مع اقتراب موعد تطبيق قرار وزارة الصحة تخفيض هامش الربح لوكلاء الأدوية والصيدليات في الدولة اعتباراً من الخامس عشر من الشهر الجاري تسود حالة من الخوف والترقب جميع الأوساط الصيدلانية نظراً لارتفاع الإيجارات وكثرة الالتزامات المالية المترتبة على الصيدليات.
وأكد عدد من الصيادلة ووكلاء الأدوية أن الفترة المقبلة ستكون مرحلة حاسمة للعديد من الصيدليات الصغيرة التي ستبتلعها الصيدليات الكبيرة، وأعربوا عن تخوفهم من حدوث حالات إغلاق وهروب لأصحاب بعض الصيدليات نظرا لعدم قدرتهم على الوفاء بالالتزامات المالية المترتبة عليهم .
وطالبوا بضرورة الإسراع في تأسيس جمعية للصيادلة لتنسيق المواقف وإيصال آرائهم ومقترحاتهم إلى المسؤولين في وزارة الصحة. ولكن في المقابل ترى وزارة الصحة بان قرار تخفيض هامش ربح الوكلاء والصيدليات جاء لإنصاف جميع أطراف المعادلة، الوكلاء والصيدليات والمستهلكين، ولم يتم اتخاذه بطريقة عشوائية أو ارتجالية وإنما بعد دراسة معمقة لأسعار الأدوية في الدولة والدول المجاورة.
وأشارت الوزارة إلى أنه لا رجعة عن القرار، وقد تم تعميمه على جميع وكلاء الأدوية والصيدليات في الدولة، وأن الوزارة ستقوم بعد تطبيق القرار بجولات تفتيشية على الوكلاء والصيدليات للتأكد من التزامهم بتطبيق القرار.
رئيس شعبة الصيدلة في جمعية الإمارات الطبية من جانبه رد على المطالبين بإنشاء جمعية للصيادلة قائلاً: « لدينا شعبة للصيادلة في الجمعية ويمكن العمل من خلالها ولكن أين الأعضاء»؟! والى التفاصيل في سياق هذا التحقيق:
بداية يقول حميد الشامسي وكيل وزارة الصحة المساعد لشؤون الصيدلة والتموين: «قرار تخفيض هامش ربح الوكلاء من 55% إلى 44% وهامش ربح الصيدليات من 19% إلى 15% اعتبارا من منتصف الشهر الجاري باعتقادنا منصف لجميع الأطراف، الوكلاء والصيادلة والمستهلكين، ولم يتم اتخاذه بطريقة عشوائية أو ارتجالية وإنما جاء بعد دراسة معمقة لأسعار الأدوية في الدولة ومقارنتها مع أسعار الأدوية في الدول الخليجية المجاورة» .
وردا على سؤال حول مدى استفادة المستهلكين من هذا القرار قال الشامسي « عدد أصناف الأدوية المسجلة في وزارة الصحة يصل إلى حوالي 6745 صنفا ومع تطبيق القرار ستنخفض أسعار ما يقارب من 4113 صنفاً منها للمستهلكين بنسبة تصل إلى حدود 7% و2250 صنفا من الأدوية وهي الأدوية العربية المسعرة بالعملات المحلية لن يطرأ عليها أي تغيير .
ولكن هناك حوالي 382 صنفا من الأدوية الأوروبية سيطرأ ،عليها زيادة تصل إلى حدود 5,6% نظرا لتعديل سعر صرف اليورو أي بمعنى أن هناك أصنافاً ستخفض أسعارها وأخرى ستحافظ على أسعارها السابقة وبعض أصناف الأدوية سيطرا عليها ارتفاع بسيط.
وأشار إلى أن الوزارة قامت بتعميم القرار على جميع وكلاء الأدوية والصيدليات وسيكون هناك حملات تفتيشية بعد الخامس عشر من الشهر الجاري للتأكد من التزام الجميع بتطبيق القرار.
ويؤكد الدكتور فضل الجلاد مستشار وزارة الصحة للشؤون الدوائية بأن القرار منصف لجميع أطراف المعادلة، مشيرا إلى أن هامش الربح للوكلاء والصيادلة ما زال يعتبر أكثر من الدول الخليجية المجاورة، حيث تصل نسبة هامش ربح وكيل الأدوية في السعودية مثلاً إلى حوالي 34% ولدينا 45 % وهامش ربح الصيدليات هناك 14% ولدينا 15%.
ويضيف أن مبيعات وأرباح الصيدليات تعتمد على حجم البونص الذي تحصل عليه من وكلاء الأدوية إضافة إلى السلع الأخرى التي تبيعها دون تدخل من الوزارة مثل مستحضرات التجميل والحليب ومستلزمات الأطفال وأدوية الكاونتر والأصناف التي تصرف بدون وصفة طبية وبالتالي فان تأثرها من تخفيض هامش الربح لن يتأثر كثيراً.
* الصيدليات
كريم دياب صاحب صيدلية في دبي يرى بان قرار الوزارة الذي سيبدأ تطبيقه اعتباراً من الخامس عشر من الشهر الجاري والقاضي بتخفيض هامش ربح الصيدليات سيلحق أضراراً جسيمة بأصحاب الصيدليات الصغيرة وانتعاشا للصيدليات الكبيرة أي بمعنى آخر «السمكة الكبيرة ستبتلع الصغيرة» والبقاء بالطبع سيكون للأقوى .
ويري بأن تخفيض هامش الربح يجب أن يطبق على وكلاء الأدوية وليس على الصيدليات، مشيراً إلى أن تاجر الجملة «الوكيل» يعتمد على البيع بكميات كبيرة في حين يعتمد الصيدلي على البيع بالتجزئة وهذا النظام مطبق في كل دول العالم .
وأوضح أن الصيدليات الكبيرة والقوية التي تمتلك سيولة مالية ومستودعات للتخزين بإمكانها شراء كميات كبيرة من الأدوية للحصول على البونص «عبوات مجانية على كل صنف من أصناف الأدوية» التي يمنحها الوكيل أو الموزع ، وبالتالي بإمكانها تعويض ما ستفقده جراء تطبيق قرار تخفيض هامش ربح الصيدليات لا بل وتحقيق المزيد من الأرباح.
أما الصيدليات الصغيرة ذات السيولة المحدودة والتي لا تمتلك مستودعات للتخزين فستعاني الأمرين، مشيراً إلى أن أي صيدلية تقل مبيعاتها اليومية عن الألفي درهم سوف تجد نفسها في وضع حرج خلال ستة أشهر من بدء تطبيق القرار.
وسيجد صاحب الصيدلية نفسة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإغلاق وإما إعلان الإفلاس لعدم قدرته على الوفاء بالالتزامات المترتبة على الصيدلية من رسوم تجديد الرخص ورواتب الموظفين وفواتير الماء والكهرباء والارتفاع المتواصل في الإيجارات .
* مقارنة غير عادلة
ويرى كريم دياب بان مقارنة هامش الربح في الدولة مع الدول الخليجية الأخرى من قبل وزارة الصحة هي مقارنة غير عادلة، فمثلاً الإيجارات والأسعار بشكل عام هناك أقل بكثير مما هي عليه في الدولة وتعداد السكان في بعض الدول الخليجية أربعة أضعاف السكان في الدولة .
وهذا كله من العوامل التي تلعب دورا في الأسعار وهامش الربح، فمثلاً دولة تعداد سكانها 60 مليوناً يحصل وكيل الأدوية فيها على أسعار من الشركة المصنعة تقل بكثير عن السعر الذي تعطيه لوكيل في دولة لا يزيد عدد سكانها عن 5 ملايين نسمة وبالتالي يجب مراعاة كل هذه الأمور.
وطالب كريم دياب بضرورة الإسراع في تأسيس جمعية للصيادلة في الدولة أسوة بما هو موجود في الدول العربية والخليجية المجاورة لإيصال ونقل رأي الصيادلة للمسؤولين في الدولة وإنصافهم.
* مرحلة حاسمة
وفي السياق نفسه تقول سهير حمدان صيدلانية: اعتقد بأن الأشهر الثلاثة المقبلة ستشهد عملية هروب وبيع وإغلاق لعدد كبير من الصيدليات خاصة الصيدليات الصغيرة المنتشرة في الأحياء ولا ترتبط باتفاقيات مع بعض المراكز الصحية والعيادات الخاصة، لان مثل هذه الصيدليات مطالبة ببيع ما قيمته ألفان إلى ثلاثة آلاف درهم يومياً لتغطية نفقاتها.
وبطبيعة الحال لن تكون قادرة على ذلك لان مبيعاتها محدودة، كما يجب أن لا ننسى أيضا أن المواطنين الذين يشكلون قوة شرائية كبيرة يحصلون على أدويتهم مجانا من المستشفيات الحكومية وبالتالي فإن عملية بيع الأدوية تعتمد على الوافدين الذين يعتمدون على شراء الأدوية بكميات قليلة ومنهم من يطلب بالحبة .
* ضبط الأسواق
وترى بأن تحديد الأسعار وهامش الربح للوكلاء والصيدليات يجب أن يتزامن مع ضبط الأسواق ووضع حد للارتفاع المتواصل في أسعار المحلات والإيجارات ورسوم المدارس والسلع الاستهلاكية والبنزين والديزل الذي ارتفع بنسبة 30% مرة واحدة .
وان لا يقتصر الموضوع على رقابة أسعار الأدوية، وقد سمعنا عن خطوات من قبل وزارة الاقتصاد قبل فترة ولكن لم نر أي تطبيق لتلك الخطط لغاية الآن .
وحول مدى استفادة المستهلك من تخفيض هامش ربح الوكلاء والصيدليات المزمع تطبيقه في الخامس عشر من الشهر الجاري تقول بعض الأدوية الأميركية والعربية ستنخفض بشكل طفيف ولكن الأدوية الأوروبية التي يأتي من ضمنها العديد من أصناف الأدوية المزمنة سترتفع وبالتالي سيشعر المستهلك بان أسعار الدواء قد ارتفعت وسيعود مرة ثانية للمطالبة بتخفيض الأسعار أي بمعنى أن هذه الدوامة لن تنتهي إلا في حالة تطبيق التأمين الصحي.
وتضيف في السابق عندما كان هامش الربح المحدد للصيدليات بـ 25% كان هناك هامش لإعطاء خصم للزبائن يصل إلى 10% أما بعد تحديد هامش الربح للصيدليات بـ 15% فلا أعتقد أن هناك أي صيدلي سيقوم بمنح أي خصم على سعر الأدوية لان ذلك سيكون على حساب فائدته.
وأشارت إلى أن هناك بعض وكلاء الأدوية بدأوا يتشددون مع الصيدليات سواء من ناحية رفض تزويدهم بكميات كبيرة من الأدوية أو من خلال مطالبتهم بشيكات بتواريخ غير بعيدة تخوفا من احتمالية البيع أو الهروب أو الإغلاق.
* الوكلاء
الدكتور إسماعيل الرفاعي من مستودع الاتحاد للأدوية يرى أن الانعكاسات السلبية لن تتوقف فقط على الصيدليات وإنما ستطال أيضا الوكلاء لان هامش الربح انخفض من 70% إلى 55 % نهاية العام الماضي وقرار الوزارة الذي سيتم تطبيقه في الخامس عشر من الشهر الجاري يخفض هامش ربح الوكيل من 55% إلى 44%.
وهذا بطبيعة الحال سيؤثر على الوكلاء وهذه الأصناف ترتبط بالأمراض المزمنة وهي الأكثر طلبا واستخداما من قبل المستهلكين وبالتالي سيشعر المستهلك بان أسعار الأدوية ارتفعت بدلا من أن تنخفض .
* الدعم الحكومي
ويرى الدكتور إسماعيل الرفاعي أن تخفيض هامش ربح وكلاء الأدوية جاء في وقت شهدت فيه أسعار البنزين والديزل زيادة بنسبة 30 % و هذا سيؤدي بالطبع إلى ارتفاع كافة أسعار السلع الاستهلاكية لأن الإمارات من الدول المستوردة وبالتالي تخفيض هامش ربح وكلاء الأدوية المقرر قبل زيادة أسعار البنزين والديزل يحتاج إلى مراجعة ثانية.
أو إنشاء جهاز للرقابة على أسعار السلع الاستهلاكية كما هو الحال بالنسبة للأدوية واعتقد ـ والكلام للدكتور الرفاعي ـ بأن الحل الأفضل لحل معضلة أسعار الأدوية هو الدعم الحكومي كما هو الحال في بعض الدول العربية.
* الأدوية المهربة
ويرى الدكتور إسماعيل الرفاعي أن المشكلة التي تؤرق كاهل الوكلاء وتؤثر بشكل كبير على مبيعات معظم الصيدليات تكمن في الأدوية المهربة التي يتم تهريبها من دول جنوب وجنوب شرق آسيا ومنها تحديدا الأدوية المتعلقة بالأمراض المزمنة مثل السكري والضغط والدهون والكلى والقلب.
وهذه الأدوية تباع في بعض الصيدليات لا بل إن هناك من الأطباء من يصرفونها لمرضاهم من داخل العيادات، ناهيك عن أن معظم مرضى الأمراض المزمنة باتوا يحضرون أدويتهم معهم من بلدانهم أثناء قضائهم لإجازاتهم تكفيهم لمدة ثلاثة أشهر، وهو السقف الذي تسمح به الوزارة.
ويقول إن مبيعات الوكيل والصيدلي تعتمد بنسبة 80% على مشتريات الوافدين، ومما لا شك فيه أن فقدان أي نسبة مهما كانت بسيطة من الشريحة المستهلكة للأدوية للأسباب السابقة سيؤثر على الوكيل والصيدلي وبالتالي لا بد من فرض رقابة محكمة على عمليات تهريب الأدوية ووقف الأطباء الذين يقومون بصرف الأدوية للمرضى من عياداتهم عن ممارسة المهنة .
وهو الحد الأدنى المطلوب من الجهات الرقابية لحماية المستهلكين في المقام الأول لان معظم هذه الأدوية نسبة المادة الفعالة قليلة جداً، هذا إن وجدت من أصله وبالتالي قد يتناول المريض الدواء وتزداد حالته سوءاً وحماية الوكيل والصيدلي أيضا من التجارة الموازية .
* الجمعية مطلب قديم
الدكتور علي السيد رئيس شعبة الصيدلة في جمعية الإمارات الطبية قال إن موضوع إنشاء الجمعية مطروح منذ سنوات طويلة ولكنه ما زال يراوح مكانه ولم يحظ بالدعم المطلوب لا من قبل الجهات المعنية ولا حتى من قبل الصيادلة أنفسهم.
وأشار إلى أن عدد الصيادلة المسجلين في الشعبة يكاد لا يذكر مقارنة بأعداد الصيادلة الموجودين في الدولة وذلك على الرغم من أن باب العضوية والانتساب للشعبة مجان، وبالتالي قبل أن نلقي باللوم على الجهات الرسمية يجب علينا كصيادلة أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا للشعبة وكيف نخطو خطوات جدية للمطالبة بإنشاء جمعية إذا كان هناك عدم تعاون من قبل الصيادلة لإنجاح الشعبة.
وقال إن هناك جمعيات للصيادلة في معظم الدول الخليجية وتلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأدوية، واعتقد بان سبب نجاح هذه الجمعيات يعود إلى تكاتف الجهود وتعاون فريق العمل « الأعضاء » لأنهم أساس النجاح والفشل وليس الجمعية أو الشعبة .
وحول توقعاته لمستقبل قطاع الصيدليات في الدولة قال رئيس شعبة الصيدلة في جمعية الإمارات الطبية اعتقد بان الوضع سيكون صعباً في المستقبل واستمرارية عدد كبير من الصيدليات الصغيرة أصبحت الآن على المحك بسبب تخفيض هامش الربح مقابل ارتفاع كافة الالتزامات المادية المترتبة على تلك الصيدليات وبالتالي اعتقد بان الحل الأفضل في مثل هذه الحالة للصيدليات الصغيرة يبقى الاندماج.
تحقيق: عماد عبد الحميد
