انطلقت في قاعة المحاضرات بمركز جمعة الماجد في دبي مساء أول من أمس أولى ندوات مؤتمر المرأة العالمي الثقافي الثاني لعام 2006، وكان بعنوان «الطلاق وأثره في المجتمعات المحلية والعالمية»، افتتحت بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم.
تلتها كلمة ترحيبية لرئيسة المؤتمر إيمان إسماعيل عبد الله أعلنت خلالها عن أهداف المؤتمر الذي سينعقد في الثامن من مارس 2006 قائلةً: «ان المؤتمر لعب دورا مهماً في دورته الأولى عن القيم الأسرية ولقي نجاحاً في جميع أنحاء العالم وبخاصة حول تفعيل دور الأسرة وخاصة الأسرة المسلمة.
وتعريف العالم بأهمية نظام الأسرة وطهارة وعفة وشرف ونقاء الأسرة المسلمة حيث تكمن السعادة في أعظم صورها وهيئتها. وأضافت أصبحنا في الوقت الحاضر نعاني الكثير من القضايا الاجتماعية الخطيرة التي تهدد أسرنا ومجتمعنا المحلي والمجتمعات العالمية.
ومن هذا المنطلق ينطلق مؤتمرنا للعام المقبل ليساهم في أمور مهمة مثل الطلاق من خلال بحوث وندوات وحوارات ستقام على فترات للحد من انتشار الظاهرة والبقاء على الأسرة المترابطة بعقد الرحمة والأمان والاستقرار».
* أسباب الطلاق
ثم تحدثت الباحثة الاجتماعية الإعلامية مروة كريدية في ورقة بحثية عن «الأسباب المسكوت عنها عند الطلاق» مشيرة في البداية إلى غياب الأرقام الصحيحة والإحصائيات الرسمية عن الطلاق خصوصًا في العالم العربي وان الإحصائيات المتوفرة غير دقيقة،.
كما أنه لا توجد دراسات جادة لمعرفة الأسباب الأكثر شيوعًا للطلاق، مشيرة إلى أن بعض النتائج تؤكد أن حالات الطلاق في دول الخليج العربية في ارتفاع مستمر، حيث وصلت نسبة الطلاق في قطر 38%، وفي الكويت 35%، وفي البحرين 34%، وفي الإمارات 46% من إجمالي حالات الزواج.
وتضيف كريدية بالقول: «ويلاحظ على البيانات المنشورة في الدول الإسلامية حول الطلاق عدم دقتها في تحديد وقياس معدلات الطلاق، وافتقارها لمعايير موضوعية لا يمكن الوثوق بها، ولا تساعد على تقييم هذا القصور الفني في شيوع أحكام عمومية وغير صحيحة حول الظاهرة.
وبغض النظر عن البيانات والإحصائيات فإنه وبدون شك فإن هذا الموضوع جدير بالبحث وان الأرقام وان كانت غير دقيقة فإنها مقلقة.
وأشارت إلى أنها أثناء بحث هذا الموضوع وضمن الاحتكاك المباشر بالأفراد وجدت أن هناك الكثير من العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الانفصال «مسكوت عنها» أو ما يُعرف ب «التابو» في المجتمعات، فالأسباب المباشرة أو المُعلنة غالبا ما تكون أسباباً مُختلقة أو« وهمية».
أو ليست هي الوحيدة وبالتالي فهي ليست حقيقية،وهذا يعكس بشكل مباشر حال المجتمعات المحلية «العربية» على وجه التحديد لأنه البنية المجتمعية وطريقة التربية منذ الطفولة ، لا تسمح ولا تضمن للإنسان التعبير عن مخزونه النفسي ب«صراحة» ووضوح، ودائرة «المسكوت عنه» أو «العيب» كبيرة لدرجة أن الفرد يسكت عن الكثير من حقوقه الفردية.
ومن الأمثلة:الرجل يصرح أنه طلق زوجته لأنها «مهملة» أو «غير مطيعة» مثلا، ولكن يخجل أن يصرح عن السبب الحقيقي هو «الرغبة في التغيير» أو «الملل» أو وجود امرأة أخرى في حياته اشترطت عليه تطليق الأولى .
أو غير ذلك مما يخجل في الإفصاح عنه. ونجد سيدات بالمقابل يسعين إلى الطلاق وتكون الحجة المعلنة هي «بخيل» أو «مهمل» ويكون السبب الآخر مثلا «رغبة في العيش من غير مسؤولية» أو «وجود رجل آخر في حياتها» على سبيل المثال.
لذلك فعندما تطرح المشكلات ويبدأ الطرفان بالإصلاح نجد أننا نعالج أشياء بعيدة عن المشكلة الحقيقية الموجبة للانفصال لذلك فعملية التصريح بالأسباب مهما كانت جارحة مهمة للغاية لمعرفة الأسباب الكامنة وراء انهيار الأسر».
