسرائيل من غزة، من أي تدخل إسرائيلي في الانتخابات التشريعية، وقال: «لا نرضخ لأي املاءات أو استفزازات من أي مصدر جاءت، نحن من أقر القانون الانتخابي». وشدد على أن «الانتخابات حق للجميع من دون شروط ومن دون قيود».
وأضاف أنه لا بديل عن حل شامل يحقق تطلعات الفلسطينيين في اقامة دولة مستقلة وحل قضية اللاجئين.أما في الجانب العربي، فأكد الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي أن «اتصالات عربية على مستوى عال» جرت أمس لبحث «التصعيد الإسرائيلي وتداعياته» المحتملة، مشدداً على أن «هذا التصعيد يطعن في الانسحاب الإسرائيلي من غزة ويطعن في الرغبة في استمرار عملية السلام».
على صعيد متصل اعتقلت القوات الاسرائيلية 207 ناشطين فلسطينيين معظمهم من الاسلاميين في حملة شنتها ليل السبت الاحد في الضفة الغربية وانتهت صباح اليوم الاحد بينما اعلن الجيش الاسرائيلي ان عمليات سلاح الجو ستستمر لفترة "غير محددة" في قطاع غزة.
وقالت متحدثة باسم الجيش الاسرائيلي ان 11 ناشطا اعتقلوا في محيط جنين و18 في منطقة طولكرم و15 قرب قلقيلية وسبعين حول رام الله و31 قرب بيت لحم و61 قرب الخليل وواحدا في وادي الاردن.
واضافت ان بعض المعتقلين (اكرر.. بعض المعتقلين) كانوا مسلحين وعمليات الاعتقال رافقها تبادل لاطلاق النار في بعض الاحيان. وذكر مصدر عسكري ان بين الموقوفين اكثر من 12 من القادة السياسيين والعسكريين لحركة حماس.
وتحدثت الاذاعة الاسرائيلية العامة عن اعتقال الشيخ حسن يوسف الذي يعد احد اهم قياديي حركة حماس في الضفة الغربية.وفي هذا السياق، صرح الجنرال اسرائيل زيف قائد العمليات في مقر قيادة الجيش الاسرائيلي صباح اليوم الاحد ان العمليات الاسرائيلية ضد الحركات الاسلامية الفلسطينية المتشددة في قطاع غزة مدتها "غير محددة".
وقال الجنرال زيف للاذاعة الاسرائيلية العامة نعمل في قطاع غزة لمدة غير محددة ضد عدد غير محدد من الاهداف ونستهدف (حركة المقاومة الاسلامية) حماس ومنظمات ارهابية اخرى.
واضاف ان هذه العمليات ليست محددة زمنيا. نريد وقف اطلاق صواريخ قسام على اسرائيل وسنستخدم كل الوسائل التي نملكها" لتحقيق ذلك.واكد الجنرال زيف "نريد تجنب الخسائر بين المدنيين وسنبلغ في منشورات المدنيين الموجودين في القطاعات التي يتم اطلاق صواريخ قسام منها بانهم معرضون لردنا.
واعلنت الحكومة الاسرائيلية في بيان نشر ليل السبت الاحد بعد اجتماعها ان ردنا (على عمليات القصف) سيكون بافهام حماس والمنظمات الفلسطينية الاخرى والسلطة الفلسطينية بوضوح انهم سيدفعون ثمنا باهظا جدا .
ونقلت وسائل الاعلام الاسرائيلية عن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قوله خلال الاجتماع لن نغزو قطاع غزة مجددا لكن سكانه لن يناموا اذا لم ينم سكان سديروت" المدينة الواقعة في جنوب اسرائيل وتستهدفها قذائف القسام باستمرار. وبقيت مدارس هذه البلدة مغلقة اليوم الاحد.
ووافقت الحكومة الامنية على مشروع وزير الدفاع شاوول موفاز الذي يقضي بشن عمليات جوية وقصف مدفعي على المناطق التي يتم اطلاق صواريخ قسام منها في قطاع غزة.
غزة ـ ماهر إبراهيم
رام الله ـ محمد إبراهيم والوكالات
