تصاعدت التعقيدات الأمنية المتداخلة مع السياسية في البصرة (جنوب العراق) إلى درجة قاطعت معها السلطات المحلية في المدينة القوات البريطانية حتى تقدم اعتذاراً وتعويضاً عن أحداث يوم الاثنين الماضي. فيما احتدم الجدل حول اختراق «الإرهابيين» صفوف الأجهزة الأمنية.

وبينما كان الجيش الأميركي والعراقي يعلنان انتهاء العملية العسكرية في مدينة تلعفر ويؤكدان قتل 300 مقاتل اجنبي واعتقال 325 آخرين خلال الأشهر الأخيرة في العراق، حذر مسؤول رفيع في الجيش الأميركي من دخول العراق في حرب أهلية جراء التوتر الطائفي المتصاعد بالتزامن مع توقع آخر للرئيس الأميركي جورج بوش بتصاعد العنف مع اقتراب موعد الاستفتاء على مسودة الدستور منتصف أكتوبر المقبل.

وتعهد مجلس مدينة البصرة أمس بعدم التعاون مع القوات البريطانية الى أن يتلقى اعتذارا وتعويضا بعد أن اقتحمت القوات البريطانية سجنا عراقيا بالبصرة لتحرير جنديين بريطانيين محتجزين. وقال محافظ البصرة ثاني كبرى المدن العراقية ان قرارا بالإجماع اتخذ في اجتماع عقده مجلس المدينة في وقت متأخر مساء الأربعاء وأن الأمر يعود الآن الى القوات البريطانية لاتخاذ خطوة لوضع حد للنزاع الذي أجج مشاعر الغضب ضد القوات الأجنبية.

وقال محافظ البصرة محمد الوائلي لرويترز «مجلس المحافظة اجتمع أمس وقرر وقف كل أشكال التعاون مع البريطانيين الى أن يتم تنفيذ ثلاثة مطالب .. الاعتذار وعدم تكرار ما حصل مجددا وثالثا قيام القوات البريطانية بالتعويض عن الضرر»، مشيرا الى قيام مدرعات بريطانية بهدم جدران السجن.

وقال الوائلي انه يتوقع ان يلتقي المجلس مع مسؤولين عسكريين بريطانيين اليوم أو غداً الجمعة أو السبت. واكد ستيوارت اينز وهو مسؤول بالقنصلية البريطانية في البصرة ان من المزمع اجراء مفاوضات، لكنه لم يذكر متى ستجرى.وقال للصحافيين «سندخل في مفاوضات (مع مجلس المدينة) للوصول الى حل لمشاكلنا».

ومن ناحية اخرى لزمت القوات البريطانية ثكناتها داخل البصرة وحولها وقللت من ظهورها في الشوارع في محاولة لتهدئة التوتر الناجم عن غارة يوم الاثنين.وقال سكان من مدينة البصرة انهم لم يروا وجودا للقوات البريطانية في شوارع المدينة بعد أن كانت في العادة تقوم بدوريات يومية مشتركة مع قوات الجيش والشرطة العراقية.

وقال جندي بريطاني تم الاتصال به هاتفياً في البصرة ان القوات تلزم قاعدتها وتقلل عمدا من ظهورها في الشوارع. وأضاف ان هناك بواعث قلق بشأن ما قد يحدث اليوم الجمعة حيث يتوقع ان يندد الخطباء في المساجد بممارسات البريطانيين وهو أمر من شأنه ان يثير الرأي العام، وكان الناطق باسم القوات البريطانية الميجور ستيف مالبورن قد أعلن قبل ذلك «أن هناك تقارير تتحدث عن موضوع المقاطعة، ولكننا لا نزال ننتظر للتأكد منها وحينها نخطط للتعامل مع الموضوع».

مضيفا ان «السلطات البريطانية والعراقية ستجري تحقيقاً مشتركاً لحادثة الاثنين». وتعليقا على هذه الأحداث قال رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إذاعته أمس ان التأخر في الكشف عن حقيقة ما جرى سببه وجود أكثر من رواية لتلك الأحداث.. مضيفاً انه آثر التريث قبل ان يصدر بياناً عراقياً حكومياً بشأن ما حدث. وقال انه يتحفظ على ما ورد من روايات لتفسير ما حدث حتى يتم إجراء تحقيق شامل من قبل الحكومة.

وفى معرض تعليقه على ما قاله مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي بأن أجهزة الأمن مخترقة من قبل المليشيات المحلية، بين رئيس الوزراء العراقي ان القوات العراقية سواء في جهازى الشرطة او الجيش كان فيها سابقا عناصر من النظام السابق..

مشيراً إلى ان الحكومة تعمل جاهدة لاجتثاث هذه العناصر وانها حققت تقدما في هذا المجال. وفي السياق نفسه قال محللون في لندن ان الاعتراف الصريح من قبل حكومتي بغداد ولندن بأن المسلحين «اخترقوا» الأجهزة الامنية في البصرة يمثل نكسة للخطط الأمنية البريطانية وإستراتيجيتها للخروج من البلاد.

في غضون ذلك أعلن الضابط في الجيش العراقي عبد العزيز محمد جاسم امس انتهاء العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأميركية والعراقية في مدينة تلعفر، لافتاً إلى انها أسفرت عن مقتل 12 عنصراً من القوات العراقية و157 مسلحاً وجرح 27 جندياً عراقيا واعتقال 683 «إرهابياً مفترضاً». وكانت عملية «ريستورينغ ذي رايتس» (استعادة الحقوق) أطلقت بمشاركة ستة آلاف جندي عراقي وأربعة آلاف جندي أميركي في 10 سبتمبر.

من جهته حذر نائب قائد المنطقة الأميركية العسكرية الوسطى لشؤون التخطيط، الجنرال مارك كيميت من دخول العراق في حرب أهلية جراء التوتر الطائفي المتصاعد. وفي مقابلة خاصة أجراها موقع شبكة (سي ان ان) الإخبارية الأميركية بالعربية قال الجنرال كيميت «هناك من يرغب في جر العراق إلى حرب أهلية، وهذه بالطبع نية أبو مصعب الزرقاوي وإرهابييه، وذلك كي لا يرى الناس في العراق أنفسهم كعراقيين، بل كجزء من طائفتهم ودينهم».

وشدد على أن الأخطار المترتبة على ازدياد العنف الطائفي عظيمة، وقال «إن فقط التلميح أو النية في وقوع عنف طائفي سيمزق كل ما لدى شعب العراق». وشبه ذلك بما كانت عليه الأوضاع في يوغسلافيا عام 1995 عندما كان المسلمون من أهل البوسنة والكروات والصرب يتحاربون. وأضاف «ولكن الشعب العراقي يعي خطورة الأمر جيدا، ولهذا لا يريدون حدوث ذلك».

من جهته كشف الجنرال ريك لينش مساعد رئيس الأركان الاميركي في مؤتمر صحافي أمس «منذ مارس أسرنا 325 مقاتلاً وقتلنا 300 آخرين». في العراق. واضاف ان هؤلاء المقاتلين اتوا في شكل أساسي من مصر وسوريا والسودان والسعودية والاردن. واعلنت الحكومة العراقية يوم الاثنين ان أربعة وخمسين أجنبياً أتى معظمهم من بلدان عربية حكم عليهم بالسجن من سنة الى 20 سنة لأنهم تسللوا الى العراق وقاموا بـ «انشطة ارهابية».

واوضح الجنرال ريك لينش ان هؤلاء الاشخاص ادينوا في الاشهر الستة الماضية.وقال «هذا مؤشر واضح الى ان الحكومة العراقية تسعى الى السيطرة على حدودها ولن تتساهل مع اشخاص يأتون من الخارج ويقومون بأعمال عنف رهيبة».بدوره توقع الرئيس الأميركي جورج بوش تصاعد العنف في العراق، معتبراً أن المتطرفين الذين يريدون «قيام حرب أهلية» في العراق سيكثفون هجماتهم مع اقتراب موعد الاستفتاء على مسودة الدستور في الخامس عشر من الشهر المقبل.

وقال «ما دام العراقيون يستعدون للاقتراع على دستورهم في أكتوبر وانتخاب حكومة دائمة في ديسمبر علينا أن نكون مستعدين لمواجهة المزيد من العنف». ورفض بوش سحب القوات الأميركية من العراق باعتباره يشكل خطراً على أمن العالم ويسمح للإرهابيين بتحقيق نصر على الولايات المتحدة.

(الوكالات)