عندما يفتح أبناء فلسطين دفاتر ذكرياتهم يعيش القارئ والسامع معهم هموم أمة بكاملها خاصة مع هؤلاء الذين عايشوا فترات التهجير ومعاناتها وعاصروا مراحل نهوض الأمة وفترات انتكاساتها بوعي وإدراك لحدود وأبعاد تلك الأحداث.. ومن هؤلاء إبراهيم سليم بركة ابن صفورية قضاء الناصرة الذي عاش معاناة التهجير إلى سهل البقاع واكتسب منها صلابة العود وإصرار العزيمة الذي حمله للقاهرة طالباً ليحصل على بكالوريوس التجارة
ويجعله مسوغ عمل لتدريس الحساب في رانية بالربع الخالي في السعودية لمساعدة العائلة ثم ينقل للكويت مدقق حسابات ويأتي الإمارات لنفس العمل ثم يؤسس مدرسة الشعلة ويديرها منذ عام 1983. بدأ بركة وهج ذكرياته بتنهيدة طويلة قائلاً سوف نعود طويلاً إلى الوراء ونتذكر العديد من المواقف والمعاناة، فأنا من مواليد 1946 في صفورية قضاء الناصرة في فلسطين قريبة من حطين الموقعة التاريخية الشهيرة وهجرنا 1948 إلى البقاع بعد معاناة طويلة
حيث تنقلنا عشرات الكيلومترات بين قرى فلسطين وصولاً إلى حدود لبنان ومكثنا 6 أشهر في العراء تحت الأشجار بانتظار عودتنا إلى فلسطين والتي لم تتم..! وواصل قائلاً: استقرت العائلة في إحدى بلدات سهل البقاع في لبنان وهي مرحلة الطفولة الجميلة لبساطة حياتها وطيبة الأهل والجيران ودون تعقيد في نمط الحياة، فأي شيء يكفي.
من الذكريات التي لا تنسى أننا كنا نشاهد صورة البكباشي جمال عبدالناصر بكابه العسكري على ضوء القمر «البدر» وذلك اعطانا أملاً وأذكر أنني رأيت طائرة بريطانية وقعت في أوائل 1956 وسقط الطيار في قريتنا وهجم عليه فلاحون بفؤوسهم وعصيانهم «وأنا في عمر 9 سنوات» وطلبوا منه أن يقول: يعيش جمال عبدالناصر، وكان يرفض بقوة فيضربونه.
كنت في مدرسة وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين الابتدائية، كان عدد الطلاب بالمئات بسبب إقبال الناس الذي كان شديداً على الرغم من الحالة التي كنا عليها.
انتقلنا «هجرنا» مرة ثانية إلى جنوب لبنان وعشنا في الخيام مرة ثانية وكانت المدرسة خيام كل صف واحدة من الأحجام الكبيرة التي كانت تسع لأكثر من 50 طالباً.
واذكر أن مدير المدرسة كان رجلاً قوياً تربوياً صار مثلي الأعلى الأستاذ يوسف سليم القط وأقول لكل تربوي إن مدارسنا في هذه الأيام في حاجة إلى مثل هذا الرجل الذي كان يتجشم كل العناء لتثبيت أركان الخيام أثناء فصل الشتاء ومازال على قيد الحياة يعيش في لبنان وعندما أذهب إليه أجلس بين يديه تلميذاً أمام معلم كبير مثلما كان يحدث في الخمسينات من القرن.
درست المرحلة الثانوية في مدينتي صور وصيدا اللبنانيتين ثم للجامعة عام 1964 في كلية التجارة جامعة القاهرة وذلك كان حلماً لكل شاب عربي لأن القاهرة في ذلك الوقت كانت مركز إشعاع ثقافي وسياسي لكل عربي وكانت هذه المرحلة بداية لتكويننا العلمي والثقافي بفضل توجهات مصر وعبدالناصر كمرحلة لا يقلل من قيمتها أي شيء تعلمنا منها النخوة والكرامة، مرحلة أحلى فترات حياتنا حيث تجولنا في مصر من شرقها إلى غربها زرنا الفيوم والإسكندرية والقناطر.
تعلمنا في ظروف صعبة جعلتنا نحرص على أن يتعلم إخواننا وأبناؤنا بنفس الكيفية حتى تتبدل ظروف الأسرة للأفضل كل ذلك بعد تخرجي عام 1968.
فرحة لم تتم
رجعت لبنان بفكرة أن الأبواب سوف تفتتح ويبسط السجاد الأحمر لخريج الجامعة ولكن صدمنا كثيراً كفلسطينيين حيث شعرنا أننا لا حقوق لنا كما هو معلن في ذلك الوقت على الساحة العربية، إذ لا مجال للتوظيف أو العمل.
أذكر أنني جلست ثلاثة أشهر أبحث عن عمل دون جدوى في وقت ينتظر فيه الأهل عمل ابنهم الخريج الذي عانى الأمرين حتى يحصل على المؤهل الذي يتيح له فرصة العمل ولذلك فنحن في هذا الوقت كشباب لم نشعر بفرحة التخرج بسبب معاناة الواقع الذي كنا نعيشه وبعد اليأس من وجود عمل في لبنان في مجال تخصصي «المحاسبة» تعاقدت كمدرس رياضيات في السعودية.
مدرس حساب
جزء من معاناة إبراهيم بركة في بداية حياته الوظيفية كان في منطقة الربع الخالي في بلد اسمها رانية تبعد 360 كيلو متراً عن أقرب مدينة ـ وأقول أحببت العمل مدرساً بسبب إعجابي الشديد بمدير مدرستي السابق «يوسف القط» فضلاً عن أن أخي الأكبر كان مدرساً منذ عام 1951.
فترة السعودية تعلمنا فيها الكثير من الصبر على نمط الحياة لشاب انتقل من القاهرة إلى الربع الخالي مباشرة في تلك الفترة وكيف تتعامل مع طلاب أهالي ذلك الوقت وثقافتهم وعاداتهم المختلفة.
وتعلمت كيف تبذل في بيئة متعطشة للعطاء، حيث رأينا حاجة القرية إلى ناد ثقافي اجتماعي رياضي فأسسنا «نادي رانية الثقافي الرياضي الاجتماعي» وأحضرنا طاولة تنس من جدة وعملنا مكتبة بتبرعات مدرسين والأهالي ونفذنا أنشطة اجتماعية ومسرحية وفريق كرة قدم بعد إنشاء ملعب
وذلك ما أعتز به أن قمنا كمعلمين بدور حياتي لا ينفصل عن عملنا داخل الفصول الدراسية وبقيت في الربع الخالي من 1968 حتى 1971 واحتفظت بصداقات في هذه القرية مازالت تتواصل معي حتى الآن منهم حسين خليفة صاحب أحد مصانع الذهب في الرياض إذ مازلنا نتزاور حتى الآن.
مدقق حسابات
انتقلت إلى الكويت 1971 وعملت في مجال تخصصي وهو تدقيق الحسابات في أكثر من مكتب من المكاتب العالمية وتبقى هذه المرحلة جزءاً من حياتي الاجتماعي، والعملية لكنها لم تترك الأثر نفسه الذي تركته القاهرة والسعودية على شخصية إبراهيم بركة حيث أن ثلاث سنوات في السعودية على الرغم من قساوة الحياة ومعاناة المعيشة بنت الشخصية الاجتماعية الرياضية من طول الاحتكاك والبقاء في رانية لكن فترة الكويت كانت وظيفة لا أكثر ليس للفلسطينيين فقط
ولكن لكل الجنسيات وتركت الكويت عام 1978 بإرادتي إلى الإمارات «في الشارقة» التي كانت تعيش بدايات الاتحاد والنهوض بمساحاتها الخضراء وشعبها المضياف وحياتها الهادئة وبساطة أبنائها، عملت مديراً لمكتب تدقيق حسابات وبعد افتتحت مكتباً خاصاً لي لهذا العمل يقوم به في كل أنحاء الإمارات وحققت دخلاً طيباً بسبب عدم المنافسة الشرسة وأقمت بيتاً في عجمان وحضر إليه العائلة بدءاً من الوالد والوالدة والإخوة والأخوات وبفضل الله استقرت أمورنا.
بدايات الشعلة
فكرة تأسيس مدرسة خاصة جاءت من كون أخواتي وزوجتي مدرسين وكانت لدي الرغبة وبعض الخبرة فأسسنا الشعلة 1983 في فيلا في شارع الكويت في الشارقة و167 طالباً في سبعة فصول دراسية وكانت أيضاً «بيت العرب» حيث ضمت الجنسيات العربية كلها عن قصد، حيث لم نفكر في مدرسة أجنبية ولكن عربية لأن تشكيل وعي وهوية النشء أهم من أي منهج دراسي وكانت البداية جميلة والكل يقبل على العمل بحماس وتعامل أولياء الأمور معنا بتواصل جيد وتعاون مستمر.
ويقر إبراهيم بركة أنه ذهب إلى التعليم الخاص لا لتحقيق مكاسب مادية، موضحاً أن التعليم الخاص ليس تجارة كما يعتقد البعض ومشيراً إلى أن كلمة تجارة لا يجب أن تربط بالتعليم إطلاقاً لأن توجهات التعليم الخاص والحكومي لا علاقة لها بالمنطق التجاري بل علاقتها بالعملية التربوية ذاتها بالدرجة الأولى.
ويوضح أنه في العام الخامس من بدايات الشعلة كانت قد تراكمت خسائر تعادل ثلث رأسمال المدرسة «390 ألف درهم من مليون» لدرجة أن اثنين من الشركاء انسحبوا وبقي بركة بمفرده في العمل.
ويفتخر بعطاء الشعلة الذي تطور بالخبرة ومع تطور الحياة نفسها وتطور أساليب العمل التربوي حيث تغيرت أساليبنا من عام 1983 حتى الآن.
الرسوم الدراسية
تطور الرسوم الدراسية وزيادتها بنسبة من 30 ـ 50% من عام البداية 1983 حتى الآن 2005 حيث الطالب في ثالث ابتدائي مع البداية كان 2400 درهم والآن الرسوم المحصلة منه 3750 درهماً وبحسبة بسيطة نجد أن النسبة لا تتعدى 50%.
وأقول كتربوي أن من يحصلون 57 ألف درهم كرسوم مدرسية لا يوجد لهم أي مبرر لتلك المغالاة مهما بلغ مستواهم التعليمي وما يقدمونه من خدمات تربوية ولذلك فقد طالبنا في أكثر من مرة ومناسبة وأمام جميع المسؤولين في التربية بدءاً من معالي الوزير مروراً بجميع مسؤولي التربية بضرورة وضع ضوابط وأسس لتنظيم قطاع التعليم الخاص في الدولة بخلاف اللائحة التي تعنى فقط بالنواحي الإجرائية.
والمطلوب تحديد آليات عمل لترجمة مبدأ الشراكة بين التعليم الخاص والوزارة الذي نادى به بعض التربويين وأقر من قبل التربية وإذا ترجم ذلك إلى آليات محددة يمكن عندها وضع كثير من الأسس والمعايير التي تعنى بتعديل أوضاع التعليم الخاص بما يحقق مصلحة جميع الأطراف وفي مقدمتها الطالب ولذلك فيجب تشكيل مجلس مديرين على مستوى الدولة.
واقرر هنا «يواصل بركة حديثه» إن مشروع الشراكة مع التربية لم يتم والمقترحات لم تجد طريقها إلى النور.
رأس المجتمع
وتوقف بركة ليقول: إن التربية هي رأس المجتمع ويجب أن يكون لها مكانها في استراتيجية أية دولة وضرب مثالاً باليابان التي لا تترك التربية لأي موظف حتى وإن كان مسؤولاً على أي مستوى، ويضيف أن التربية شأن خطير يجب أن تشارك فيها كل الجهات في أي مجتمع لأنها ترتبط بمستقبل الأمم كلها حيث أننا لا نعلم أبناءنا للحصول على شهادات أكاديمية فقط ومن يملك رؤية واضحة يمكن أن يوظفها ضمن مشروع وطني وقومي.
تطوير العمل التربوي
وبخصوص تواصل مراحل التطور في الأداء التربوي «الخاص والحكومي» أوضح بركة أن مرحلة الثمانينات حفلت ببشائر أن الإمارات لديها توجهات تعليمية تربوية وعناصر مناسبة لعملية التطوير وكوادر لا تنسى مثل د. سعيد سلمان، راشد المزروعي، حميد الزري، راشد طه،
أسماء لها نظرة ورؤية في العمل التربوي تمتلك خط سير واضحاً ولكن مع كثرة القرارات والاجتهادات والتبديلات أضاعت الكثير من الجهد وبددت الرؤية، أما الآن فهناك الكثير من التنظير الذي لا يجد طريقه إلى التنفيذ وهناك الكثير من المنظرين الذين لم يتواكبوا مع الميدان ليتعرفوا على متطلبات العملية التربوية.
ويتساءل بركة عن متابعة المسؤولين للميدان نافياً أن يكون مسؤول قد زار الشعلة على مدى أكثر من 23 سنة وهي من أكبر مدارس الشارقة بل والإمارات.
الإدارة التربوية
ويفرق مؤسس ومدير عام الشعلة بين الإدارة التربوية في الثمانينات والآن بقوله: الخيط الرفيع المتين الذي يربط بين عام النشأة 1983 وعام 2005/2006 الدراسي هو ثقة الناس في المدرسة وإدارتها التي حافظت على حمل أمانة التربية والالتزام التراكمي مقرراً أن أداء الشعلة في الثمانينات لم يكن أقل من أدائها الحالي لكن أساليبنا تتغير بما يواكب تطور الأساليب التربوية وأخذها بالحديث
وهو ما ساعدنا على تحقيق قفزات ونجاحات لا ننساها ومن حصول المدرسة على مئات الجوائز وشهادات التقدير وفي مقدمتها تلك الثقة الغالية التي منحنا إياها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة عندما تفضل بتسليمنا جائزة الشارقة للتميز التربوي فئة المدرسة المتميزة واتبع سموه ذلك بإشادة لوسائل الإعلام بالمدرسة واعتبارها قدوة للكثير من المدارس.
قيم حياة
يحرص إبراهيم بركة على العديد، بل على كل القيم التي زرعتها العائلة في نفسه وزرعتها في وجدانه والتي نشأ عليها وأولها الصدق والأمانة يربي أولاده عليها وأولهم دكتورة حنان وأختها ليلى مهندسة معمارية والتوائم ندى ومها في كلية الصيدلة وكمال وصالح ما زالا طالبين.
ويطالب كل أب وأم بالحفاظ على قيمنا التي يجب أن يربي أبناءهم عليها وفي أولها الصدق والأمانة خاصة وأن الأمة العربية والإسلامية تواجه قضايا حياة أو موت وهي تتعرض لخطر يهدد كيانها في الأساس بكل مكوناته الحضارية والدينية والسياسية.
أي دور في الحياة يجب أن يكون في مواجهة هذا التحدي بأن يفهم كل عامل وموظف دوره في الحياة ويحرص على قيم العائلة العربية والإسلامية.
النموذجي والخاص
ونعود مع بركة إلى مجاله الخصب التربية متسائلين عن علاقة النمذجة بالتعليم الخاص ليقرر أن الفرق بين المعلن من أنظمة التربية الحديثة لا يتعلق بالمسمى أو اليافطة فوق حائط المدرسة وهل هي حكومية أو خاصة أو نموذجية، بل يتعلق بالأسس الفعلية للعمل التربوي وأولها الالتزام بالرسالة والرؤية الواضحة والتمسك بمنظومة القيم التربوية في كل تصرفات وأعمال المدرسة بدءاً من الدوام والنظام والواجبات والأنشطة
ويضيف أن التعليم قد يكون في حاجة إلى مجالس وهيئات ودوائر إذا قامت هذه الجهات بدورها الفعلي ولم تكن مجرد يافطات لامعة فقط وهنا لا أنسى أن الشارقة أول إمارة أقامت مجلس مديرين للتعليم الخاص وحقق الكثير مما أعتز به ومن ذلك ربط المدارس الخاصة مع بعضها البعض والنخبة المهنية للمعلمين من خلال الدورات التدريبية
وصهر طلبة التعليم الخاص مع بعضهم من خلال الأنشطة المختلفة ونأمل منه الكثير إذا كان سيستمر وأنا أعتبر هذا المجلس نقطة مضيئة في حياتي العملية بحاجة للاستنساخ خاصة في ظل ما حصل عليه من دعم من الإدارات المتعاقبة في تعليمية الشارقة.
فتحي عبدالكريم