انتقد علماء الازهر فكرة فئران التجارب البشرية التى تلجأ اليها بعض شركات الادوية بتجريبها على الانسان بدلا من الحيوانات وقال علماء الازهر لا يجوز للإنسان ان يعرض نفسه للهلاك او ان يضع نفسه تحت تجربة غير مضمونة العواقب مؤكدين ان من يخضع لهذه التجارب اثم شرعا.

وكانت بعض مراكز الدراسات الدوائية فى المملكة الاردنية الهاشمية قد توسعت فى فكرة فئران التجارب البشرية مقابل مبالغ مادية سخية لمن يقبل الخضوع لمثل هذه التجارب وقد لجأ بعض الاردنيين الى التطوع لاجراء هذه التجارب عليهم رغم ما تنطوى عليه من مخاطر تحت ضغط الفقر والاحتياج المادى.

وقد اصيب بعض المتطوعين بالفعل بامراض مثل الاكتئاب والصرع نتيجة الأدوية المجربة، ويبلغ ثمن إجراء التجارب لحبوب الاكتئاب مثلا 250 دولارا بينما ثمن تجربة دواء الصرع 170 دولارا ويقدر المبلغ الذى يحصل عليه المتطوع بحسب خطورة الدواء المستهدف تجريبه.

وقد اتهمت أحزاب ومؤسسات المجتمع المدني الأردنية وأعضاء بمجلس النواب مراكز الدراسات التي تقوم بهذه التجارب بأنها تنتهك القواعد الأخلاقية وتستغل حاجة الشباب الأردني عن طريق اعتبارهم «فئران تجارب بشرية» بإخضاعهم لتجارب دوائية دون مراقبة.

واوضح علماء الازهر أن شركات الأدوية إذا كانت تعلم ان مثل هذه الادوية التى تقوم بتجريبها قد تصيب الانسان بالامراض او تؤدى به الى الهلاك فهى بذلك ترتكب جريمة قتل.

وطالبوا بقصر هذه التجارب على الحيوانات لان الانسان مكرم كما ان الحفاظ على حياة الانسان يعد مقصدا من مقاصد الشريعة الاسلامية.

من جانبه يرى الشيخ محمود عاشور وكيل مشيخة الازهر السابق ان الانسان ليس حقل تجارب وينبغى تجربة الدواء على حيوانات قريبة الشبه بالانسان مثلما هو معروف بالنسبة لفئران التجارب او حيوانات اخرى تكون لها نفس خصائص الانسان بحيث لو نجحت وافادت نقوم فى مرحلة تالية بتجريبها على الانسان لكن لا يجب ان نضع الانسان محل تجارب فربما يكون رد الفعل لهذه الادوية او التفاعلات فيها او الاضرار الناجمة عنها اكثر ضررا للانسان.

ويوضح انه يجب ان تبقى الادوية حتى يتم اختبارها وصلاحيتها لعلاج الانسان ثم تطبق عليه او يستخدمها للعلاج من الامراض لكن لا يكون الانسان حقل تجارب على الاطلاق.

وحول كون المتطوع مذنبا او غير مذنب يوضح الشيخ محمود عاشور ان هناك الكثيرين يبيعون انفسهم نظير مبالغ مادية فمثلا شخص يدمن المخدرات ولا يجد ما يشترى به المخدرات يبيع دمه او يتبرع به مقابل مبلغ محدد.

وربما يكون دمه ملوثا فيتسبب فى اصابة المنقول اليه مشيرا الى ضرورة ان تكون هناك توعية لهؤلاء بأن حياتهم ضرورية فالله ـ سبحانه وتعالى يقول: «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ويقول ايضا: «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما».

ويضيف قائلا ربما تدفع ضرورات الحياة بعض الاشخاص الى ان يضعوا انفسهم فى مثل هذا الموضع فمثلا انسان لا يجد ما يأكله او ما يلبسه او ما يعالج به فهو تحت ضغط الحاجة يلجأ الى التطوع لتجربة الدواء عليه للحصول على المال موضحا اننا لكى نحدد الحكم على المتطوع يجب ان نتعرف على الاسباب التى دفعته الى ذلك وان نوعيه ونعرفه ان هذا قد يعود عليه بالضرر.

الإنسان مؤتمن

ويتساءل الدكتور سعد جاويش الاستاذ بكلية اصول الدين جامعة الازهر لماذا لا تقوم هذه الشركات بالتجريب على الفئران والحيوانات بدلا من الانسان مشيرا الى ضرورة الحفاظ على حياة الانسان وجسده واعضائه.

وعدم تعريضه للمخاطر والهلاك بسبب هذه التجارب خاصة وان الحفاظ على حياة الانسان مقصد من مقاصد الشريعة الاسلامية بالاضافة الى الحفاظ على النفس والجسم والسمع والحواس والله - سبحانه وتعالى يقول: «ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة».

ويرى ان المتطوع لاجراء مثل هذه التجارب يغامر بنعمة من نعم الله عليه لا يصح ابدا ان يعرضها للتلف بيده لكن لو كان الامر خارجا عن ارادته فهذا لا يؤاخذ عليه أما أن يلجأ للحصول على مبالغ مالية من هذا الطريق الذى يعترض عليه الشرع فهذا مرفوض.

ويضيف الدكتور جاويش قائلا قد تكون لهذا التجريب آثار سيئة تضر بالصحة والصحة امانة عند الانسان فهو مؤتمن على صحته وعلى سمعه وعلى بصره وعلى كبده وأمعائه فهو امين على هذا كله لانها وديعة من الله - تعالى - ونعمة استأمنه الله عليها مؤكدا ان المغامرة بتلك الامانة لا تستند الى اسانيد شرعية تسمح للانسان ان يبدد نعمة من نعم الله.

وحول ما اذا كانت المسؤولية تقع على شركات الادوية التى تلجأ الى التجريب على الانسان يقول الدكتور جاويش إن الله ـ سبحانه وتعالى يقول :

«بل الانسان على نفسه بصيرا» فالانسان مسؤول عن نفسه واذا استخدمت هذه الشركات الانسان استخداما سيئا فلا ينبغى له ان يسلم نفسه اليها خاصة أن الشريعة تطالب الانسان بحماية نفسه والدفاع عنها .

وفى الحديث «من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون نفسه فهو شهيد» فكيف يذهب ويسلم نفسه لتلك الشركات لتفعل فيه ما تشاء بما يعرضه للضرر فهو ان فعل ذلك كان مخطئا اما الشركات فهى لا تبالى لانها تسعى الى تحقيق الربح لكن اذا كانت تعلم هذه الشركات ان هناك ضررا ولو بنسبة 20او 30% فهى آثمة.

ويدعو هذه الشركات الى اجراء تجاربها على الحيوانات مادامت تحقق النتائج التى يحتاجون إليها لأن الانسان محترم يقول - تعالى : «ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر» ولا يجوز انتهاك حرمته لاى سبب من الاسباب.

ليست محمودة العاقبة

ويرى الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الاسلامية بالازهر أن التجربة فى اى شئ غير محمود العاقبة لا يجوز مشيرا الى ان الشركات اذا كانت تعلم ان هذه الادوية بنسبة 80% او 90% قد تضر بالانسان فهى ترتكب جريمة قتل إذا مات احد المتطوعين لانها تجرى تجارب بدون ضمانات.

ويؤكد ان الاثم فى هذه الحالات تتحمله الدولة التى تسمح باجراء مثل هذه التجارب على أراضيها لأنها مسؤولة عن الحفاظ على ارواح الناس .

ويشير الدكتور الشكعة الى ان المتطوع قد يلجأ إلى هذه الوسيلة للحصول على المال لانه فقير لا يجد قوت يومه مثله مثل الذى يبيع كليته او عضوا من اعضائه من اجل المال معربا عن اعتقاده بان هذا المتطوع لو علم انه سيموت فلن يقدم على هذه التجارب بالاضافة إلى أن الشركات تحاول طمأنة المتطوعين بكل الوسائل وترغيبهم فى التطوع لاجرائها.

ويوضح ان شركات الادوية تتحمل المسؤولية ايضا عن الارواح التى تزهق فى هذه التجارب وعن الامراض التى تصيب الناس من ورائها بجانب الذين يتوسطون بين الشركات وبين الافراد لاقناعهم باجراء التجارب عليهم سواء كان ذلك فى صورة مكاتب او بصورة فردية.

تكريم الانسان

ويؤكد الشيخ فرحات السعيد المنجى المشرف العام السابق على مدن البعوث الاسلامية بالازهر ان هذا التجريب يخالف قول الله ـ سبحانه وتعالى: «ولقد كرمنا بنى آدم » والله لم يجعل الادمى حقلا للتجارب ابدا.

ويضيف انه حتى فى البلاد التى لا تدين بدين لا يجربون على الانسان وانما يجربون على الحيوانات مشيرا الى ان هناك ايضا من يعارض اجراء التجارب على الحيوانات بحجة حمايتها من الامراض والرأفة بها فما بالنا بالانسان.

وهو بنيان الله وهو مكرم غاية التكريم وهو ليس صيدا او هدفا لكل من يريد تحقيق الشهرة مؤكدا أن من بين 20 الى 50 تجربة تنجح تجربة واحدة ومعنى ذلك ان مثل هذه التجارب ستؤدى الى اصابة اعداد كبيرة بالامراض والتشوهات فضلا عن الذين قد يموتون اثناء اجراء هذه التجارب او بعدها.

ويشير الشيخ فرحات السعيد الى ان المتطوع لاجراء هذه التجارب هو مثل من يبيع نفسه رغم انه لا يملك نفسه ولا جسده او اعضاءه فإذا تصرف فى جسده فكأنه يبيع ما لا يملك من اجل الاموال وهذا ضد مبدأ التكريم الالهى للانسان .

ويخلص الى القول إن الله اوجد الانسان فى الارض ليعبده وليعمر الكون اما ان نجعله فأر تجارب ينتقل بين المختبرات والمعامل فهذا غير جائز شرعا وعلى الشركات التى تقوم بهذه التجارب ان تبحث عن بدائل اخرى.

تحقيق المصلحة

ويؤكد الدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة بالأزهر الاسبق ان الشريعة الاسلامية تحثنا على طلب الدواء لعلاج الأمراض موضحا أن الدواء لا يمكن التوصل إليه إلا عن طريق تجربة يجربها الشخص على نفسه أو على غيره فيكون إجراء التجارب العلمية على الإنسان من الأمور المباحة ما دام القصد منها تحقيق مصلحة الإنسان في حفظ حياته وعيشته سليما معافى.

ويوضح أنه إذا كان إجراء التجارب العلمية على الإنسان المقصود به مصلحة مباحة فلا بد من أن يكون ذلك في إطار ضوابط أخلاقية نظرا لأن إجراء التجارب العلمية فعل من أفعال الإنسان، وكل فعل إنساني حتى يكون مشروعا لا بد من أن يكون في نطاق ما تسمح به أحكام الشرع التفصيلية وقواعده العامة.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: