قال الشيخ: أعرف أحبابي أنني أوجعت رؤوسكم وأفسدت عليكم صفو مجلسكم بطول الحديث عن الطبول ولكنه حديث مهم يمس العقيدة والتوحيد، فمن اعتقد أن رزقه أو توفيقه يتعلق بفلان أو برضاه فقد أشرك، ومن ظن أنه بتزلفه وتقربه من طبل من الطبول يحصل على درهم زيادة على ما كتبه الله له ويسره له فقد جعل لله أنداداً يحبهم كحب الله أو أشد حباً.

وقد رأيت أن أختم حديثي لكم عن الطبول بالحديث عن صفاتهم وأحوالهم راجعاً في ذلك إلى ما قاله رب العزة في الطبل الأكبر قارون في القرآن العظيم، فقد قال رب العزة: «إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه:

لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد إن الله لا يحب المفسدين. قال إنما أوتيته على علم عندي، أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً.

ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون، فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم، وقال الذين أوتوا العلم:

ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون، فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون: ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن من الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون». القصص 76 - 28

قال الشيخ: يا سبحان الله، والله إن كل كلمة في هذه الآيات الكريمة تحتاج إلى أكثر من مجلس للحديث في تفاصيل معانيها ووالله لو أن أحداً أراد أن يصف طبلاً لما استطاع أن يجمع ويوجز كهذا الجمع والإيجاز لذلك تحدى الله الكافرين أن يأتوا بسورة من مثله.

ولنقف عند الصفة الأولى (فبغى عليهم) والبغي هو الظلم، والظلم هو ألا تعطي صاحب الحق حقه، وأول صاحب حق علينا هو الله «من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً» ثم يأتي ذوو القربى والفقراء والمساكين وإعمار بيوت الله وخدمة دينه ثم يأتي إعطاء الأجير حقه الذي يستحقه دون إنقاص.

أو تأخير ثم يأتي دفع الديون في وقتها من دون مطل أو تسويف، ثم يأتي عدم الرياء والعجب والتكبر، ثم يأتي عدم الإساءة إلى الجوار وغيرهم برائحة طعام قد لا يقدرون على الحصول عليه أو بملابس للطبل.

أو أولاده لا يستطيع غيرهم ارتداؤه. وديننا يا أحباب هو دين الوسطية والاعتدال فهو ليس رأسمالياً يجمع المال في يد القلة على حساب الكثرة، ويجعل صاحب العمل رباً وأرباباً - تستخدم كلمة أرباب في بعض البلاد للإشارة إلى صاحب العمل ـ ويجعل العمال والموظفين فقراء لا ينالون إلا الفتات.

كما أنه ليس اشتراكياً يدعي أن العمال والموظفين يملكون كل شيء فتسرق أرزاق الناس وبيوتهم وأراضيهم لتعطى للفقراء، فهو دين يعتبر العامل أو الفلاح أو الصانع بالأجرة شريكاً بالجهد والتعب يعطى حقه مع حسن تقديره دون من أو أذى، فلا يجوز التبخيس من جهود العمال وخبرة الأجراء ذلك أن كل حق لا يؤدى لأصحابه سحت يذهب بصاحبه إلى النار.

ومن أشكال البغي أن تظهر عليك آثار الإسراف والتبذير، فالمسرفون أناس لا يحبهم الله بمنطوق القرآن العظيم والمبذرون إخوان الشياطين، والإسراف والتبذير أمام الناس وعلى عيونهم بغي وظلم كبير.

ومن أشكال البغي أن تستخدم المال فيما يغضب الله كمن يرابي وقد آذن الله المرابين بحرب منه، أو كمن يستخدم المال في التمتع بالحرام والفاحشة أو كمن يشتري خموراً أو يتاجر بها.

أيها الأخوة الأحباب قد قارب مجلسنا على الانتهاء ولم نتكلم إلا قليلاً وغيضاً من فيض في صفة واحدة من صفات الطبول كما وردت في القرآن العظيم في وصف قارون، فإن رأى بعضنا أو واحد منا أنه يمارس البغي مستعيناً بماله فليتوقف وليحاسب نفسه قبل أن تخسف به الأرض أو يكون في الآخرة من النادمين.

ماهر سقا أميني