رحبت الفعاليات المحلية كافة أمس بإعلان شركة بترول أبوظبي الوطنية«ادنوك» نيتها عدم إجراء أي زيادات في أسعار بنزين السيارات في المستقبل.

وأدى هذا الإعلان في الوقت ذاته إلى تصدع الاتفاق بين شركات توزيع المنتجات البترولية في الدولة. وقالت مصادر في هذه الشركات في تصريحات خاصة ل«البيان» ان الزيادة التي تمت مؤخرا في أسعار البنزين جاءت باتفاق مختلف الشركات.

وقالت المصادر التي رفضت الكشف عن هويتها ان التنسيق بين شركات التوزيع كان كاملا وان هذا التنسيق كان يشمل أية خطوات أو مبادرات تتعلق بأسعار البنزين. وحذرت هذه المصادر من انهيار الاتفاق بين شركات التوزيع المحلية. وطالبت الشركات بالانتظار إلى حين إجراء الاتصالات اللازمة مع كافة الأطراف ودراسة الموقف من كافة جوانبه.

وأعربت شركات توزيع المنتجات البترولية عن استعدادها الكامل لعدم إجراء أية زيادات في أسعار بنزين السيارات إذا ما وافقت الحكومة على تقديم الدعم للشركات بما يسمح لها القيام بواجبها.

وقالت الشركات انها لا تزال تتعرض لخسائر باهظة رغم كل الزيادات التي تمت على سعر البنزين. وان هذه الزيادات ليست لتحقيق الأرباح وإنما لتقليل الخسائر فقط. كما أكدت استعدادها للالتزام بأي قرار يحقق المعادلة الصعبة التي تسمح للشركات بالعمل دون خسائر مع عدم زيادة أسعار البنزين في الوقت نفسه.

* خسائر باهظة

وقال مصدر مسؤول في إحدى شركات التوزيع في تصريحات خاصة ل«البيان» ان التقديرات الأولية لخسائر شركات التوزيع الأربع المحلية تقدر بنحو 400 مليون درهم شهريا، وان هذه الخسائر متواصلة منذ أربعة أعوام حتى الآن.

وأشار إلى ان الزيادة الأخيرة التي تمت بنسبة 31 % قللت الخسائر ولكنها لم تلغها بشكل كامل وان الشركات لم تصل بعد إلى مرحلة الربح.

* مطالبة بدعم البنزين

وقالت شركات التوزيع ان الإمارات هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لا تدعم أسعار البنزين حيث ان جميع دول التعاون الخليجي وإيران تدعم هذه السلعة الاستراتيجية في حين ان الإمارات لا تدعمها.

وأكدت شركات التوزيع المحلية أنها تحصل على البنزين بالأسعار العالمية مشيرة إلى ان هذه الأسعار تلتف حول عنق الشركات وتكاد تخنقها في ظل الارتفاعات الجنونية في أسعار البترول العالمية.

وأرجعت الشركات تذمر الناس من زيادة أسعار البنزين بحجة ان الإمارات دولة بترولية لكنها لا تعرف ان الشركات تحصل على البنزين من الحكومة بالأسعار العالمية ذاتها. ولكن الشركات في الوقت نفسه لم تبرر الزيادات الكبيرة في أسعار السلع والخدمات في مختلف القطاعات.

وقالت ان هذه الزيادات غير مبررة وان سببها الرئيسي جشع بعض التجار وليس زيادة أسعار البنزين. وطالبت الشركات بوضع آلية لمراقبة أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية وعدم ترك الأمر لجشع التجار. وأكدت ان هناك سلعاً وخدمات لا تتأثر بأسعار البنزين ومع ذلك شهدت أسعارها زيادات كبيرة بعد زيادة أسعار البنزين بسبب سوء استغلال البعض للقرار.

وطالب خبراء متخصصون بضرورة وضع ضوابط لمراقبة الأسواق وتحديد القطاعات المتضررة من زيادة أسعار البنزين ونسبة الزيادة في هذه القطاعات وعدم ترك الأسعار تتحرك بصورة عشوائية.

كما طالب الخبراء بضرورة ان تستكمل الإمارات تطورها الاقتصادي العالمي بوضع «مؤشر للأسعار» يحدد بالدقة معدل تحرك الأسعار وفقا للمستويات العالمية لوقف هذه الزيادات العشوائية في مختلف القطاعات ومنع الاستغلال السيء لزيادة أسعار المواد البترولية والمحروقات.

* مؤشر للأسعار

وقال رجل الأعمال احمد عبد الرحمن البنا الخبير الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة«دورباك» للاستشارات الهندسية وتطوير الأعمال ان المشتقات البترولية والمحروقات سلعة استراتيجية تؤثر في مختلف القطاعات الأخرى بل وتؤثر في اقتصاد الدولة ذاته.

