نحن نعيش في عالم يسعى لإزالة الحواجز السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة بين شعوبه التي تتقارب وتتواصل، ويتخذ قادتها سياسة «الاعتماد المتبادل» منهجاً ثابتاً في العلاقات الدولية لتعظيم الجوانب المشتركة وتحقيقاً للمصالح ودرءاً للمخاطر والسلبيات.
وإذا كان القادة السياسيون معنيين بالتقارب لمصلحة شعوبهم، وأهل الفكر والثقافة يسعون للتواصل الثقافي إثراء للثقافة فإن الأولى والأجدر بممثلي وحكماء الأديان السماوية الكبرى أن يكونوا الأكثر حرصاً على الحوار والتقارب، وتعزيزاً للمشترك الديني والأخلاقي بين الأديان الثلاثة، ممثلاً في الإيمان بالخالق، والعمل الصالح، والحساب والجزاء، والقيم المشتركة، وحقوق الإنسان وكرامته، والمبادئ العليا: المساواة، العدالة، الحرية والمسؤولية الأخلاقية.
إن ممثلي الأديان الكبرى مطالبون بغرس قيم التسامح واحترام الآخر في نفوس وضمائر أتباعهم، بما يحقق إمكانية التعايش على أساس حسن الجوار والتآخي الإنساني والتعاون في نشر الفضائل والقيم الرفيعة، ونبذ ثقافة الكراهية والتعصب والعنف والعداوة.
إننا نعيش اليوم في عصر تواجه فيه البشرية جمعاء، تحديات عديدة غير مسبوقة، وهي تتطلب من أصحاب الأديان الكبرى جهداً مشتركاً لمواجهتها ووضع الحلول الكفيلة بالتغلب عليها لنجعل من عالمنا عالماً أفضل وأسعد.
بطبيعة الحال، نحن لا ننكر أن هناك نزاعات ملتهبة في بقاع كثيرة من عالمنا وهناك طغيان القوي على الضعيف، وهناك أوضاع مأسوية تعيش فيها شعوب عديدة، وهناك عمليات إجرامية تحصد أرواح أبرياء كل يوم، وهناك استغلال واتجار في البشر وسوء معاملة.
وأعتقد أن كل ذلك يتطلب أن نلتقي لنتحاور حواراً بناءً نُذكّر فيه أنفسنا بواجبنا الأخلاقي الملقاة على عاتقنا ـ على عاتق حكماء الأديان الكبرى ـ تجاه تلك الأوضاع السلبية والخطيرة، وأتصور أن ذلك الواجب يتحقق بالجهد المشترك نحو إيقاظ الضمير الإنساني وتفعيله. مثل هذا المؤتمر مناسبة جيدة، لبث رسالتنا الأخلاقية للعالم حتى يستيقظ ضميره الأخلاقي.
إن علينا واجباً أخلاقياً آخر في الوقوف ضد عدو مشترك للإنسانية جمعاءيتمثل في ترسيخ التعصب وعدم التسامح ونشر ثقافة الكراهية، والمحاولات الساعية لفرض ثقافة واحدة أو دين واحد أو لغة واحدة أو حضارة واحدة أو نظام سياسي واحد.
وعلينا أن نتصدى لتلك المحاولات وتلك الثقافة العدائية لأنها ضد حكمة الله التي اقتضت تعددية الأديان والثقافات والقوميات والشرائع والحضارات، ولذلك فإن محاولة إخضاع البشر لسلطة سياسية واحدة أو ثقافة معينة ضد إرادة الله. علينا أن ندرك أن هذه التعددية، إثراء للحياة ووسيلة للارتقاء وأداة للتعاون والتواصل الحضاري الخلاّق.
يقول الله تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).
ويهمني هنا أن أفخر بأن الحضارة الإسلامية التي أسعدت البشرية قروناً، كانت محضناً آمناً للديانات والثقافات، وقد عاش أتباع الأديان المختلفة محافظين على عقائدهم وثقافاتهم وحرياتهم، نعم في مراحل تاريخية معينة كانت هناك ممارسات ظالمة، نحن لا ننكرها ولكننا نستنكرها.
وعلينا أن ندرك أن تلك الممارسات هي إفرازات لأنظمة تعسفية ظلمت المسلمين أنفسهم ولا يمثل تعاليم الدين التي توجب على المسلمين حسن التعامل والبر والإحسان مع غير المسلمين.
يقول تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين».ويقول عز وجل: «ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم».
لقد أصبح منهج الحوار ضرورة إنسانية وحضارية في عالم سقطت فيه الحواجز وتشابكت فيه المصالح، وزادت فيه احتياجات البشر لبعضهم، وأصبح الشأن الداخلي، خارجياً، بطريقة أو بأخرى، وصار العالم معنياً بعضه ببعض، ومن ينعزل، يهمش ويموت.
وإذا كان الأمر كذلك فإن هناك منهجين للعلاقات بين البشر:
الأول: المنهج الحواري التفاهمي العقلاني، الذي يتجنب الصدام ويحاول توسيع مساحات التفاهم بالتركيز على الإيجابيات المتحققة وإضاءة أوجه الشراكة النافعة بين الأديان والثقافات والحضارات وتقليل أوجه الخلاف والتعارض.