ثم تورد الباحثة مروة كريدية بعضًا من الأسباب المسكوت عنها ومنها الأمور المتعلقة في العلاقة الزوجية (الأمور الجنسية)، كالأزمات العلائقية المتعلقة بالجهل الجنسي، أو التعرض لسفاح الأقارب، أو لتحرش في الصغر أحدثَ خللا ما، ومنها الأمور الصحية والعيب الجسدي، كعدم الذكورة، إضافة إلى المواضيع المتعلقة بـ «الشرف» و«الخيانة» أو ما تسمى «الأخلاقية».
كما تطرقت في كلمتها إلى بعض الأمراض النفسية المسببة للطلاق وهي منتشرة بكثرة: كالشك المرضي والغيرة، و الإصابة بالاكتئاب أو العُصاب أو القلق ،أو الهوس مشيرةً إلى انه عادةً ما يلقي الفرد بالاتهام على الآخر دون أن يسعى لعلاج نفسه....
وتضيف بالقول:«إن عدم تلبية الحاجات النفسية هي من أهم الأسباب الخفية للطلاق وهناك كثير من الضغوط النفسية التي قد يمارسها الشريك تحت شعارات متعددة «الرجولة» و«القوامة» أو العكس كتقدير الذات والشعور بالنقص أو الشعور بالفوقية وصراع الهوية.
وتنتقل الباحثة لطرح دور بعض المفاهيم الاجتماعية السائدة والخاطئة، التي من شأنها أن تهدم الأسرة وهي في الحقيقة بعيدة عن الدين أو الشرع حيث إننا نجد بعض ما هو مباح في الدين محرّم على المستوى الاجتماعي أو مفهوم «العيب».
و«الحرام» كمفهوم اجتماعي حيث يشكل جهاز قمع للفرد وسلوكه، فتنمو العقد النفسية ومنها الخوف من التعاطي مع الجنس الآخر، ومن الضغوط أيضًا الضغوط الروحية كالشعور المبالغ فيه بالذنب،و الخجل من التعبير عن الحاجات أو الرغبات،لذلك فإن الخلل في الحقيقة هو خلل تربوي بالأساس لان المجتمعات تقمع الطفل منذ صغره ولا تسمح له بالتعبير بوضوح وحرية ونقاء.
وختمت مروة كريدية كلمتها بالقول: «ان هذه المحصلة «من الأسباب المسكوت عنها» و«التابو» الذي يسيطر على البنية السوسيولوجية في المجتمعات له تأثير قوي على بنية المجتمع ونظام الأسرة، واعتقد بأن الأنظمة الاجتماعية الحالية القائمة عاجزة، عن حل مشكلات أبنائها.
وينبغي علينا كنخب فكرية أن ننشر الوعي وبالدرجة الأولى الوضوح في الرؤية الاجتماعية والوضوح في التعبير عن مشكلاتنا، وأن نرقى بتفكيرنا وان نحاول أن نتعامل مع المجتمع بذكاء بشكل يؤدي إلى تطوير العلاقات الأسرية».
* قيمية وتربوية
وتحدث الدكتور محمد فتحي راشد الحريري أستاذ مادة التفسير المحاضر بجامعة الشارقة والباحث في وزارة التربية، عن «الأسباب القيمية والتربوية للطلاق» حيث افتتح الدكتور الحريري مشاركته بتعريف الطلاق، وانتقل ليوضح الطلاق عند الديانات السماوية ثم تناول محور التربية ودورها في بناء الأسر وعن أسباب الطلاق من وجهة نظر تربوية يقول الدكتور الحريري :
«من الملفت أن نلاحظ ارتفاع معدلات الطلاق في أكثر بلدان العالم، أن ارتفاع نسبة الطلاق في الخليج العربي عامة، وفي دولة الإمارات خاصة بات ينذر بالخطر.
وإن زيارة إلى المحاكم الشرعية في مدينة من مدن الدولة، أو مطالعة في بعض الصحف التي تهتم بالقضايا العائلية تضعنا وجها لوجه أمام كثير من القضايا الصغيرة التي كانت سببا في تدمير أسرة بكاملها ومن هذه الأسباب ( ذكرا لا حصرا ومن منظور تربوي) ومع ملاحظة تدرج هذه الأسباب حسب نسبتها من خلال عدة دراسات ميدانية:
تدخل أهل الزوج أو الزوجة في شؤون الزوجين،أصحاب السوء ورفاق الرذيلة، واختلاف المستوى الثقافي بين الزوجين،الخمرة والمخدرات وإدمان السهر والسفر،الخادمات الأجنبيات في البيوت.
وجود بعض العيوب الجسدية أو الأمراض،العقم عند أحد الزوجين، الخيانة الزوجية،أسباب اقتصادية مثل البطالة أو عمل الزوجة والاختلاف عليه أو على دخلها في ظل غياب الوعي الديني،الهجرة خارج الدولة بداعي العمل أو الدراسة، خاصة في حال هجرة أفراد غير محصنين تربوياً ولا دينياً».
ثم ينتقل الدكتور محمد فتحي راشد الحريري ليتحدث عن أسباب يصفها بالصغيرة إلا انه من الملاحظ أنه يمكن رد جميع هذه الأسباب الإحدى عشرة إلى عدم الاهتمام باختيار الزوج أو الزوجة.
وعدم وجود الوازع الأخلاقي الديني، أو عدم وجود ثقافة إسلامية واجتماعية تبصر الزوجين بأهداف الزواج وغاياته السامية ويضيف الدكتور الحريري بالقول: « يمكن رد هذه الأسباب إذا إلى سوء فهم للإسلام مما يؤدي إلى خطأ في التطبيق وخطأ في التعامل بين الأزواج فتقع الكارثة.
وردّا على سؤال عن علاقة هذه الأسباب بالتربية ؟ قال: «الجواب المعروف عند كل عاقل يدرك أهمية التربية في تكوين الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية كلها،و بالتالي فالتربية المتوازنة هي عمود العائلة ومظنة استقرارها.
و نلاحظ أن أسباب الطلاق على اختلافها يمكن ردها موضوعيا إلى سبب تربوي هذا السبب هو محاولة غزونا واختراقنا لاستلاب هويتنا وضياع شخصيتنا ولا يقول أحد إن هذا الاختراق لا يتعدى الشكليات، إن المحاكاة والتقليد في القشور والشكليات إذا استمرت ودامت ستؤثر في اللب والجوهر .
كما يقرر علماء التربية وإن تداعيات عصر العولمة وثورة الإلكترونيات والتكنولوجيا المعاصرة، والانفلات واستيراد المناهج التربوية الغربية ومحاكاة الفرنجة في أنماط حياتهم ستفرز آثارا سلبية على المجتمع إذا لم نعد أنفسنا ونحصن عائلاتنا بالقيم والمبادئ المستمدة من ديننا الحنيف، بل ستضع بصمات الخراب على المجتمع.
* دور الإعلام
وتناول الباحث في ورقته دور وسائل الإعلام حيث قال:« لقد كان لوسائل الإعلام دور في تنامي وتزايد حالات الطلاق في مجتمعنا بطرق غير مباشرة، بالترويج لحالات الانفلات، وإظهار مؤسسة الأسرة والزواج بأنها قيود، وليس واحة أمان وسكينة وحضن محبة وود.
وقد زاد هذا الدور بسبب غيبة السياسة التربوية الواضحة القائمة على أسس الشريعة وغياب البرامج التربوية الواضحة القائمة على أسس الشريعة وغياب البرامج الوقائية والعلاجية التي من المفترض أن نواجه بها الأفكار التخريبية الوافدة، لا أن نقف مكتوفي الأيدي بإزائها، فكيف بمن يحتضنها ويرحب بها مهللاً مبتهجاً، والمسؤولية في معظمها تقع على عاتق رجال التربية( من علماء ومنظرين وتربويين في الميدان ).
وهذا لا يقلل من شأن الأسرة ولا دورها فهو الأساس فالعائلة التي تنشئ أبناءها على الميوعة والدلال المفرط وثقافة القشور أو تتركهم نهباً للفضائيات، إنما تخرج للمستقبل أزواجا فاشلين.
والقضية بمجملها قضية تربية سواء إذا نظرنا إليها من خلال دور الأسرة أو المؤسسات التربوية (سياسة ومنهاجا وميدانا)، أن الحل هو في إفساح المجال للعلماء والاختصاصين لوضع تصور وخطة علاجية وليس لتسليم الأمر للفنانين وأمثالهم من العابثين..الحل بأيدي العلماء وأهل الفكر المخلصين وإجراء مصالحة بينهم وبين أهل القرار وليس في الفيديو الكليب أو النظريات التربوية المستوردة.
واختتمت الندوة بكلمة لرئيسة رابطة سيدات السلك الدبلوماسي نوال الشلهوب حرم القنصل العام السعودي توجهت من خلالها بالشكر إلى جمعة الماجد لاستضافته الندوة كما شكرت الحضور وزوجات القناصل والدبلوماسيين لتلبيتهم الدعوة وكل من ساهم في إنجاز هذا العمل، كما تم توزيع استبيان حول الطلاق وأسبابه على الحضور لسبر تلك الظاهرة اجتماعياً.
دبي ـ «البيان»:
