بحماس وسرور بالغين انضم أحباؤنا الأطفال الصغار إلى بقية زملائهم في المدرسة لاسيما بعد أن قاموا بانتقاء الحقائب الجديدة واحتياجاتهم من القرطاسية بأنفسهم، وما أن يدق الجرس معلنا بدء الحصة الأولى والفروض الحسابية واللغوية وانقضاء ساعات اللعب والترفيه أيام (الكيجي)، حتى تتعالى أصوات صياح العديد من تلاميذ السنة الأولى في الفصول مطالبة بسرعة العودة إلى المنزل لإلقاء أنفسهم في أحضان الأمهات، متسببين بذلك عن غير قصد منهم في إرباك زملائهم وانشغال مدرسيهم في محاولات للترفيه والتهدئة بشتى الوسائل والسبل.

سنة حرجة بلا شك حاولنا التخفيف من وطأتها عبر استطلاع للرأي أجراه «الجيل» مع مجموعة من أولياء الأمور والطلبة وذوي الاختصاص في المجال التربوي.

الدكتورة فوزية بدري مديرة إدارة رياض الأطفال في وزارة التربية والتعليم أشارت إلى أن سنة أولى مدرسة تمثل بالنسبة للتلميذ المستجد مرحلة انتقال من رياض الأطفال، حيث اعتاد على استثمار ساعات وجوده في (الروضة) في تطوير مهاراته وقدراته بمساعدة وإشراف معلمات مختصات

وذلك عن طريق الأنشطة الحركية المختلفة والألعاب الذهنية المتنوعة ليفاجئ بانتقاله إلى الفصول الدراسية الأكثر جمودا يصبح فيها مطالبا بأداء فروضه للمواد العديدة بصورة يومية ويقضي معظم وقته في تلقي الكم الهائل من المعلومات والمعارف دون ان يكون له دور في المشاركة فيها مما يدفعه لعقد مقارنة ما بين المرحلتين مرجحا كفة السنتين اللتين قضاهما في رياض الأطفال على المدرسة التي تبدو في نظره صعبة ومعقدة،

غير أن ذلك لا يجب أن يوقف المسؤولين والمختصين عن محاولات إدماج التلاميذ الصغار في المجتمع المدرسي لاسيما خلال الأيام القليلة الأولى التي تشكل مرحلة الانتقال الحقيقي تعكسها معطيات المحيط من حوله وهنا لابد من إيضاح الدور المهم الذي تلعبه إدارة المدرسة في جعل الطالب أكثر تعلقا بالمدرسة والارتباط بها ابتداء بالقاعة الدراسية نفسها والكتب الخاصة بالمواد المختلفة وتعاقب الحصص والمعلمين وطول فترة اليوم الدراسي مقارنة بمرحلة رياض الأطفال،

مشيرة إلى أن الطفل يشعر في هذه المرحلة بقسوة انفصاله عن منزله وبقية أفراد أسرته وخصوصاً والدته، مما يجعل من عملية إدماجه في الأجواء الدراسية مهمة صعبة بعض الشيء في ظل غياب الوعي لدى البعض مع الأسف بأهمية مراعاة نفسية هذا الصغير ومتطلباته المتباينة، الأمر الذي يستلزم تواصلا فاعلا بين جميع المعنيين بشأنه سواء والديه او معلميه، بل ان الدائرة تتسع أكثر من ذلك لتشمل الاختصاصي الاجتماعي والنفسي الذي لا يغني الأول عن وجوده بأي شكل من الأشكال نظراً لأن وجوده ضرورة لا ترف،

بحيث يتفهم هذا المختص تماما أهمية مراعاة شعور الطفل في هذه الفترة الانتقالية من حياته ويوجهه بضرورة انضمامه مع بقية أقرانه إلى المدرسة التي تلعب دورا حيويا في صقل شخصيته وإعداده ليصبح فردا فاعلا في بناء مجتمعه والارتقاء به ويوضح له ذلك بأسلوب سلس يتناسب وعمره بحيث يخاطب وجدانه.

حالة طوارئ

وذكر عبدالكريم سعيد ولي أمر عدد من الطلبة أنه لا تزال تعلق في باله ذكرى أول يوم يتوجه فيه ابنه البكر إلى المدرسة في الصف الأول ابتدائي فقد كان بحق يوم لا ينسى، فقد أعلنت حالة من الطوارئ في المنزل تأهبا لردود أفعال الطفل الصغير الذي اعتاد اللعب مع أبناء الجيران ممن هم في مثل سنه والعراك معهم في الوقت ذاته، وكان طفلا شقيا بعض الشيء إضافة إلى أنه كثير اللعب والحركة،

وكانت الخشية من أن يلحق الأذى بأحد من زملائه في الفصل، وبناء على ذلك قام والده عبدالكريم بزيارة المدرسة في اليوم الأول للسنة الدراسية لاصطحاب ابنه شخصيا إلى هناك على أمل أن تتلاشى رهبته من المدرسة ويصبح أكثر اندماجا مع أجوائها حيث التقى مدير المدرسة والمدرسين والأخصائي الاجتماعي الذين أوضحوا أنه في بعض الأحيان قد يتطلب من الطفل أيام معدودات حتى يألف المكان والوجوه من حوله، وبعدها يصبح الذهاب إلى المدرسة صباح كل يوم أمراً معتادا.

ابتسمت فاطمة وهي تصف شعور والدتها في كل مرة ينضم فيها أحد أخوتها الصغار إلى المدرسة، حيث يسود الهرج والمرج في المنزل وتتعالى الصيحات مطالبة إياهم بالاستعداد للذهاب إلى المدرسة دون نسيان الكتب والملابس وبقية الأغراض المدرسية، إلا ان لليوم الأول في المدرسة طعم آخر،

وبالرغم من إنها لا تتذكر شخصيا أول يوم لها في الصف الأول ابتدائي فقد كانت هادئة بطبعها ومر اليوم بسلام، وأكدت أن وجود الصديقات أو القريبات مصادفة في المرحلة نفسها يخفف كثيرا من شعورها بالوحدة ووحشة المكان الجديد حتى لو كانت بعيدة عن أسرتها لأنها تلهو معهن وتشاركهن اليوم الدراسي حصة بحصة.

تغيير ملحوظ

وعلى الرغم من أن احمد علاء لم يصبح أبا بعد ولكنه يدرك تماما مرحلة انتقال التلميذ من رياض الأطفال إلى الصف الأول وما يترتب عليها من تغيير ملحوظ في شخصية الطفل نفسه بعيدا عن صعوبة اليوم الأول، لان أبناء شقيقته الذي يحبهم كثيرا مروا بهذه المرحلة التي يصعب نسيانها وكان الذهاب إلى المدرسة كحضور فيلم من أفلام الرعب، وذلك بسبب الانطباع السلبي المسبق السائد عن المدرسة ليس في الإمارات أو مصر فحسب بل على مستوى أغلب الدول العربية،

ولعل اليابان تضرب مثالاً يحتذى به في هذا الصدد، بحيث تجري إدارة المدرسة مقابلة شخصية للطفل قبل حضوره للمدرسة بهدف الدراسة بها مباشرة، يتم خلال المقابلة قياس ميول وقدرات الطفل الذهنية والجسمانية، بهدف توجيهه نحو التخصص والدراسة المناسبة له،

فيما تقع على كاهل البروفيسيرات وكبار الأساتذة هناك ممن يدرسون في اعرق الجامعات والكليات اليابانية مسؤولية إلقاء محاضرة أسبوعياً في صفوف المرحلة الابتدائية يتحدثون خلالها عن قيمة معينة كأهمية الوقت وإدارته والقيادة وكيفية التغلب على التحديات وغيرها من الموضوعات المهمة والقضايا المجدية نفعا.

وشاطره الرأي جورج سفريان، موضحاً ان الطفل في حاجة ماسة لأن يوليه من حوله من أهل ومدرسين العناية والاهتمام المطلوبين، لاسيما وأنه في السنة الأولى لا يزال صغيرا في السادسة من عمره أكثر ميلا للعب والحركة منها إلى الاستذكار، ويجب هنا تأجيل المباشرة في تلقين المسكين مقررات المنهج الدراسي مع لجوء بعض المعلمين إلى أسلوب الضرب غير الحضاري،مما ينفر الصغير بلا أدنى شك من المدرسة التي سيقترن ذكرها في ذهنه بكل ما هو سييء.

لولوة ثاني