إن الله تعالى خلق البشر من أبوين اثنين هما آدم وحواء، ولذلك فإن الناس مهما تباعدت أوطانهم، واختلفت ألسنتهم، وتنوعت أجناسهم فإن رحم النسب تربط بينهم، لأنهم نتاج أبوين اثنين فقط، لذلك فإن الأخوة في الإنسانية تربطهم جميعا.

وهذا يحث على التراحم والترابط بين هذه الشعوب. قال تعالى: «إنما المؤمنون أخوة» ومن الملحوظ في بيان هذه الجملة أنها جاءت خبرية ولم تأت بصيغة الطلب وذلك للحث على أن هذه الأخوة كائنة فعلاً ومستقرة، بحيث لا يكون بدونها إيمان المؤمنين، لأنهم حين آمنوا بربهم، توحدت وجهتهم.

وتآلفت قلوبهم، واكتملت أهدافهم، ومحال أن تتنافر قلوب اجتمعت على طاعة الله، والإيمان به، لأن لهذا الإيمان جاذبية خاصة تحث أصحابها إلى التعاضد والتآزر والتعاطف والتقارب، ولعل هذا المعنى هو المقصود بقوله تعالى: «وأَلَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم، ولكنَّ الله ألَّف بينهم إنه عزيز حكيم» الأنفال 63.

إن الإيمان بالله تعالى يصنع المعجزات، فهو الذي خَرّج للبشرية ذلكم الأنموذج الفذّ الذي ضرب أروع المثل في الأخوة والتفاني والتضحية والحب والإخلاص.

هذا جيل الصحابة الكرام الذي رَبَّاه الرسول «صلى الله عليه وسلم» على العقيدة الصحيحة، والإيمان الخالص. ولقد كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من العظمة وعلو الشأن ما استحقت أن ينزل في شأن أصحابها قرآناً يُتلى إلى يوم الدين قال تعالى:

«والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون». الحشر 3.

*أسرار الإخاء الإسلامي

لعل من أسرار الإخاء الإسلامي وتميزه وتفرده أن الله تعالى تولاه بنفسه ـ سبحانه ـ ولم يربطه بمصالح دنيوية زائلة، ولا منافع عارضة، ولم يرده إلى أزمنة محددة، وأماكن معينة، بل أطلقه ليتجاوز حدود الزمان والمكان، وهذا ما يبرز صفة الخلود والتواصل في هذا الإخاء الفريد. فإن إحساس المسلم بالأخوة لا يقتصر على أبناء جيله فحسب.

وإنما يتجاوزه إلى الجيل الأول من الصحابة الكرام فيحس برابطة سامية تجمعه بهم، وتشده إليهم، بل إن إحساسه ليقفز به إلى آفاق المستقبل،ليسطر علاقته بالأجيال القادمة، فيحاول لذلك أن يصنع من نفسه أنموذجاً صالحاً ليحتذي به من يأتي من بعده، ليكون الخلف على هدي السلف.

وهكذا يصبح تاريخ الأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سلسلة نورانية متصلة الحلقات، توثق عراها أخوة هي من صنع الله، وحب من الله، لذلك أوجب الإسلام على أتباعه أن يراقبوا هذه الأخوة، وأن يزيلوا من طريقها العوائق، التي تبطئ مسيرتها.

وتمنع تقدمها، وتعكر صفوها وودها، فإذا ما حدثت بوادر تهدد هذه الأخوة من خلاف بين أفراده، أن نزاع على أمر من أمور الحياة، كان لزاماً على المجتمع أن يهب ليصلح ما طرأ على العلاقات الأخوية من فساد. قال تعالى: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون» الحجرات: 10.

*حقوق الأخوة

لقد راعى الإسلام هذه الأخوة أيما مراعاة، ووضع لها من الضوابط والإجراءات ما يحفظ على المسلمين أخوتهم، ويضمن لهم بقاء المودة والمحبة بينهم وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من رذائل ونواقص شتى تنخر في جسد هذه العلاقة السامية ألا وهي علاقة الأخوة، فقال في حديثه الجامع:

«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً.. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: ماله ودمه وعرضه.. ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً.. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» رواه مسلم.

إن الإنسان ليتألم من واقع المسلمين اليوم، واني لأتساءل: أين نحن اليوم من هذه التعاليم النبيلة؟!

إننا نرى اليوم آلاف المسلمين بل مئات الآلاف منهم يموتون جوعاً وخوفاً وكمداً تحت وطأة الاضطهاد والذل والمهانة ونحن لا نحرّك ساكناً، ولا نبادر إلى دفع الأذى والظلم عنهم ونصرتهم. قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقفنَّ أحدكم موقفاً يُضْرَب فيه رجل ظُلْماً، فإن اللعنة تنزل على مَن حضره حين لم يدفعوا عنه» رواه الطبراني.

وقال عليه الصلاة والسلام: «من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبَّت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام» رواه الأصفهاني.

ومن حقوق الأخوة أن يبادر المسلم إذا كان صاحب منصب أو سيادة أو مكانة أو جاه أو سلطان إلى تيسير مصالح المسلمين، وقضاء حوائجهم. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله عند أقوام نِعَماً أقرَّها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم، فإذا ملّوهم نقلها إلى غيرهم» رواه الطبراني.

ومن حقوق الأخوة الإسلامية أيضاً أن يكون المسلم لأخيه المسلم مصدر أمن واطمئنان، لا بؤرة قلق أو فزع.قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لمسلم أن يُرَوِّع مسلماً» رواه أبو داود

وقال أيضاً: «مَن نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة» رواه الطبراني.

هذه بعض القيم الإسلامية التي قامت عليها الأخوة في الإسلام، تلك القيم التي جعلت المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهي التي جعلت المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا.

وهي التي قادت أمة الإسلام إلى النصر المبين على الباطل وأهل الشر في كثير من معاركها.

ويوم يعود المسلمون لمعاني الأخوة الحقيقية ستعود إليهم عزتهم وكرامتهم وانتصاراتهم ألا فَلْنُصْلِح البنيان الذي تَهَدّم أولاً،ولنتصالح مع أنفسنا وإخواننا، ليعود لتلك الأخوة بريقها الناصع، وأثرها الساطع، وصلى الله عليه وسلم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

د. عادل أحمد الرويني

arewany@hotmailcom