اكد المستشار عبد الوهاب عبدول رئيس المحكمة الاتحادية العليا ان المحكمة تعاني من تراكم طعون النقض امام مختلف دوائرها وخصوصا المدنية والتي قد يطول البت فيها سنوات .
وأوضح ان ذلك يتسبب بآثار سلبية تضر بالعدالة وتمس مصداقية المحكمة والقضاء الاتحادي ويؤخر حقوق المتخاصمين والعمال واليتامى والأطفال والأرامل وقال ان الممارسات اليومية لتسجيل القضايا والطعون مازالت ذاتها المتبعة منذ تأسيس المحكمة منذ نحو 30 عاما. وعزا أسباب ذلك لنقص عدد القضاة وضعف الإدارة وإسناد مهمة نظر طعون النقض للمحكمة الاتحادية العليا داعيا لإنشاء محكمة نقض مستقلة.
وكشف عن وجود خطط لأرشفة أعمال المحكمة الكترونيا وإيجاد دوائر نوعية اعتبارا من بداية العام المقبل. وأشار لضعف علاقة المحكمة بنظيرتها في العالم واعتبر العام 2004 بداية انفتاح نحو خلق علاقات مع المحاكم العليا العربية .
وغيرها ولمشاركتها في العام الماضي بمؤتمر قضائي عالمي للقانون القضائي في البرازيل ولاتصالات أخرى مع محاكم عربية مشيرا لتطلعها لإقامة توأمة وعلاقات تفاهم وتبادل زيارات والاستفادة من تجارب الآخرين.
وأشاد عبدول في أول حوار صحافي خص به «البيان» بعد توليه مهام منصبة بمحاكم دبي وقال ان علاقات المحكمة الاتحادية العليا بشقيقتها في دبي لم تأخذ الطابع الرسمي رغم مرور ما يزيد على 15 عاما على انشاء محكمة تميز دبي وان العلاقة بين المحكمتين قائمة على علاقات الصداقة بين قضاتهما وأكد انه يسعى إلى إيجاد أوجه تعاون وتقارب من خلال تبادل الأحكام والاجتهادات وعقد اللقاءات الدورية.
ودعا لتوفير الحماية للصحافيين وإحاطتهم بضمانات تكفل لهم أداء مهامهم في جو من الطمأنينة وعدم حبسهم أو مساءلتهم في قضايا النشر والمطبوعات وان يتم التحقيق معهم في وجود محامين وان يتم نظر الدعاوي امام دائرة اختصاصية مؤكدا أهمية مطالبة الصحافيين بتشريعات تضمن حقوقهم.
وأكد ان اختصاصات المحكمة تقوم على تفسير احكام الدستور ومساءلة الوزراء وكبار موظفي الاتحاد والهيئات القضائية وفصل المنازعات بين الإمارات الأعضاء في الاتحاد والإمارة والإمارات والمحكمة الاتحادية وتنازع الاختصاصات بين الهيئات القضائية.
وفيما يلي نص الحوار:
* اختصاصات المحكمة
ـ هل لنا الوقوف على اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا؟
ـ بموجب دستور الدولة وقوانينها القضائية، فان المحكمة الاتحادية العليا هي أعلى هيئة قضائية اتحادية ويعتبر قضاتها من كبار قضاة الدولة ويعينون بمراسيم يصدرها رئيس الدولة بعد مصادقة المجلس الأعلى للاتحاد واختصاصاتها وردت في الدستور وبعضها الآخر في قانون انشاء المحكمة فيما وردت الأخرى في قوانين اتحادية متفرقة.
ومن بين اختصاصات الفصل في المنازعات المختلفة بين الإمارات الأعضاء في الاتحاد، أو بين اية إمارة أو أكثر وبين حكومة الاتحاد، متى أحيلت هذه المنازعة إلى المحكمة بناء على طلب أي طرف من الأطراف وبحث دستورية القوانين الاتحادية، اذ ما طعن فيها من قبل إمارة أو أكثر لمخالفتها لدستور الاتحاد.
