لا شك أن الأسرة الممثل الأول للثقافة وأقوى الجماعات تأثيراً في سلوك الفرد، وهي التي تسهم بالقدر الأكبر في الإشراف على النمو الاجتماعي للطفل وتكوين شخصيته وتوجيه سلوكه، أما المدرسة فتعتبر المؤسسة الرسمية التي تقوم بعملية التربية ونقل الثقافة المتطورة وتوفير الظروف المناسبة لنمو الطفل جسدياً واجتماعياً، فهي توسع دائرة المعلومات والمعايير الاجتماعية والقيم والاتجاهات التي تعلمها بين أحضان أسرته.

تصنف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية والعقلية للطفل اليوم في مقدمة اهتماماتها، مما يدعونا للتساؤل: كيف نحافظ على صحة أطفالنا النفسية بدءاً من الأسرة، وما هي حاجاته النفسية والعقلية والاجتماعية، وأيهما أفضل الطفل الشقي أم الهادئ، وما هي الطرق الحديثة لتعليم الأطفال التي تجعل منه مغامرة حية؟

يقول خميس قاسم اختصاصي نفسي بمنطقة الفجيرة التعليمية إن الانتقال من البيت إلى المدرسة أو الروضة وما يصاحبه من قضايا ومشكلات قد يشكل أكبر عقبة أمام الطفل وأمام المعلم، لان تغيير البيئة والجو والمحضن ليس بالأمر السهل حتى على الكبار، وهذا التغيير يتطلب من الطفل والقائمين على تربيته وتعليمه جهدا كبيرا،

ومعرفة وخبرة واسعتين وسعة صدر ودافعية كي ننجح في مساعدة الطفل حتى يجتاز جسر العبور من البيت إلى المدرسة بأمان وسلام كي لا يشعر بالهوة الكبيرة التي تفصل حياته في البيت عن حياته الجديدة في المدرسة، وإذا نجحنا في الربط الجيد والسلس بين البيئتين فإننا نتوقع للطفل تكيفا سليما وشخصية سوية ونجاحا اجتماعيا وتعليميا، ولن يكون ذلك إلا إذا استطعنا أن نبني مساندتنا هذه على فهم جيد لطبيعة الطفل في هذه المرحلة ومعرفة خصائصها ومتطلباتها.

وتطرق قاسم إلى الخصائص الجسمية والاجتماعية والعقلية والنفسية للطفل في السنة السادسة من عمره أي عند بلوغ المدرسة، فخصائص الطفل الجسمية في هذا السن تكون فيها عضلاته الصغيرة كالأصابع والأطراف العلوية وعضلات العينين دقيقة ودون المستوى المطلوب للنمو، أما عضلاته الغليظة فهي بمستوى جيد من النمو،

مما يجعله بارعا في القفز والجري والتسلق، إلا انه يعجز عن التحكم بحركات أصابعه والتناسق بينها وبين عينيه، فهو يجد صعوبة في مسك القلم أو التعامل مع الأشياء الصغيرة، لذلك ينبغي بنا كتربويين ألا نرهق الطفل في بداية هذا السن بالكتابة أو إطالة النظر في الكتاب.

الطفل يفكر بحواسه

إما في ما يتعلق بخصائصه العقلية فقد بين خميس قاسم أن هذه المرحلة تشهد تفكير الطفل بحواسه أكثر من عقله، وهذا عائد إلى تطور قدراته الحسية بشكل يفوق قدراته العقلية لذلك يجب الاهتمام الشديد بالحواس عند الطفل والاهتمام بتعليمه، أولا من خلال مخاطبة حواسه فهو اسعد ما يكون إذا ما فسحنا له المجال لاستخدام حواسه في التعلم واكتساب الخبرة،

لذا فمن الأمور الواجب مراعاتها للطفل في هذا السن عدم إرهاقه بالكتابة الكثيرة، وتوفير الكتب ذات الحروف الكبيرة، وعدم إجباره على الكتابة بحروف صغيرة، والتقليل من لحظات المتابعة والتركيز ووضع الوسائل المكتوبة على أبعاد مناسبة، كما أن طفل السادسة يميل بشكل كبير إلى اللعب

ويشكل هذا الأمر جانبا مهما كبيرا من نموه، فالطفل ينمو ويكبر ويتعلم من خلال اللعب، فالأطفال في هذه المرحلة لديهم مخزون جيد من الطاقة والنشاط، ومن الخطأ أن نكبت هذه الطاقات، ولا يجوز إجبار الطفل على الجلوس أوقاتاً طويلة دون نشاط أو لعب أو حركة، لان الطفل يفتقد احد أهم مقومات نموه،

فالطفل غير قادر على أن يتحمل حبس وكبت طاقاته وأنشطته وان لم يستطع تفريغ هذه الطاقات فانه يقع فريسة لأنواع مختلفة من الاضطرابات النفسية الاجتماعية كالتوتر والقلق والعصبية وانتشار بعض العادات السلوكية غير السوية مثل قضم الأظافر، مضغ الأشياء أو تكسيرها أو العدوانية والتبول اللاإرادي.

وأوضح قاسم أن دور المربي هو تحويل طاقات الطفل المخزونة إلى نشاطات ايجابية فاعلة تبني ولا تهدم، ونمحو من أذهاننا فكرة أن الطفل الهادئ أفضل من الطفل الشقي خاصة في المراحل الأولى من حياته في المدرسة.

وتقول نفيسة إسماعيل موجهة قدرات خاصة في منطقة الفجيرة التعليمية ان الخلو من الأمراض النفسية والسلوكية ليس دليلا كافيا على الصحة النفسية السليمة للطفل، معتبرة الأسرة أهم عوامل التنشئة الاجتماعية فهي الممثل الأول للثقافة وأقوى الجماعات تأثيراً في سلوك الفرد،

وهي التي تسهم بالقدر الأكبر في الإشراف على النمو الاجتماعي للطفل وتكوين شخصيته وتوجيه سلوكه، والنمو النفسي السوي وغير السوي وفي تكوين شخصيته وظيفيا، وتؤثر في نموه الجسدي والعقلي والانفعالي والاجتماعي، فالأسرة السعيدة تعتبر بيئة نفسية صحية تمنح الطفل نفسية سليمة، والأسرة المضطربة تعتبر بيئة سيئة للنمو فهي مرتع خصب للانحرافات السلوكية والاضطرابات النفسية الاجتماعية.

النمو النفسي للطفل

أما في ما يتعلق بالصحة النفسية السليمة للطفل في المدرسة فتعتبر نفيسة إسماعيل المدرسة المؤسسة الرسمية التي تقوم بعملية التربية ونقل الثقافة المتطورة وتوفير الظروف المناسبة لنمو الطفل جسديا واجتماعيا، فهي توسع دائرة المعلومات والمعايير الاجتماعية والقيم والاتجاهات التي تعلمها بين أحضان أسرته،

وتقع عليها مسؤولية النمو النفسي والصحة النفسية للطفل، فعليها يقع عاتق تقديم الرعاية النفسية لكل طفل ومساعدته في حل مشكلاته والانتقال به من طفل يعتمد على غيره إلى راشد مستقل معتمداً على نفسه متوافقاً نفسياً، كذلك تعليمه كيف يحقق أهدافه بطريقة ملائمة تتفق مع المعايير الاجتماعية، ومراعاة قدراته في كل ما يتعلق بالتربية والتعليم، والاهتمام بالتوجيه والإرشاد النفسي والتربوي، والاهتمام بعملية التنشئة الاجتماعية بالتعاون مع المؤسسات الاجتماعية الأخرى وخاصة الأسرة.

وللمحافظة على صحة أطفالنا النفسية تقول نفيسة يمكن ان تتم عبر خطوات عدة أبرزها، ان نعرف الأطفال بنفوسهم قدر المستطاع على طريقة سقراط اعرف نفسك، ان نعودهم مواجهة المشكلة لا الهروب منها، وان نضع لهم أهدافاً يسعون لتحقيقها، والتركيز على الواقع اليومي المعاش، وحصر النشاطات في أعمال تطبيقية متعلقة بالبيئة.

ويقول خالد ديب محمود اغا موجه برامج ذوي القدرات الخاصة لا شك ان السياسة التربوية التي تتبعها المدرسة تؤدي دورا حاسما في تشكيل اتجاهات الأطفال، فتخطيط البرامج وطرق التعليم التي تجعل التعلم مغامرة حية مثيرة زاخرة بالمعنى إنما تدغدغ الفضول والاهتمام خلافا للتعليم الذي يتصف بالرقابة المشددة لانه يطمس لهفة الأطفال لمدرسة.

وأشار الاغا إلى أن المنهج التربوي الحديث يتوجه نحو التلميذ ويقوم على مساعدة الأطفال في تنمية ذواتهم اجتماعيا وانفعاليا وذهنياً وبدنياً وتستخدم المدارس الحديثة طبقا لذلك الكشف والتجريب والحوار لإثارة تخيلات الأطفال وفضولهم كما يحرص المعلمون والمعلمات على تربية الدافعية للتعلم عند الأطفال وجعل التعليم تجربة مثيرة ناجحة.

استراتيجية تربوية

ويضيف انه ينبغي التحول من مفهوم العملية التربوية إلى بناء استراتيجية تربوية بحيث تستوعب خبرات الماضي وخصائص الحاضر بتفاعلاته المتنوعة واحتمالات المستقبل على اعتبار أن التربية عمل مستمر يستوعب حياة الإنسان من المهد إلى اللحد،

ومن هذا المنطلق فان العمل التربوي يتجاوز نطاق المدرسة إلى المجتمع ومؤسساته في ارتباط عضوي تكاملي بحيث يجمع بين البيت والمدرسة والنادي ومكان العمل ومؤسسات المجتمع وهذا التفاعل هو السبيل في إيجاد الشخصية المتكاملة، وإكساب جيل الغد القدرات والكفاءات التي تمكنه من استيعاب تجارب الماضي والتعامل المباشر مع الحاضر والتفاعل مع مشكلاته والإعداد للمستقبل من خلال التعامل مع غير المألوف بالأفكار والأشياء.

وأشار الاغا إلى أن مسؤولية التربية اليوم تتمثل في إعداد الأجيال الناشئة لمجتمع سيختلف اختلافا جوهريا عن المجتمع المعاصر باتجاهات ومفاهيم وأفكار سيكون لها آثار بعيدة المدى، فلم تعد التربية مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة داخل سور المدرسة بل أصبحت تشمل العملية الثقافية الحضارية التي تتفق معها إمكانات الفرد وتنمو داخل المدرسة وخارجها.

وفيما يتعلق بدور المعلم في استقبال الأطفال في المدرسة لأول مرة يقول موجه برامج ذوي القدرات الخاصة : يتمتع المعلم بموقع فريد يمكنه من تقوية دافع التحصيل السليم ومشاعر الكفاءة لدى الطلاب وذلك بتشجيعهم وتعزيز جهودهم وإثارة اهتمامهم بالتعلم، أما عن دور الأسرة فأشار إلى أن عليها التخفيف من اتكالية الطفل عليهم لتحقيق النمو السوي لشخصيات أطفالهم وعليهم أن يبدوا اعتزازا لدخول أطفالهم إلى المدرسة،

وان يتقبلوا الاستقلالية المتصاعدة لأطفالهم وبعدهم المتزايد عن المنزل، وما يحتاجونه من قدر كاف من الاستقلالية يساعدهم على تكوين فرديتهم ومبادراتهم، موصياً أولياء الأمور بضرورة الإجابة عن أسئلة الأطفال مهما كانت محرجة، وفسح المجال أمامهم للتعبير الحر وألا ندفعهم للصمت وتجنب معارضة الأطفال ودفعهم إلى الخضوع من خلال فرض الآراء عليهم دون المناقشة والإقناع، والتعامل معهم وفق المرحلة العمرية التي تناسبهم لا وفق رؤيتنا الشخصية

وبالتالي نجعلهم من ممتلكاتنا الشخصية بلا كيان، ومن الضروري التعرف على ميول الأطفال والعمل على تطويرها ومنحهم الحرية، وعلى الآباء أن يكونوا قدوة لأطفالهم فهم ليس بحاجة إلى محاضرات عن الأخلاق والقيم بل هم أحوج ما يكونون إلى نموذج خلقي يقتدون به، ومن الضروري جعلهم يعيشون حياتهم فلا ضرورة لإجبارهم على العمل أو دفعهم للتوتر والقلق، كما يجب خروج الطفل من المنزل والتنزه واللعب، ومن الضروري إبعاد الأطفال عن الخلافات الأسرية، وتركيز النقد على سلوك الطفل وليس على شخصيته حتى تبقى كرامته مصونة.

سعادة الطفل في الأسرة

ويعتقد بكري عبدالله فالح اختصاصي نفسي أن سر سعادة الأطفال تعتمد على الأسرة فهي أهم المؤسسات الاجتماعية وأكثرها تأثيراً على شخصية الطفل فهي التي تستقبل الطفل منذ ولادته وتأثيرها عليه يستمر لفترات طويلة فهي التي تقدم العطف والحب والحنان والدفء والحماية للطفل وكذلك القدوة الحسنة ويتلقى الطفل أيضاً داخل الأسرة أصول الأدب والنظام والضبط عموما فان الأسرة تؤثر في مختلف جوانب شخصية الطفل ومراحل النمو الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي الأخلاقي والروحي.

ويضيف أن المديح أو القمع هما اللذان يحددان ثقة الطفل بنفسه إذ إن هنالك طرقاً أخرى مهمة يندمج فيها أطفالنا عن طريق الاختيار الايجابي أو السلبي للكلمات، ولذا فمن الضروري أن يتم ذلك بعبارات ايجابية فمثلا بدلا من أن تقول للطفل «لا تتنازع اليوم مع احد في المدرسة» من الأفضل أن تقول :

أتمنى أن تقضي وقتا ممتعا وجميلا مع الأطفال الذين تحبهم في المدرسة، كما يجب أن تكون تعليماته محددة فعبارة «تمسّك جيدا بالشجرة» اشد تأثيراً من «إياك أن تسقط عن الشجرة»، وهناك طرق يستجيب بها الآباء وتؤدي إلى ارتفاع الحواجز بين الآباء والأبناء

مثل أسلوب المناصرة كأن تقول لطفل «أنت تعبان دعني اكتب الواجب بدلا عنك» والأسلوب الآخر هو أسلوب المحاضرة مثل «حسنا استمع سأخبرك ماذا تفعل» كذلك أسلوب صرف الانتباه مثل أن تقول له «لا تهتم هيا بنا نأكل سندوتشاً» إنما الأسلوب الأفضل والأنجح الذي يعمل على هدم الحواجز بين الآباء والأبناء ويعمل على تعليم الأبناء كسب ثقتهم يتمثل في الإصغاء الفعال وهو أن يهتم الأب

ويظهر ذلك بتثبيت مشاعر الطفل وأفكاره وبمساعدته على إمعان النظر بالأمر، ففي هذا الأسلوب لا يلجأ الآباء إلى تقديم العلاج مثل سوف اتصل بالمدرسة ولا يصرف انتباه الطفل مثل «حسناً تعال خذ ساندوتشاً»، ففي هذا الأسلوب يجب مساعدة الطفل على أن يصل إلى الحل بنفسه عن طريق استخدام أسئلة موجهة من قبل الوالد تساعد الطفل في الوصول إلى طريقة حل المشكلة.

التربية النفسية في الإسلام

وقال عبدالحكيم السرطاوي موجه التربية الإسلامية إن أهداف التربية هي نفسها أهداف الصحة النفسية والتي تتلخص في إيجاد المواطن الصالح المؤمن والإنسان الحر صاحب الإرادة والعقيدة، وتشمل التربية بمعناها الواسع التربية الدينية، والنمو يشمل النمو الديني والأخلاقي والصحة النفسية بمعناها الواسع تشمل السعادة في الدارين الأولى والآخرة،

وقد اهتم الإسلام اهتماما بالغا بصحة الفرد النفسية وتحدث القرآن الكريم عن أحوال النفس الإنسانية، فأشار بوضوح إلى النفس الأمّارة بالسوء والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة التي تخاف ربها وتمتثل لأوامره وتجتنب نواهيه، واعتبر النفس المطمئنة هي النموذج الذي يسعى إليه الإنسان المسلم وهي الحالة التي لا يعرف فيها الفرد أمراض الشك والشبهة والشهوة.

ويضيف من واجبنا نحن التربويين الاهتمام بتنمية القيم الدينية والروحية والأخلاقية لدى أبنائنا الطلاب من اجل الشعور بالأمن والاستقرار النفسي لإحداث التوازن بين جانبي الحياة المادية والروحية تحقيقا للتوافق النفسي وتكامل الشخصية، وقد بين الإسلام أن من أسباب الاضطراب النفسي الضلال والبعد عن الدين وضعف القيم والمعايير الدينية والشعور بالذنب وتوقع العقاب والضعف الأخلاقي وضعف الضمير،

فمن أهم أسباب الاضطراب النفسي الصراع بين قوى الخير والشر والتي ينتج عنها الشعور بالذنب والشذوذ والانحراف العدواني وفي رأي الدين يعتبر الاضطراب النفسي استجابة غير سوية لضمير المريض بسبب ما تعرض له من إهمال أو نتيجة قيامه بسلوك فيه تحدٍّ لقوة الضمير مما يهدد الذات ويسبب حالة من عدم الاتزان النفسي وسوء التوافق الاجتماعي.

وللوقاية من أعراض الأمراض النفسية والحفاظ على أطفالنا وطلابنا أصحاء نفسياً يوصي عبدالحكيم السرطاوي بما يلي : الاهتمام بالتربية الدينية وبناء منظومة قيم تشكل الدعامة الأساسية للسلوك السوي، وتكوين اتجاهات سليمة نحو الجماعات والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية وتكوين المفاهيم الخاصة بالحياة اليومية وتعليم الأطفال المشاركة وتحمل المسؤولية

وتكوين مفاهيم لديهم عن الواقع الاجتماعي والإحساس بالثقة في الذات، وتوفير الحاجات النفسية الأربع للطفل الشعور بالأمن وحب الاستطلاع والانجاز والتفوق والاعتماد على النفس، وتوفير الحاجات الاجتماعية وهي انه يحب التقدير والاستحسان والصحبة والانتماء والتدين وجعل الدين إطاراً مرجعياً للسلوك وتوفير السلوك النموذجي والقدوة الحسنة.

فراس العويسي