وذكر ان الزيادة في أسعار هذه السلعة الاستراتيجية لابد ان تتم بالتدريج وعلى فترات زمنية متباعدة إلى حد ما مؤكدا ان الزيادة الكبيرة بنسبة 31 % كانت كبيرة جدا ومبالغا فيها وأدت إلى زيادات كبيرة في أسعار مختلف السلع والخدمات، وانه كان الأولى ان تتم الزيادة بشكل متدرج وعلى مرحلة زمنية أطول نسبيا.

وطالب البنا في الوقت ذاته بضرورة وضع آلية لمراقبة الأسعار في السوق المحلية وان يتم تحديد القطاعات الأكثر تضررا من زيادة أسعار البنزين ومعدل الزيادة الواجبة في استعار السلع والخدمات بهذه القطاعات حتى لا يترك الأمر عشوائيا لجشع التجار في كل الأسواق.

كما طالب وزارة الاقتصاد والتخطيط في الوقت ذاته بوضع«مؤشر للأسعار» وفقا للمعايير العالمية يمكن من خلاله قياس المدى الذي تتحرك فيه الأسعار في الدولة وما إذا كان في مستوى الأسعار العالمية أم لا، مؤكدا ان اقتصاد الإمارات قد تطور وبلغ مستويات عالمية وان هذه الخطوة باتت واجبة في الوقت الحالي.

وأكد ان زيادة أسعار البنزين قد تكون مبررة في ظل زيادة أسعار النفط ولكن لابد من آلية لإجراء هذه الزيادة بشكل متدرج وان تتم مراقبة الأسعار.

وان تكون هناك آلية لضبط الأسعار في الأسواق المحلية. كما أكد ان زيادة الأسعار إلى مستويات كبيرة في الأسواق المحلية قد تؤثر سلبا في اقتصاد الدولة وليس فقط على المستهلك العادي لان هذه الزيادات طاردة للاستثمارات الأجنبية، حتى القطاع السياحي يتأثر سلبا بهذه الزيادات.

وأشاد البنا بإعلان شركة«ادنوك» الأخير عدم إجراء آية زيادات مستقبلية في أسعار البنزين مؤكدا ان هذا القرار قد يمتص جانبا من الآثار السلبية للزيادة الأخيرة في أسعار هذه السلعة المهمة. كما انه يتوافق مع ضرورة التدرج في تحرير سعر البنزين.

وطالب بان تكون هناك دراسات وافية قبل اتخاذ قرار الزيادة وان يكون الوقت مناسبا لاتخاذها. كما لابد ان يصحب الزيادة رقابة مكثفة على الأسعار في الأسواق وان يتم تفعيل آليات ضبط الأسواق ووقف التحرك العشوائي للأسعار تحت اى مبرر.

وأشار إلى ان اقتصاد السوق لا يعنى بأي حال من الأحوال ان يترك الحبل على الغارب وان تتحول الأمور إلى عكس الاتجاه الصحيح بما يؤدى إلى زيادة معدلات التضخم ويؤثر سلبا في النمو الاقتصادي للدولة.

*المطلوب دراسات دقيقة

من جانبه قال خالد احمد الشيخ مبارك مساعد مدير عام دائرة الصحة والخدمات الطبية للشؤون المالية والإدارية بان قرار شركة «أدنوك» بعدم زيادة أسعار البنزين مستقبلا هو قرار حكيم دون ادنى شك خاصة بعد الزيادة الكبيرة التي طرأت على أسعار البنزين والديزل الشهر الماضي.

وأشار إلى أن الزيادة الأخيرة لأسعار البنزين والديزل أثرت على كافة القطاعات التجارية والاقتصادية وحتى الأفراد في الدولة لان نسبة الزيادة كانت عالية.

وأشار إلى أن زيادة الأسعار يجب أن تخضع لدراسات دقيقة وان تتم عن طريق التدرج وبنسب معقولة وليس كما حدث مؤخرا فيما يتعلق بأسعار البنزين والديزل.

وأشار إلى أن تأثير الارتفاع الأخير لأسعار البنزين على دائرة الصحة والخدمات الطبية كان محدودا ولكن بالنسبة إلى الديزل فقد أدى ذلك إلى ارتفاع ملحوظ في الفاتورة المخصصة لهذا البند نظرا لان جميع المولدات الاحتياطية في المستشفيات والمراكز الصحية تعمل على الديزل الذي ارتفع منذ بداية العام الجاري ثلاث مرات.

وأضاف ان قرار شركة «ادنوك» عدم زيادة الأسعار مستقبلا هو قرار إيجابي ونأمل ألا تتم زيادة الأسعار مرة أخرى قبل نهاية العام كما تناقلت بعض وسائل الإعلام حول اعتزام بعض الشركات زيادة أسعار البنزين والديزل بنسبة 20% قبل نهاية العام الجاري.

* الصحة ترحب

وفي وزارة الصحة رحب إبراهيم صقر الشامسي مدير إدارة الشؤون المالية في منطقة دبي الطبية بقرار شركة أدنوك بعدم زيادة أسعار البنزين مستقبلا مشيرا إلى أن زيادة أسعار البنزين والديزل بنسبة 30% انعكست بشكل سريع على العديد من السلع الاستهلاكية وانعكست بشكل سلبي على المواطنين والمقيمين.