وبحث دستورية التشريعات الصادرة عن إحدى الإمارات، اذا ما طعن فيها من قبل إحدى السلطات الاتحادية لمخالفتها لدستور الاتحاد أو للقوانين الاتحادية وتفسير احكام الدستور.
ويعتبر تفسيرها ملزما للجميع كما تنظر في الجرائم الماسة بأمن الاتحاد ومصالحه وتنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية المحلية ومساءلة الوزراء وكبار موظفي الاتحاد المعينين بمرسوم عما يقع منهم من أفعال في أداء وظائفهم الرسمية بناء على طلب المجلس الأعلى .
وتنازع الاختصاص بين هيئة قضائية في إمارة وهيئة قضائية في إمارة أخرى ونظر الطعون المرفوعة عن الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف الاتحادية ونظر الدعاوي التأديبية المرفوعة على رجال القضاء والنظر في الطعون المرفوعة عن قرارات مجالس تأديب المحامين، وفي التظلمات المرفوعة عن القرارات الصادرة من لجنة قيد الخبراء وتأديبهم والفصل في تظلمات رجال القضاء من قرارات تقدير التفتيش.
* اختيار القضاة
ـ كيف يتم اختيار قضاة المحكمة الاتحادية العليا؟
ـ حددت المادة (4) من قانون انشاء المحكمة الاتحادية العليا الشروط الواجب توافرها فيمن يتولى القضاء بالمحكمة. وقد استقرت الممارسة العملية خلال العقود الثلاثة الماضية ان يتم ترشيح قضاة المحكمة من طرف رئيس المحكمة الاتحادية العليا أو من طرف وزير العدل بصفته رئيس المجلس الأعلى للقضاء الاتحادي.
ويراعى عند الترشيح خبرة وكفاءة القاضي المرشح وأقدميته، كما يراعى حاجة المحكمة إلى القضاة وتخصصاتهم الدستورية والقانونية والشرعية، ويعرض الترشيح على المجلس الأعلى للقضاء الاتحادي فان تمت الموافقة عليه فعندئذ يتم اتخاذ إجراءات التعيين.
ـ كيف تنتهي ولاية القاضي في المحكمة ومتى يعزل، وما أسباب ذلك؟
ـ وفقا للمادة (97) من دستور دولة الاتحاد، فان رئيس المحكمة الاتحادية العليا وقضاتها لا يعزلون ابان توليهم القضاء. وطواعا لهذا الأمر الدستوري، فانه لا يجوز اتخاذ أي إجراء أو عمل ضد قاضي هذه المحكمة يؤدي إلى عزله. كإجباره أو الضغط عليه أدبيا أو نفسيا أو ماديا لتقديم استقالته أو إحالته إلى التقاعد أو نقله إلى وظيفة غير قضائية.
وبموجب ذات المادة فان ولاية قضاة المحكمة الاتحادية العليا لا تنتهي الا لأسباب الوفاة أو الاستقالة أو انتهاء مدة عقود المتعاقدين منهم أو مدة إعارتهم أو بلوغ سن الإحالة إلى التقاعد أو العجز عن القيام بمهام الوظيفة لأسباب صحية أو الفصل التأديبي.
أو إسناد مناصب أخرى اليهم بموافقتهم، وغالبا ما تنتهي ولاية القاضي بانتهاء مدة التعاقد أو الإعارة أو بلوغ السن القانونية. ولم يحصل في تاريخ المحكمة ان تم عزل أحد من قضاتها عزلاً مباشراً أو غير مباشر.
* تراكم الطعون لسنوات
ـ يقال ان المحكمة لا تزال تنظر في طعون مضى على قيدها بسجلات المحكمة أكثر من ثلاث سنوات. ما صحة ذلك، وما هي الآثار السلبية التي تترتب على تأخير الفصل في تلك الطعون، وما هي الأسباب الفعلية التي تسهم في عملية تأخر الفصل فيها، وما هو تصوركم العملي للخروج من هذه الأزمة؟
ـ من المؤسف والمحزن معا ان يكون هذا القول صحيحاً، فمنذ أكثر من خمس سنوات والمحكمة تعاني من معضلة تراكم طعون النقض امام دوائرها وخصوصا المدنية وتأخر الفصل فيها ويمكن تصوير هذه المعضلة من خلال المثال التالي «لو ان خصما قيد طعنه لدى قلم كتاب المحكمة في 10/ 9/ 2005م، فان هذا الطعن سوف لن تنظر فيه المحكمة قبل 10/ 3/ 2007م على الأقل» ناهيك عن المدة التي يستغرقها نظر الطعن.