والثاني: المنهج التصادمي، التحريضي، الاتهام، العدائي، عبر توظيف الدين في الصراع السياسي، وإحياء النزعات التعصبية، واستدعاء الروح العدائية التاريخية،وتصوير الآخر المخالف ـ ديناً أو معتقداً أو مذهباً ـ بأنه عدو متآمر يجب كراهيته وعداوته.
ولأن الأديان الكبرى من الله، وهي نور وهداية للبشرية، فإنها مع منهج الحوار العقلاني ومبدأ التعايش الإنساني وضد منهج التصادم والصراع العدواني.
ولكن السؤال المطروح ـ هنا ـ إذا كنا جميعاً نؤمن بأن الأديان ضد العدوان وكراهية الإنسان لأخيه الإنسان، فلماذا يحمل كل طرف صورة سلبية ضد الطرف الآخر؟ ولماذا لم تفلح الديانات في التقريب بيننا؟
أتصور أن الله يريد خيراً بالبشرية ما أرسل رسله يحملون رسالته إلا من أجل سعادة الإنسان ومن أجل أن يحب الإنسان أخيه الإنسان.
وتلك الصورة السلبية النمطية التي يحملها كل طرف ضد الآخر، إنما هي ناتجة ـ أساساً ـ عن سببين:
1 ـ طريقة فهمنا للدين، والتي تتحكم فيها عوامل متعلقة بالتكوين النفسي، والتكوين الثقافي، والموروث المجتمعي، وكذلك ـ وهي الأهم ـ طريقة تدريسنا للدين، وكل هذا يتطلب من كل طرف مراجعة تصوراته النمطية التاريخية عن الآخر بإعادة النظر في مناهجه التربوية والتعليمية وخطابه الدينين والثقافي والتاريخي والإعلامي من أجل تنقيته من بذور الغلو والكراهية ضد أي إنسان، وأيضاً:
تحميله بمضامين إنسانية أخلاقية، وأن واجبنا جميعاً أن نسعى لتعليم ديني يحتضن الإنسان كونه إنساناً لا لكونه مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، ويؤكد على حقوقه وكرامته، مصداقاً لقوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم».
2 ـ ذلك الركام الثقيل من سوء الفهم وإساءة الظن، وأوجه التشكيك والارتياب والتشويه، لدى كل طرف تجاه الآخر، وقد ساعد على تضخيم هذا الركام السيئ، أصحاب السياسات العدوانية والأهواء والمصالح من جانب، وكذلك أصحاب المنهج التصادمي لدى كل دين من جانب آخر، وعبر استغلال وسائل الإعلام والمنابر الدينية والثقافية والسياسية لترويج الصورة العدائية لكل طرف ضد الآخر من أجل أهداف سياسية وأيديولوجية.
ذلك هو الواقع الذي نعيشه جميعاً، والذي لا نريد أن نستسلم له، وإلا كنا مفرطين في أمانتنا ومسؤولياتنا أمام مجتمعنا وأجيالنا القادمة.
لا يجوز لنا أن نترك الساحة لهؤلاء الذين يريدون قيادتنا للصدام والهلاك، وعلينا قطع الطريق على هؤلاء الذين يريدون ازدهار دعاوى استدامة العداوة حتى لا نخسر المستقبل.
نعم يمكن لثقافة الحوار الديني أن تتسع لجميع المعنيين بالحوار وأن تساهم في الوصول إلى أرضية مشتركة تخفف من أسباب التوتر وتعمل على إزالة هذا الركام، وتساعد على تفعيل القواسم المشتركة وإزالة الجفوة والصورة السلبية، وذلك يوجب علينا أن نسمو بالدين وننزهه عن الأغراض والمصالح والنزاعات السياسية.
ولذلك لا ينبغي أن يكون هدف هذا المؤتمر هو محاولة كل طرف الدفاع عن دينه ورد الشبهات عنه فحسب، فالدين أعلى وأسمى، وهو من عند الله الحق، وليس بحاجة إلى دفاعنا، كما أنه ليس الهدف أن يعمد كل طرف إلى الانتصار على الخصم وإفحامه فذلك غير مفيد، ومن الطبيعي أن يرى كل واحد أن دينه خير الأديان، وليس في ذلك بأس.
أتصور أن حوار اتباع الأديان وسيلة إيجابية لتحقيق هدفين:
1 ـ أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم أو يجرّح أو يتهم بعضنا بعضاً.
2 ـ أن يتحلى كل طرف بشجاعة الاعتراف بأخطائه تجاه الآخر ومن ثم يسعى مخلصاً لتصحيح تلك الأخطاء عبر النقد الذاتي والمراجعة المستمرة، لا أن يتشبث بأخطائه ويبررها ويحمّل الآخر مسؤوليتها أو يبادله اتهاماً باتهام.
وختاماً فالأديان كلها وفي أصلها يرجع إلى حقيقة واحدة، وكل منا يحمل جانباً وأرض الله الرحبة تسعنا جميعاً، وكذلك جنته، مصداقاً لقوله تعالى: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) صدق الله العظيم.
د. عبدالحميد الأنصاري
أستاذ الدراسات الإسلامية ـ كلية القانون
الدوحة ـ قطر