إن الإسلام أوجب العمارة على خلقه، وجعل لهم في مقابل ذلك حوافز عظيمة، وذلك لما في الحوافز والدوافع والقيم التي تحرك الأفراد، من دور أساسي في إنجاح هذه العملية لذا فإن مفهوم التنمية الاقتصادية في الإسلام، مفهوم شامل نواحي التعمير في الحياة كافة، تبدأ بتنمية الإنسان ذاتياً.

وذلك بتربيته دينياً وبدنياً وروحياً وخلقياً، ليقوم بالدور المنوط به إسلامياً، ومن خلال ذلك تنشأ عملية تعمير الأرض، الموضع الذي يعيش فيه الإنسان اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً.. إلخ، لتتحقق له الحياة الطيبة التي ينشدها، ويستطيع في ضوئها أن يحقق الغاية العظمى، وهي إفراد العبادة لله وتحسينها.

كما أن التنمية الإسلامية، هي تنمية شاملة، لأنها تتضمن جميع الاحتياجات البشرية من مأكل وملبس، ومسكن، ونقل، وتعليم، وتطبيب، وترفيه، وحق العمل، وحرية التعبير، وممارسة الشعائر الدينية.. الخ.

بحيث لا تقتصر على إشباع بعض الضروريات، أو الحاجات دون الأخرى، ولذلك فقد ارتبط مفهوم التنمية في الإسلام بالقيم والأخلاق الفاضلة، وأصبح تحقيق التنمية مطلباً جماعياً وفردياً وحكومياً، يسهم فيه كل فرد من أفراد المجتمع.

وللتنمية الاقتصادية في الإسلام مبادئ وأهداف جليلة، يمكن أن مجملها اختصاراً في اثنين هدف اقتصادي مرحلي يتمثل في استخدام الموارد الطبيعية لتحقيق الرخاء الاقتصادي للفرد والجماعة وهدف إنساني، وهو الهدف النهائي ويتمثل في استخدام ثمار التقدم الاقتصادي، لنشر المبادئ والقيم الإنسانية الرفيعة متمثلة في السلام والعدل والمعرفة الكاملة بالله عز وجل.

وترتكز عملية التنمية الاقتصادية في الإسلام على مرتكزين أساسيين، يمكنانها من تحقيق هذه الأهداف هما أولاً: مرتكز العقيدة الإسلامية، والتي ينبع منها إقامة أكبر قدر من العمران، والتقدم الاقتصادي والاجتماعي على ظهر الأرض. ذلك لأن العقيدة الإسلامية ترسم للإنسان دوره في الحياة ومسؤوليته تجاهها، ثم تأمره أمراً صريحاً بأن ينهض بكل ما يحقق له الرخاء الاقتصادي والاجتماعي ثانياً:

مرتكز الإرادة المجتمعية «الجماعية» وإنماء الشخصية الجماعية للمجتمع المسلم، والتي تستند إلى القيم الاجتماعية الإسلامية. والإسلام، بهذين المرتكزين، يقف موقعاً مغايراً تماماً للمرتكزات الوضعية في التنمية، والتي تستمد من فهم الفكر الإنمائي الوضعي بطبيعة المشكلة الاقتصادية، وبالتالي جوهر عملية التنمية وأبعادها.

فالنظم الوضعية ترى أن الأصل هو ندرة الموارد، وعدم كفايتها لإشباع حاجة الإنسان، بينما نجد الأصل في الإسلام هو وفرة الموارد الطبيعية وكفايتها لتلبية حاجات البشر جميعاً لقوله تعالى (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ؟ وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار» إبراهيم: 33، 34.

والنظم الوضعية تركز تركيزاً شديداً على الجانب الاقتصادي لعملية التنمية فترجع التخلف لاعتبارات مادية بحتة، كندرة رأس المال، أو نقص المهارات التنظيمية، أو تخلف الفن الإنتاجي أو النمو السكاني السريع، كما تجد علاج هذا التخلف في التقدم المادي، كزيادة تراكم رأس المال، وتطوير التكنولوجيا وتنويع الهيكل الإنتاجي.

وفي الآونة الأخيرة أصبح الدمار والخراب والإبادة الجماعية للشعوب المستضعفة جزءاً من استراتيجيات التنمية الوضعية، إذ يؤدي هذا الخراب في اعتقادهم إلى إعادة التوازن في التركيبة السكانية لصالح هذه الدول المتجبرة، ثم يبدأ مسلسل النهب العالمي لثروات المستضعفين من خلال ما يسمى إعادة الإعمار على نهج «إني لأقتله وأبكيه معاً» فبئس ما كانوا يصنعون.

أما في النظام الإسلامي، فإن جوهر التنمية هو تنمية الإنسان نفسه، وليس مجرد تنمية الموارد الاقتصادية المتاحة لإشباع حاجاته، فهي تنمية أخلاقية تهدف إلى تكوين الإنسان السوي الذي يشكل نواة مجتمع المتقين.

والذي ينظر إلى التقدم المادي من منطلق الخلافة في الأرض، التي سيحاسب عليها أمام المولى عز وجل. ولذلك فإن عمارة الأرض ـ أي التنمية بالمصطلح الحديث ـ ليست عملاً دنيوياً محضاً، بل هي عمل تعبدي فيه طاعة لله عز وجل.

ولا يتعارض الجانب التقليدي في التنمية، وعمارة الأرض مع تحقيق الرفاهية للمجتمع الإسلامي، وعلى ذلك لا تنصرف جهود التنمية في الإسلام إلى مجرد تحسين مستوى دخل أفراد المجتمع أو توفير حد الكفاف .

أو إشباع حاجاتهم الأساسية فقط، كما تهدف النظم الإنمائية المعاصرة، وإنما تنشد أساساً تحقيق الكفاية المعيشية لكل فرد من أفراد المجتمع، على النحو الذي يخرجهم من دائرة الفقر إلى حد الغنى.

وخلاصة القول، فإن التنمية الاقتصادية في الإسلام، تنمية شاملة متوازنة تجمع بين تنمية الإنسان، وإعداده إعدادً صحيحاً، ليضطلع بمسؤولياته أمام الله عز وجل، وبين تنمية البيئة المحيطة به اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، لتمكنه من القيام بهذه المسؤوليات على الشكل المطلوب خير قيام.

أحمد حلمي سيف النصر