ومن البديهي ان هذا التأخر يؤدي إلى إفراز اثار سلبية تضر قطعا بالعدالة وتمس بمصداقية محكمتنا العليا وقضائنا الاتحادي. فضلا عن انه يرتب اثارا تطال الخصوم وخلفاءهم.
وما ذنب العامل البسيط الذي قضي له بمستحقاته العمالية وطعن خصمه في الحكم، ان ينتظر لسنتين حتى تفصل المحكمة في الطعن ويصبح الحكم باتا ويستقر مركزه القانوني في النزاع كمحكوم له.
وما ذنب المدين في دين تجاري ان ينتظر لسنوات حتى تفصل المحكمة في طعنه وتحسب عليه فوائد الدين طوال مدة تأخر نظر الطعن. وتصبح المعضلة اكبر فيما لو نقض الحكم وأعيدت القضية إلى محكمة الاستئناف التي أصدرت الحكم لنظر القضية من جديد بهيئة مغايرة.
وما جريرة أطفال صغار يتامى توفي والدهم اثر حادث وقضي لهم بتعويض، ان ينتظروا كل هذه السنين ليحصلوا على التعويض في وقت هم في أمس الحاجة إلى صرف التعويض بصورة عاجلة لمواجهة متطلبات حياتهم الضرورية بعد وفاة والدهم ومعيلهم، والأمثلة على الآثار السلبية لهذا التأخر أكثر من ان تعد وتحصى.
ـ من وجهة نظركم.. ما الأسباب التي تسهم في عملية تأخر الفصل في الطعون؟
ـ ليس من السهل شرح كل الأسباب التي تسهم في عملية تأخر الفصل في الطعون، ولكن من الممكن ذكرها بايحاز: فهناك أسباب تاريخية خاصة بالمحكمة كمشكلة نقص عدد القضاة التي عانتها المحكمة، وضعف الإدارة، وإسناد مهمة نظر طعون النقض إلى المحكمة الاتحادية العليا في وقت كان من الأفضل انشاء محكمة نقض مستقلة.
وهناك أسباب تعود إلى القوانين الإجرائية المعمول بها وخصوصا قانون الإجراءات المدنية، وأخيرا فان الخصوم لهم كذلك دور في زيادة حدة معضلة تراكم الطعون ولاسيما أولئك الذين يرفعون طعنهم بدافع اللد في الخصومة أو بغرض كسب الوقت وإطالة امد النزاع. ولقد طرحت عدة أفكار عملية لحل معضلة التراكم وتأخر الفصل في الطعون من طرف عدة أشخاص وجهات.
وان كنت أزعم انني أول من نبه إلى هذه المعضلة وطرح أفكارا عملية لحلها، وذلك في عام 2000 من خلال ثلاث حلقات بحث نشرتها «مجلة الميزان» التي تصدرها وزارة العدل وان الأفكار العملية لحل هذه المعضلة توجز في تعديل بعض القوانين وزيادة عدد القضاة ودوائرها.
وتزويد المحكمة بعدد من الكتاب والمحضرين الأكفاء، إدخال نظام الحاسب الآلي، ولكن يبدو ان التعقيدات البيروقراطية تؤخر تطبيق أي حل عملي وجدي لحل هذه المعضلة وبالقول ان المحكمة العليا هي محكمة قانون، وان الطعن بطريق النقض لا يوقف تنفيذ الحكم الاستئنافي، وان التأخر سمة تلازم المحاكم العليا العربية وغيرها، يعتبر خطأ غير مقبول.
