دخلت ثلاثة أطراف سياسية قوية حلبة الصراع على المجالس المحلية لمنطقة القبائل الجزائرية وتنشيط الانتخابات الجزئية المقررة آخر الخريف. وتتقدم المتنافسين من حيث الأهمية جبهة القوى الاشتراكية للزعيم التاريخي حسين آيت أحمد وهي أكثر القوى السياسية تجذراً في تلك المنطقة وتدعمها عشرات من التنظيمات الشعبية منها «الحركة الثقافية البربرية» التي قادت احتجاجات القبائل وكفاحهم من أجل تثبيت هويتهم منذ تأسيسها عام 1980 وجناح مهم من حركة العروش.
والقوة التقليدية الثانية في المنطقة هي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المدعوم بدوره من تنظيمات وشبكات وخلايا في المدن والقرى. أما الطرف القوي الثالث فيتمثل في أتباع رئيس الحكومة أحمد أويحيى بعدما تمكن من خلق قاعدة هامة بالمنطقة على إثر توقيعه اتفاقا يقضي بالاستجابة لجميع مطالب السكان وإطلاق برنامج خاص للتنمية بولايات القبائل لتدارك التأخر الذي سببته أحداث العنف في السنوات الأخيرة.
ويحتمل بذلك أن يحقق المرشحون الموالون للحكومة قفزة تاريخية ونتائج غير مسبوقة تكسر الأعراف حيث كان «القبائل» على الدوام يقاطعون الانتخابات وإن شاركوا يصوتون للمعارضة وهذه المرة الأولى في تاريخ الانتخابات منذ إعلان التعددية التي يدخل فيها مرشحو السلطة بحظوظ الفوز. وعلى العكس مما كان تقليدا، تدل كل المؤشرات على أن الانتخابات الجزئية في منطقة القبائل الجزائرية المقررة آخر الخريف ستسجل رقماً قياسياً من حيث نسبة المشاركة.
فللمرة الأولى في التاريخ تخلو الساحة تماماً من دعوات المقاطعة والانطواء والاستهانة بمنظمي العملية الانتخابية والاستخفاف بنتائجها، فلقد قاطع «القبائل» دائما الانتخابات التي كانت تنظمها الإدارة الاستعمارية منذ الأربعينات من القرن الماضي على اعتبار أنها تكرس سياسة الاحتلال الفرنسي وتقويها وتكون لها أدرعا من الجزائريين المشاركين في المؤسسات المنتخبة من برلمان ومجالس محلية.
وبعد الاستقلال، دخلت تلك المنطقة في مواجهة مسلحة ضد السلطة المركزية فيما يسمى «حرب الولايات» عام 1963. وكان حسين آيت أحمد وهو من رموز المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال وسبق له أن ترأس التنظيم المسلح الذي أعد للثورة، يقود الانتفاضة ضد حكم الرئيس أحمد بن بللا، حتى القبض عليه بعد إخماد حركته وحكم عليه بالإعدام لكنه تمكن من الفرار.
وظل آيت أحمد يعيش في وجدان الناس في شكل حركة دائمة ومواقف شبه عفوية لا تتوقف عن المعارضة، فهو النائب الوحيد في «الجمعية التأسيسية» (البرلمان الانتقالي) التي تأسست بعد الاستقلال لصياغة الدستور وإعداد قوانين الجمهورية الذي صوت ضد قانون يخضع الجزائر لنظام الحزب الواحد كما كان معمولاً به في الدول الاشتراكية، وهو الوحيد الذي طالب بأن تكون المنح التي تقدم لأسر الشهداء أكثر من أجور الموظفين في الدولة.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي