عاش قطاع غزة أمس فرحة أول أيام التحرير بعد اندحار الاحتلال وخروج آخر جندي إسرائيلي تحت جنح الظلام الليلة قبل الماضية وسط تخوف فلسطيني وعربي ودولي من تحول القطاع إلى سجن كبير، وهو ما حذر منه صراحة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن) الذي تعهد في الوقت نفسه بإنهاء الفوضى الأمنية بحلول نهاية العام في القطاع الذي شهد سقوط ستة قتلى خمسة غرقاً وآخر برصاص «مجهول» نفت القاهرة أن يكون مصرياً.
في وقت كانت إسرائيل تتوعد بعدوان قاس حال انتقال صواريخ المقاومة إلى الضفة الغربية.ورفع فلسطينيون فرحون يلوحون بعلامة النصر ويطلقون النار في الهواء الأعلام الفلسطينية على أنقاض المستوطنات اليهودية السابقة، بينما تولى آلاف من رجال الأمن الفلسطينيين الذين كانوا يلوحون بعلامة النصر زمام الأمور في الوقت الذي خرجت الدبابات والمدرعات الإسرائيلية تحت ستار الظلام، وبعد فترة وجيزة من بزوغ الشمس أغلق الجنود الإسرائيليون بوابات نقطة العبور الرئيسية إلى المستوطنات الخالية.
وتفقد الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) أطلال مستوطنة دوغيت في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، وقال إن «هذا يوم سعادة وفرحة لم يشهده الشعب الفلسطيني منذ قرن».وفي غمرة الأجواء الاحتفالية، نفى الناطق باسم الرئاسة المصرية سليمان عواد «بشكل قاطع» أن تكون القوات المصرية أطلقت النار أمس على فلسطينيين في منطقة الحدود بين مصر والقطاع ، ما أسفر عن مصرع شاب وإصابة آخر.
وقال عواد لوكالة فرانس برس «أنا أنفي هذا الكلام نفياً قاطعاً، وهو عار تماماً من الصحة». وأضاف «لا يمكن أن يكون حرس الحدود المصريون، الذين سمحوا لثلاثة آلاف فلسطيني وفلسطينية بعبور الحدود من اجل لم شمل العائلات والاحتفال بإنهاء 38 عاما من الاحتلال، قد أطلقوا النار عند الحدود».وكان شهود أفادوا مع مصدر طبي أن فلسطينياً قضى أمس برصاص عناصر حرس الحدود المصريين في منطقة رفح.
وقال المصدر الطبي إن نافذ عدنان عطية (34 عاماً) توفي بعد إصابته في الرأس، وجرح آخر في الفخذ عندما تعرضا لإطلاق نار في المنطقة الحدودية من رفح.وقال شهود إن «حرس الحدود المصريين أطلقوا النار باتجاه أشخاص اقتربوا من السياج الفاصل» بين منطقة رفح والأراضي المصرية.وفي حادث آخر أعلن مصدر فلسطيني الليلة الماضية أن فلسطينيا أصيب بجراح خطيرة بنيران الجيش الإسرائيلي لأول مرة منذ انسحابه من قطاع غزة.
وقال المصدر إن الحادث وقع بالقرب من معبر بيت حانون شمال قطاع غزة.وتابع أن القوات الإسرائيلية المتمركزة خلف معبر بيت حانون على السياج الفاصل أطلقت نيران أسلحتها الرشاشة تجاه المواطنين قرب المعبر مما أدى إلى إصابة فلسطيني بجراح خطيرة.وأفادت مصادر طبية ان خمسة فلسطينيين قضوا غرقا أمس فيما كانوا يسبحون في مياه البحر الأبيض المتوسط قبالة المستوطنات اليهودية التي تم إخلاؤها في قطاع غزة.
في هذه الأثناء نقلت صحيفة «كورييري ديلاسير» الايطالية أمس عن أبومازن تعهده بإنهاء الفوضى الأمنية في قطاع غزة بحلول نهاية العام.وامتدح أبومازن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لاتخاذه «خطوة شجاعة وهامة للغاية» بالانسحاب من غزة، لكنه حذره من محاولة مقايضة غزة بسيطرة دائمة على مناطق شاسعة من أراضي الضفة الغربية، قائلاً: «إذا حدث ذلك فإن إقرار السلام في غزة لن يكون له مستقبل سنسقط مجددا في دائرة العنف والإرهاب».
وطالب بالسيطرة على معبر رفح على الحدود مع مصر. وقال «إذا لم نتمكن من السيطرة عليه فان غزة ستظل سجنا كبيرا في الهواء الطلق».وسارت ردود الفعل العربية والدولية في الاتجاه نفسه، والتزام الحذر في الترحيب بالخطوة الإسرائيلية، والمطالبة بان تتمتع غزة بحريتها الكاملة.
وقال نائب رئيس الوزراء الأردني مروان المعشر «نرحب بالانسحاب الإسرائيلي من غزة ونعتبره خطوة أولى على طريق الانسحاب من كل مناطق الضفة الغربية ويجب أن يرافق الانسحاب فتح المعابر وحرية التنقل والمرور، وإذا لم يتم ذلك ستتحول غزة إلى سجن كبير». وردا على سؤال عن الدور الأردني في غزة قال المعشر انه «ليس للأردن من دور يلعبه في القطاع حاليا ولكن عندما يأتي الحديث عن الضفة الغربية فهذا موضوع آخر».
أما وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي فقال بأنه لا يمكن أن تكون غزة سجنا وإنما يجب أن يكون لها مداخل ومخارج وحدود مع الالتزام بضمان امن إسرائيل.في موازاة ذلك حذر وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز من أن الجيش الإسرائيلي «لن يبدي أي تسامح مع الإرهاب» بعد الانسحاب من القطاع على حد زعمه.
وقال في مؤتمر صحافي جنوب إسرائيل «إذا شنت منظمات إرهابية هجمات من قطاع غزة على مدنيين إسرائيليين سنرد. لا تسامح مع الإرهاب والجيش مستعد للرد بكل الطرق الممكنة». وأضاف أن «الفلسطينيين يدركون تماماً أن سياستنا تغيرت». وبشأن الضفة الغربية حذر موفاز من أن الجيش الإسرائيلي سيعيد احتلال جميع القطاعات التي تطلق منها صواريخ أو قذائف.
وأضاف موفاز: «الجيش الإسرائيلي سيسيطر خلال بضع ساعات على جميع القطاعات التي يكون الفلسطينيون شكلوا فيها بنى تحتية لهذا الغرض».في هذه الإثناء أفادت مصادر عسكرية إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي تزود بطائرات استطلاع من دون طيار من طراز «هيرون» (ماشاتز ـ 1) ستشكل جزءا من نظامه الدفاعي في قطاع غزة بعد انسحابه. واشترى سلاح الجو الإسرائيلي هذه الطائرات المتطورة من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية مقابل مبلغ 50 مليون دولار حسب ما أفادت مصادر الشركة.
غزة ـ «البيان»