ففي الدول التي يتأخر فيها نظر الطعون والفصل فيها لسنوات فان أرقام الطعون المسجلة تبلغ مئات الآلاف، وان إعداد سكانها يبلغ المئات بل والملايين من السكان، وهذا لا ينطبق على دولة الإمارات بطبيعة الحال، ان المعضلة تزداد تعقيدا وتكبر مساحة سنة بعد سنة.
وانها معرضة لان تصبح اكبر تحد تواجهه المحكمة العليا ان لم يتم تطبيق الأفكار العملية التي طرحت بشكل عاجل وسريع وانني وبصفتي رئيسا للمحكمة الاتحادية العليا اطلب وبالحاح من جميع سلطات الدولة ومن بينها مجلس الوزراء المساهمة الفعلية في حل هذه المعضلة حرصا على سمعة قضائنا الاتحادي.
* أرشفة الأعمال
ـ هل لديكم خطة لأرشفة أعمال المحكمة الكترونيا، وهل تم تحقيق شيء ما في هذا الصدد؟
ـ توجد في وزارة العدل إدارة تسمى «إدارة الحاسب الآلي»، وقد اجتمعت ببعض فييني هذه الإدارة وتناقشت معهم في خطة أرشفة المحكمة وقلمها ومكتبها الفني وأبديت بعض الملاحظات على الخطة المقدمة من تلك الإدارة، كما اجتمع فنيو الإدارة مع كبير كتاب المحكمة. ورغم تكرار الاجتماعات فانها لم تسفر عن شيء عملي حتى الان.
انني سمعت «جعجعة» هذه الإدارة وانني في انتظار طحينها. ان حوسبة القضاء ضرورة لا غنى للمحاكم عنها وخصوصا المحكمة الاتحادية العليا، لانه حينما يتم الحديث عن القضاء في اية دولة فانما يقصد به محاكمها العليا، ان دولا عربية عديدة لا تعتبر من الدول الغنية أدخلت نظام الحاسب الآلي في محاكمها العليا منذ فترة طويلة.
في حين اننا في المحكمة الاتحادية العليا لا نزال نتعامل مع نظام إداري وقلمي مضى عليه أكثر من ثلاثين سنة. فمما يؤسف له حقاً ان تكون طرق ووسائل تسجيل الطعون والدعاوي والطلبات وقيدها وإعلان الأوراق القضائية وغيرها، هي ذاتها التي كان معمولا بها عند انشاء المحكمة والتي تعتمد على القيد اليدوي والسجلات المتعددة والأرقام المزدوجة بين أرقام مدنية شرعية، ومدنية، وجزائية شرعية، وجزائية، وأحوال شخصية وغيرها.
في حين اننا في الدولة لدينا تجربة رائدة وفريدة في مجال حوسبة القضاء، تتمثل في تجربة دائرة محاكم دبي. وانني اعتقد اعتقاداً جازماً ان تجربة دبي في هذا الصدد يمكن الأخذ بها في ميدان القضاء الاتحادي بعد إدخال تعديلات طفيفة عليه، وان الأمر لا يحتاج إلى كل هذه الفلسفة.
ـ هل من الممكن زيادة عدد دوائر المحكمة، أو إيجاد فروع لها في أماكن أخرى من الدولة؟
ـ بالنسبة للشق الأول من السؤال، فان زيادة عدد دوائر المحكمة هو أحد وسائل حل معضلة تراكم الطعون امام المحكمة وتأخر الفصل فيها، وهناك خطة واضحة لزيادة عدد الدوائر النوعية اعتبارا من بداية عام 2006 ان شاء الله تعالي، الا ان تنفيذ هذه الخطة وتفعيلها يعتمد بالدرجة الأولى على زيادة عدد قضاة المحكمة.
ومن المؤمل انشاء دائرة أو أكثر لنظر المواد التجارية وقد تم بالفعل انشاء المبنى الخاص بهذه الدائرة وتجهيزها بالأثاث والأدوات اللازمة، ونحن في انتظار وصول قضاة لها وتعيين عدد من أمناء السر والجلسات لهذه الدائرة.
كما تم انشاء دائرة إدارية تختص بنظر الطعون المرفوعة عن الأحكام الصادرة في الدعاوى الإدارية كما تتضمن الخطة انشاء دائرة للأحوال الشخصية ودائرة للمنازعات العمالية، اضافة إلى الدوائر القائمة حاليا.
والأمر مرهون بزيادة عدد القضاة. وسوف تشهد «الاتحادية العليا» تحولات جذرية في عدد دوائرها ونوعيتها وفي أساليب وطرق أدائها لعملها اذا حصلت على الدعم اللازم والكافي من سلطات الاتحاد.
اما بخصوص الشق الثاني من السؤال، وبدون الدخول فيما اذا كان قانون المحكمة يسمح بإنشاء دوائر لها خارج مقرها في عاصمة الاتحاد (مدينة أبوظبي) فان الحاجة لا تبدو في الوقت الحاضر ماسة إلى انشاء دوائر للمحكمة في الإمارات الأخرى، وعلى حد علمي فانني اسمع بأن محكمة اتحادية عليا في دولة اتحادية انشأت لها فروعا في عواصم أو مدن الولايات المكونة للاتحاد.
* حضور السجناء
ـ غالبا ما يتم طلب السجين من مختلف سجون الدولة إلى مقر المحكمة الاتحادية العليا لأداء اليمين على عدم مقدرته تسديد رسوم الطعن. من وجهة نظركم، الا يمكن للسجين ان يؤدي اليمين امام القاضي في مقر المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه؟
ـ فكرة وجيهة، لكن الأخذ بها يتطلب تعديل بعض نصوص قانون انشاء المحكمة وكذلك بعض نصوص قانون الرسوم القضائية الاتحادية.
ـ تعيد المحكمة الاتحادية العليا إلى محكمة الاستئناف بعض القضايا لنظرها من جديد بهيئة مغايرة. ما سبب هذه الإعادة؟
ـ الأصل ان محكمة النقض هي محكمة قانون، وانها حينما تنظر في الطعن فانها اما ان ترفضه فيصبح الحكم المطعون فيه حكما باتا، واما ان تنقضه وتحيله إلى محكمة الاستئناف التي اصدرته لتعيد محكمة الاستئناف نظر القضية من جديد في حدود المسألة القانونية التي نقض الحكم من اجلها.
وبحث المسألة القانونية والفصل في موضوع النزاع على أساسها قد يحتاج إلى تحقيق موضوعي يخرج عن نطاق اختصاص محكمة النقض فضلا عن ان نظر محكمة النقض لموضوع النزاع يفوت على المتقاضين درجة من درجات التقاضي في المسألة القانونية التي نقض الحكم بسببها.
والحكمة من إحالة القضية إلى هيئة مغايرة، ابعاد شبهة تأثر الهيئة السابقة بقضائها السابق فيما لو اعيدت اليها القضية ثابتة بعد نقضها واحالتها. لكن المشرع الزم محكمة النقض التصدي وعدم الإحالة في حالتين اذا كان الموضوع صالحا للحكم فيه أو كان الطعن للمرة الثانية. في هاتين الحالتين تفصل محكمة النقض، اذا نقضت الحكم، في موضوع النزاع ولا تحيل القضية إلى محكمة الاستئناف.
ـ ما دور المكتب الفني للمحكمة الاتحادية العليا؟
ـ يعتبر المكتب الفني أحد أجهزة المحكمة الاتحادية العليا، ويتبع رئيس المحكمة مباشرة، يتألف المكتب من رئيس وعدد كاف من الأعضاء يختارون من بين رجال القضاء أو اعضاء النيابة العامة أو أعضاء دائرة الفتوى والتشريع أو غيرهم من المشتغلين بالأعمال القانونية التي تعتبر نظيرا للعمل القضائي كالمحاماة والتدريس في كليات ومعاهد القانون.
وطبقا للمادة (14) من قانون المحكمة فان المكتب يختص باستخلاص القواعد القانونية التي تقررها المحكمة فيما تصدره من أحكام وتبويبها وفهرستها بحيث يسهل الرجوع اليها والإشراف على نسخ الأحكام وطبعها في مجموعات ونشرها.
