نظراً للموقف الروسي الرافض تراجعت دول «الترويكا» الأوروبية الثلاث (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) عن سعيها مؤقتاً لرفع ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي، في وقت كانت طهران تشهد عرضاً عسكرياً ضخماً تضمن الكشف عن صواريخ «شهاب 3» بعيدة المدى.
وتخلى الأوروبيون في مشروع قرار جديد طرحوه في فيينا، عن رفع الملف الإيراني إلى مجلس الأمن حرصا منهم على تجنب انقسام مجلس الحكام، وهو الهيئة التنفيذية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.وتعارض روسيا والصين ودول عدم الانحياز رفع الملف الإيراني إلى مجلس الأمن.وقال دبلوماسي غربي ان التراجع يعود إلى معارضة روسيا في حين يرغب الاتحاد الأوروبي في إبقاء روسيا إلى جانبه.
لكن إذا لم يتأمن إجماع على مشروع القرار الجديد، فان الاتحاد الأوروبي، مدعوما من الولايات المتحدة، سيعود إلى المشروع الأول الأكثر تشددا ويطلب التصويت على إحالة الملف إلى مجلس الأمن، كما ذكرت مصادر غربية أشارت إلى اجتماع وكالة الطاقة في نوفمبر المقبل، وبناء على تقرير مدير الوكالة محمد البرادعي.
وينتقد المشروع الجديد ما يسميه مخالفات إيران الكثيرة وانتهاكاتها لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات حسب معاهدة الحد من الانتشار النووي.ويطلب المشروع من إيران ان تصدق وتطبق البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من الانتشار النووي الذي يتيح إجراء عمليات تفتيش أوسع والعودة إلى عملية التفاوض التي أحرزت تقدما كبيرا منذ سنتين.
وفي وقت لاحق رفضت روسيا المشروع الأوروبي الجديد أو مشروع الحل الوسط، الذي أبقى على انتقاد طهران وعدم التزامها النووي، وعلق السفير الروسي في الوكالة غريغوري بردينكوف على النص بالقول انه «مثل طائرة لا يمكنها التحليق».
ورفضت الوفود الروسية والصينية والهندية والجنوب افريقية والجزائرية في مداخلاتها رفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن وفضلت معالجة الملف من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس حكامها، لكن من دون منح إيران بالضرورة «شيكا على بياض».
من جهته أعلن وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست ـ بلازي بعد القرار الأوروبي بالتخلي عن طلب إحالة الملف إلى مجلس الأمن.ان «الأولوية هي للحفاظ على وحدة المجموعة الدولية» لأن «من مصلحة الإيرانيين الكبيرة الا نكون متحدين». وأضاف «فلنحافظ على وحدتنا إلى أقصى حد، حتى لو استمر ذلك شهرين».
وذكر دوست ـ بلازي بأن «الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت موحدة في أغسطس في طلب تعليق الأنشطة النووية الحساسة ـ تحويل وتخصيب ـ من الإيرانيين بما في ذلك روسيا والصين».وكشف دوست ـ بلازي ان «جميع الشركاء الذين التقيتهم بمن فيهم الروسي والصيني، قالوا لي انهم لا يريدون الانتشار النووي لأغراض عسكرية» في إشارة إلى اللقاءات التي عقدها في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأضاف «كانوا واضحين جدا بقولهم: بالنسبة إلينا، انه الخط الأصفر، ولن نذهب إلى هناك، لكن اثبتوا لنا ذلك».«لكن إذا لم يتراجع الإيرانيون عن قرارهم وإذا لم يكن في استطاعة الوكالة ان تقول لنا ان البرنامج النووي الإيراني ليس لأغراض عسكرية، سيكون من الطبيعي ان نطلب تقريرا أمام مجلس الأمن»، كما قال دوست ـ بلازي.
من جهة أخرى، وجه الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد أمس تحذيرا شديد اللهجة إلى أي دولة قد تفكر في مهاجمة إيران وذلك في كلمة ألقاها خلال الاستعراض العسكري السنوي في طهران بمناسبة ذكرى اندلاع الحرب الإيرانية العراقية ( 80 - 1988 ) تضمن صواريخ بعيدة المدى من طراز «شهاب 3».
وقال نجاد «لقد أدرك أعداؤنا اننا جادون للغاية في الدفاع عن أمننا»، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. وحذر من اي هجوم على بلاده مؤكدا «ان كان البعض يريد معاودة تجربة الماضي، فان جام غضب الأمة الإيرانية سيكون مدمرا ولاهبا وسنعتمد على الشعب وعلى قواتنا المسلحة لجعل (العدو) يندم على عمله».
وشمل الاستعراض الذي جرى أمام ضريح الإمام الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية ستة صواريخ بعيدة المدى من طراز «شهاب 3» التي يبلغ مداها ألفي كيلومتر.وقال الرئيس الإيراني «بلدنا يريد السلام والاستقرار والعدل والإنصاف في العلاقات الدولية، مضيفا «نريد ان يكون الخليج خليج الصداقة والمساواة».
كذلك دعا احمدي نجاد إلى إنهاء «احتلال» القوات الأميركية للعراق ورحيل القوات الأجنبية عن بحر قزوين.وبالنسبة لموقفها من الأزمة النووية دعت إيران التي أعربت عن رغبتها في التعاون أمس مع البرادعي إلى زيارة طهران كما ذكر السفير الإيراني محمد اخون زاده.وأشار اخون زاده في تصريح صحافي إلى ان «التفاوض هو الطريق الوحيد للاستمرار»، وأعرب عن الإرادة السلمية لبلاده.
ورفض الإجابة عن سؤال صحافي عما اذا كانت إيران أحرزت «انتصارا» في فيينا بعد تهديداتها الأخيرة بالانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وحصر الصادرات النفطية بالدول الصديقة وحدها.على صعيد آخر كتب وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث،
الفرنسي فيليب دوست بلازي والألماني يوشكا فيشر والبريطاني جاك سترو، في مقالة بصحيفة لوموند الفرنسية أمس وقع عليها أيضاً الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا «ان مخاطر انتشار الأسلحة النووية ستكون مرتفعة جداً إذا ما واصلت إيران السير في الطريق الذي تسلكه حاليا».
واعتبر الموقعون على المقالة ان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى هما منطقتان من الأكثر دقة في العالم وقد يتزعزع استقرارهما وأكدوا ان دولا أخرى قد تسعى إلى تطوير قدراتها النووية الخاصة وستتأثر معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بشكل خطير.
(وكالات)