وأوضح أن قرار شركة أدنوك جاء في وقت كثرت فيه التخوفات من زيادة الأسعار مرة ثانية بنسبة 20% قبل نهاية العام الجاري كما تناقلت بعض وسائل الإعلام المحلية.

وأشار إلى أن وزارة الصحة لديها اتفاقية مبرمة مع مؤسسة المواصلات التي تقوم بدورها بتزويد الوزارة بالسيارات بما في ذلك بالبنزين والسائقين وبالتالي فان أي زيادة على أسعار البنزين تنعكس على مؤسسة المواصلات لكونها الجهة التي تتحمل مثل هذه التكاليف.

*قرار في محله

من جانبه قال حسن الحمادي - موظف - ان القرار جاء في محله وأعرب عن أمله في أن تقف الحكومة مع أدنوك لدعم قرارها الذي يصب في مصلحة المستهلكين. وأضاف أن «أدنوك» ليست متأثرة بالخسائر الكبيرة التي لحقت بشركات توزيع المنتجات البترولية الأخرى التي سمعنا عنها أخيراً.

وذلك بسبب اعتمادها على محطة لتكرير البترول في الرويس بأبوظبي، الأمر الذي يؤكد أنها تستبعد زيادة أسعار بنزين السيارات في المستقبل، كما أنها إذا لجأت إلى رفع الأسعار ستتأثر وستتعرض لخسائر كبيرة نظرا لمقاطعة المستهلكين لمحطاتها المنتشرة في الإمارات الشمالية والبحث عن بدائل أخرى.

وأضاف أن الحال سيؤثر على شركات توزيع البترول الأخرى «ايبكو وبترول الإمارات» إذا زادت أسعار البنزين في المستقبل، فسيتجه المستهلك بلا شك إلى محطات «أدنوك»، كما هو الحال في مدينة العين حيث يلجأ معظم المستهلكين لمحطات التزويد بالوقود المجاورة البريمي وذلك لانخفاض أسعار البنزين.

وأوضح الحمادي أن مسألة ارتفاع الأسعار مرتبطة بسعر النفط في السوق العالمي، ومما سمعناه أخيراً أن أسعار البنزين في السوق العالمي بدأت تنخفض، ونأمل أن ينعكس ذلك على أسعار البنزين في الدولة. ويرى الحمادي ان تعلن شركات توزيع البترول عن إجمالي خسائرها نهاية كل عام حتى يتسنى للمستهلك الاطلاع على الأسعار سواء بالتخفيض أو الزيادة.

وأعرب عن أمله أن ترفع الحكومة من نسبة بدل المواصلات للموظفين باعتبار أنها باتت تثقل كاهل المستهلك البسيط، وأن تتعاون الجهات المختصة بإنشاء محطة تكرير البترول في الدولة من خلال فتح المجال لشركات المساهمة العامة، وبالتالي يدر المدخول لصالح البلد بدلا من الاعتماد على الدول الأخرى.

وعبر محمد أحمدي - موظف - عن سعادته الكبيرة بالقرار وقال انه أراح المستهلك وطمأنه كثيرا وأزاح غيمة الشكوك التي راودت الكثير من المستهلكين، مشيرا إلى عدم توقعه زيادة أسعار البنزين في المستقبل، وإن كان هناك ظروف تحتم ارتفاع الأسعار كالاحداث العالمية والتطورات الاقتصادية والكوارث الطبيعية التي تتأثر بارتفاع وانخفاض أسعار البنزين في العالم، وهي أمور قد تقنع المستهلكين بارتفاع أو انخفاض الأسعار.

وأضاف أن شركات توزيع البترول كانت تعاني من أزمة كبيرة وتجنبا للخسائر ارتأت رفع الأسعار قبل أن تغلق أبوابها أمام المستهلك، كما أنها ومن خلال رفعها للأسعار لم تؤثر سلبا على جميع مناحي الحياة، بل أنعشت أسواق الأسهم العالمية وليس فقط أثرت بصورة سلبية على المجتمع.

وقال أكرم فتحي - موظف - ان القرار صائب ويأمل أن تتبعه باقي شركات التوزيع، وذلك بعد أن ظهرت مخاوف كثيرة من تزايد أسعار البنزين في المستقبل، كما أن أبعاد ارتفاع الأسعار أثرت على المستهلك لاعتماده الكبير على البترول.

ويرى أن الإشكالية لم تتوقف على ارتفاع أسعار البنزين بل تكمن في التبعيات التي حدثت بعد الارتفاع فأثرت على زيادة الصرف والمواد الأساسية والنقل العام والمواد الغذائية وتذاكر السفر والإيجارات وغيرها.

وهذا ما يعاني منه المستهلك من ذوي الدخل المحدود. وأضاف أن العوامل الفعلية وراء ارتفاع أسعار البنزين نتيجة ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي، فإذا الأصل ارتفع بالتالي سيرتفع المنتج.

متابعة - عبد الفتاح فايد، عماد عبد الحميد، نادية إبراهيم: