بلادنا زاخرة بكنوز الجمال والعطاء، وأغلى كنوزها إبداعات أبنائها ومواهبهم، ومبدعونا من أبنائنا الطلبة هم النخبة المتميزة في مجالات الحياة المختلفة من أدبية وفكرية وعلمية وغيرها وهم اللبنة القوية التي يرتكز عليها صرح المجتمع المنشود.

الحمد لله القائل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: (ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع) ورضي الله عن الصحابة الذين تعلموا وعملوا بما علموا ففتحوا البلاد وسادوا العباد وبعد:

فقد انقضى عام دراسي بما فيه من ذكريات أليمة وسعيدة، كتبت فيه حسنات من أحسن وسيئات من أساء، فاز فيه من جد واجتهد وخاب وخسر من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وها هو العام الدراسي الجديد مطرقاً الأبواب لمسيرة جديدة حافلة بالعلم والمعرفة، والعاقل من يقف مع نفسه لينظر إلى ما سلف،

فما كان من خير استمر عليه، وما كان من سوء غيّر إلى الأحسن وعدل وبدل، فكثيراً ما نرى أرباب الأعمال يعملون حسابات سنوية لتجارتهم ناظرين إلى عوامل القوة والضعف لتحسين عملهم التجاري، وذلك بالتغلب على نقاط الضعف والبحث عن طرق جديدة لتنمية أموالهم وتحسين تجارتهم وفق القواعد التجارية السليمة للحصول على أكبر قدر ممكن من الربح، فحري بنا ان نقف مع أنفسنا لنقارن بين عامين دراسيين،

وأريد ان اقف في هذه المقالة الصغيرة مع أركان العملية التربوية: ولي الأمر، الاستاذ، الطالب، ومما لا شك فيه إذا لم تتوافر جهود الثلاثة لا يمكن للعملية التربوية ان تنجح، وأبدأ من البيت، فأنت أخي ولي الأمر أباً وأماً ما الذي قدمتموه لأولادكم قبل ان يتوجهوا إلى مقاعد الدراسة، ما الثوابت التي غرستموها في نفوس أبنائكم؟ ما القيم التي حرصتهم على بناء شخصية أبنائكم عليها، فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمعات صلاحها صلاح الأمة بكاملها،

فكثيراً ما ترهق الرجل أعباء الحياة المادية ناسياً فلذة كبده حتى ينفرط العقد ويضيع الأبناء ولات ساعة مندم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً ان يضيع من يعدل) يعني ان الاهتمام بتربية الأبناء جسدياً وإهمال الجانب الفكري والعقدي جريمة يستحق المسلم دخول النار بسببها، وقد يتساءل البعض لم رتب هذا الإثم على ترك تربية الأبناء،

والإجابة عن هذا التساؤل هي: ان إهمال الوالد تربية أبنائه ليس تفريطاً في حق شخص واحد بل هو تفريط بحق الأمة بكاملها، لأن هذا العنصر الفاسد سيدخل بين أفراد المجتمع وينشر الرذيلة فيما بينهم، وأنت أيتها الأم يا من قال فيك الشاعر:

الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق

حري بك ان تكوني المدرسة الأولى في بناء أولادك من أجل إرسالهم إلى المدرسة الأخرى التي ستتولى تعليمهم بناءً على ما بذلتيه من جهد في تربيتهم، فإذا كان الأساس سليماً كان البناء سليماً، وإلا فالمعالجة وخيمة، كم تقلقين إذا ما مرضوا، وكم تبحثين عن أفضل الأطباء لمعالجتهم، فعليك أن تعلمي أن إهمالا لأولاد دون تربية من أخطر الأمراض الفتاكة بالمجتمعات،

والمسلم الحق يعتبر التربية للأولاد من الكنوز التي يدخرها لما بعد الموت، لأن التربية تنتج ولداً صالحاً يواصل عطاء والديه بعد وفاتهما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث... وعدّ منهم... أو ولد صالح يدعو له).

أما الأستاذ الكريم المربي، فوظيفته وظيفة الأنبياء والمصلحين، يجب أن يكون القدوة الحسنة لمن اؤتمن على تعليمهم، لأن الطالب كثيراً ما يحب أن يقلّد أستاذه، ولقد فقدت الأمة اليوم القدوة الحسنة في ميادين التربية، مما جعل الفشل يدب في كثير من شؤون حياتها، ولا بد من مزج التربية بالتعليم، فالقرآن الكريم تحدث عن وظيفة الأنبياء في سورة آل عمران الآية 164،

إذ قال تعالى: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) وفي سورة الجمعة الآية الثانية قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) فقد قدم القرآن الكريم في هاتين الآيتين التزكية والتي تعني التربية على التعليم، فإذا ما غرس الأستاذ القيم والأخلاق بسلوكه بين الطلاب يكون هناك نفع للمعلومات التي يقدمها.

وقد يطرح سؤال: كم من الدول تقدمت علمياً وليست لديها قيم وثوابت.. أقول نعم ولكن عند أول وهلة يرى الإنسان ما فعلت تلك العلوم التي لم تنضبط بقيم وثوابت، فقد كانت دماراً ووبالاً على البشرية.

لو كان للعلم دون التقى شرف لكان أفضل خلق الله إبليس

نحن نتحدث عن مجتمعات لها قيمها وحضارتها، فقيمنا لا تنفصل عن علومنا في كافة مراحل حياتنا ففي عز المعارك يوصي الإسلام ألا تقتل امرأة ولا طفل ولا شيخ كبير، أضف إلى ذلك إذا كان الأستاذ من دون قيم فلربما يفسد أكثر مما يصلح خاصة حينما تكون لديه بعض الاعتقادات الفاسدة أو الأفكار الهدامة التي تتناقض مع ثوابت الأمة ومرتكزاتها.

أما الطالب فهو أساس العملية التربوية إذ تبذل الأمة كثيراً من مواردها من أجل تهيئة المدرسة التي تتوافر فيها كل وسائل الراحة والتقنيات الحديثة التي تعين على إيصال المعلومة بسهولة ويسر، عليه عبء ثقيل يحتاج إلى جد ومثابرة وعمل دؤوب وتحمل للمصاعب يقول الشاعر.

لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر

فبناؤه العلمي هو الثمرة التي تسعى المدرسة والأسرة لتحقيقها، فالأمة بحاجة إلى الطبيب الحاذق والمهندس الماهر والسياسي المحنك والمدرس الذي يبني الأجيال، فلا يتصور الطالب بأنه يعيش لنفسه بل إنه حلقة في سلسلة إذا فقدت إحدى حلقاتها انفرط العقد.

أتحسب نفسك جرماً صغيراً وفيك انطوى العالم الأكبر

فالتسكع واصدقاء السوء يريدون لك أن تكون مثلهم فعليك أيها الطالب أن تنظر إلى من تبوأوا مقاعد عليا بسبب تفوقهم العلمي.

فالعلم يرفع بيوتا لاعماد لها والجهل يقعد بالفتى المنسوب

د. اسماعيل كاظم العيساوي