وإعداد البحوث الفنية التي يطلبها رئيس المحكمة أو إحدى دوائرها، والإشراف على جدول المحكمة وقيد القضايا والطعون والطلبات، وسائر المسائل التي يحيلها عليه رئيس المحكمة.
ـ ما هو نوع وحدود العلاقة بين المحكمة الاتحادية العليا، والمحاكم العربية بصفة عامة ومحكمة تمييز دبي بصفة خاصة؟
ـ عاشت المحكمة الاتحادية العليا خلال سنوات عمرها الماضية في عزلة تكاد تكون شبه تامة عن شقيقاتها العربيات، رغم وجود اطار قانوني يسمح بإيجاد علاقات وثيقة بينها وبين غيرها من المحاكم العليا العربية.
وذلك من خلال الاتفاقيات الثنائية للتعاون القضائي التي أبرمتها الدولة وحتى علاقة إعارة القضاة للعمل في المحكمة الاتحادية العليا، فانها كانت تتم عبر وزارة العدل وليس عبر المحكمة. اما علاقتها بقريناتها المحاكم العليا الأجنبية كالمحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية أو المحكمة الاتحادية في ألمانيا أو محكمة التمييز الفرنسية. فهي معدومة تماما.
ويعتبر عام 2004 هو بداية انفتاح المحكمة وسعيها نحو خلق علاقات مع المحاكم العليا العربية وغير العربية، اذ تم التعريف ولأول مرة بالمحكمة الاتحادية العليا لدى الجهات القضائية في الجمهورية الفرنسية وخصوصا محكمة النقض الفرنسية وذلك خلال الزيارة التي قام بها وفد وزارة العدل برئاسة معالي وزير العدل إلى الجمهورية الفرنسية في ذات العام وشاركت المحكمة في تأسيس اتحاد المحاكم العربية العليا لحماية البيئة.
وخلال العام الحالي شاركت المحكمة الاتحادية العليا ممثلة في رئيسها في المؤتمر القضائي العالمي الثاني للقانون القضائي الذي انعقد في البرازيل، كما تم خلال هذا العام الاتصال بمحكمة التمييز بدولة الكويت التي بادرت مشكورة إلى تزويد مكتبة المحكمة الاتحادية بمجموعات الأحكام التي أصدرتها محكمة التمييز الكويتية. وتدرس المحكمة الاتحادية العليا حاليا إمكانية انضمامها إلى اتحاد المحاكم والمجالس العربية الدستورية.
وهي تتطلع إلى تعزيز علاقاتها مع المحاكم العليا العربية والأجنبية عبر آلية التوأمة وتوقيع مذكرات التفاهم وتبادل الزيارات والأحكام والاجتهادات القضائية، والقاء المحاضرات والاستفادة من تجارب وخبرات المحاكم العليا الأخرى.
اما عن العلاقة بين المحكمة الاتحادية العليا وشقيقتها محكمة تمييز دبي، فانه وعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة عشر عاما على انشاء محكمة تمييز دبي فان العلاقة بين المحكمتين لم تأخذ طابعا رسميا. فلا تزال العلاقة بينهما قائمة على المعرفة الشخصية بين قضاة المحكمتين.
وان نطاق التعاون وحدوده قائم على الصلات الفردية، وليس على أساس مؤسسي مدروس ومخطط. حيث اسعى إلى إيجاد أوجه تعاون وتقارب بين المحكمتين من خلال تبادل الأحكام والاجتهادات القضائية وعقد الاجتماعات الدورية بين قضاة المحكمتين ما امكن ذلك، والتشاور حول المسائل القانونية المهمة.
ولقد بدأ التعاون بين المحكمتين فعلا، اذ غدا بامكان قضاة المحكمة الاتحادية العليا ومكتبها الفني الاستفادة من خدمة الأحكام والاجتهادات القضائية التي توفرها دائرة محاكم دبي على موقعها في شبكة المعلومات الدولية «الانترنت». وسوف نعمل خلال الأشهر المقبلة على تأسيس خدمة تبادل الأحكام بين المحكمتين أولا بأول فور صدورها والانتهاء من طباعتها.
ـ ما العلاقة بين المحكمة الاتحادية العليا، ومعهد التدريب والدراسات القضائية؟
ـ العلاقة بين المحكمة ومعهد التدريب والدراسات القضائية بأبوظبي تبادلية وظيفية. فالمحكمة الاتحادية العليا تستعين بإمكانيات المعهد وكفاءاته الفنية لتدريب موظفيها الإداريين والقلميين لتعزيز وتنمية المهارات العلمية لديهم، كما يعقد المعهد دورات مركزة لهم في مجال اللغة الانجليزية والحاسوب. وتدرس المحكمة حاليا فكرة عقد دورات خاصة في اللغة الانجليزية والحاسوب لقضاة المحكمة .
وسيكون الالتحاق بها اختياريا والمعهد يستعين بقضاة المحكمة لإلقاء المحاضرات في فروع القانون المختلفة ولاسيما في ضوابط تسبيب الأحكام على منتسبيه من المتدربين القضائيين وغيرهم وتفتح أبواب مكتبتها لمنتسبي المعهد للإطلاع على المراجع القيمة التي تحتويها كما تفتح لهم قاعاتها لتدريبهم على إجراءات الجلسات وإدارتها في محاكمات مدرسية يديرها المنتسبون بأنفسهم تحت إشراف مدربيهم والمحكمة في مجلس إدارة المعهد.
محاكمة الصحافيين
ـ ما هي وجهة نظركم حول محاكمة الصحافيين في قضايا النشر؟
ـ الصحافة وكما قيل بحق هي السلطة الرابعة، والصحافيون هم أعضاء هذه السلطة ورجالها، وهم حينما يتناولون قضايا المجتمع ومشاكله فهم انما يبتغون المصلحة العامة ولا يقصدون الإساءة إلى أحد أو التشهير به. وهذا هو الأصل في عملهم ومن يدعي خلاف هذا الأصل فعليه ان يثبت ما يدعيه.
ولأن العمل الصحافي الجاد والهادف الذي يلامس واقع المجتمع وقضاياه لا يكون الا في وجود هامش واسع من الحرية للصحافة وإلى شعور الصحافي بالأمن ومن ثم فانه يتعين ان يحاط الصحافيون بسياج من الضمانات تكفل لهم أداء مهمتهم في جو من الاطمئنان، ومن بين تلك الضمانات توفير الحماية القانونية حينما يكون الصحافي محل مساءلة جنائية سواء في مرحلة التحقيق أو في مرحلة المحاكمة .
ومن بين أوجه تلك الحماية حظر حبس الصحافي حبسا احتياطيا، ووجوب ان يتم التحقيق معه في النيابة العامة بمعرفة عضو النيابة لا تقل درجته عن رئيس نيابة، وان يكون حضور المحامي مع الصحافي الزاميا في كافة مراحل التحقيق والمحاكمة، وان يتم نظر الدعوى امام دائرة متخصصة في قضايا الصحافة والنشر والمطبوعات. وبطبيعة الحال فان هذه الضمانات لا تعطى ولا توفر للصحافي الا حينما يكون محل مساءلة عن جريمة أسندت اليه بسبب مهنته.
اما الأفعال التي يرتكبها بصفته الشخصية و خارج مهنته والتي تشكل جرما جنائيا فانه يعاقب عنها كأي شخص عادي. انني اعتقد انه يجب على الصحافيين ان يكافحوا عبر الوسائل الشرعية والدستورية المتاحة لهم عن حقوقهم، وان يكون لهم دور بارز وملموس في أي مشروع قانون يتعلق بمهنتهم، والا ينتظر ان يقوم الاخرون بهذا الدور فالمثل يقول «ما حك جلدك مثل ظفرك».
ـ ما دور المحامين في حل مشكلة تراكم الطعون امام دوائر النقض بالمحكمة الاتحادية العليا؟
ـ المحاماة مهنة حرة، يطلق عليها وبحق «القضاء الواقف». والمحامون هم رجال هذه المهنة، وللمحامين دور كبير في حل معضلة تراكم الطعون امام دوائر النقض بالمحكمة الاتحادية العليا وقد تناولت مسألة دور المحامين في حل هذه المعضلة عبر مقال مفصل نشرته مجلة الميزان في عددها رقم (64).
فالمحامي بحكم خبرته ومهنيته القانونية واتصاله بالخصوم، يستطيع ان يساهم في حل المعضلة وذلك عبر اسداء النصح لموكله وإفهامه ان المنافع التي يبتغيها من إقامة الطعن لا تساوي شيئا مقابل الخسائر والأضرار المادية والأدبية التي قد تلحق به.
وبأن تسوية النزاع صلحا خير له من إقامة الطعن أو الاستمرار فيه، وان ترك الطعن اجدى من المضي فيه، لاسيما اذا كان ظاهر الحال يقطع بان مآل الطعن اما الرفض أو عدم القبول أو عدم الجواز.
ـ بصفتكم أول مواطن يتولى رئاسة المحكمة الاتحادية العليا، هل من كلمة لزملائك أعضاء السلطة القضائية؟
ـ أقول لزملائي انه يجب علينا جميعا ان ندرك جيدا ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين، ان القانون في العالم كله يشهد تحولات جذرية وعميقة ليس في موضوعاته فحسب بل وفي نظرياته الأساسية الكبرى وفي طبيعة دوره و أهدافه، وكذلك في وسائل فهمه وآليات تطبيقه وتنفيذه، ففي عالمنا المعاصر يقف القانون والسياسة معا.
وتفرض التجارة رأيها على القانون، ويتقاطع الاقتصاد مع القانون، ويعبر القانون الدولي إلى القانون الداخلي، ويؤثر القانون الداخلي في القانون الدولي، أقول لزملائي ان قاضي القرن الحادي والعشرين ليس هو ذلك القاضي الذي يكتفي ببعض المراجع العتيقة في مكتبته لينكب عليها ويستخرج منها لما يظنه حلا للمشكلة المعروضة عليه.
والمطلوب منه الفصل فيها بحكم قضائي، ان قاضي قرننا الحالي هو ذلك القاضي الذي يعي التحولات العميقة التي يشهدها القانون، ويجيد لغة أجنبية واحدة على الأقل، ويحسن التعامل جيدا مع وسائل تقنيات المعلومات بما فيها الاستفادة القصوى والمثلى من شبكة المعلومات الدولية «الانترنت».
فبفضل هذه الوسائل أصبح الحصول على المعلومة القانونية سهلاً وميسوراً بعد ان كان الحصول عليها يستغرق البحث في مئات المراجع ويستغرق العشرات من الساعات. أقول لزملائي اننا جميعا يجب ان نرتقي إلى مصاف التحديات القانونية التي يطرحها القرن الحادي والعشرون، وهذا ليس بمستحيل اذا وجدت الإدارة الجادة.
* أ ول رئيس للمحكمة الاتحادية العليا
ـ عين المستشار عبد الوهاب عبدول رئيسا للمحكمة الاتحادية العليا كأول مواطن في هذا المنصب منذ تاريخ تأسيس المحكمة قبل نحو 30 عاما بمرسوم صدر عن صاحب السمو رئيس الدولة في التاسع والعشرين من ابريل الماضي.
ـ سبق ان تدرج في عدد من المناصب القضائية منها وكيل للنيابة العامة ورئيس لها ومحام عام لنيابة الاستئناف وقاض فيها ورئيس لها.
ـ وقبل تولي منصبه الحالي عمل قاضيا في المحكمة الاتحادية العليا.
ـ حاصل على عدد من الشهادات الجامعية منها بكالوريوس في القانون ودبلوم دراسات عليا في العلامات الدولية وآخر في العلوم السياسية وماجستير في القانون الدولي وله العديد من البحوث والمؤلفات المنشورة في الدوريات العربية المختصة منها «مدى مشروعية المتغيرات الإقليمية الناتجة عن استخدام القوة» «حالة الجزر العربية الثلاث» ومؤلف حول تاريخ المحكمة الاتحادية العليا وآخر حول حقوق الإنسان وأخرى في الطريق.
أجرى الحوار : إبراهيم السطري
