لم تكن بلاد العرب الأوائل في ذلك الوقت بمنأى عن تلك التطورات والإنجازات التي اكتشفت الشيء الكثير والمفيدة للبشرية فكانت مناسبة ومنسجمة مع متطلباتهم في ذلك العصر.
ولكن العرب السابقين لم يكن لهم رصيد من علم سابق بمجريات الحياة في تلك العصور ويرجع ذلك إلى انشغالهم بأمور لا تخدم مصالح جميع البشر رغم أنهم كانوا يرحلون ويصولون ويجولون إلى (مراكز حضارية عامرة في الشمال والجنوب كما كانت لهم احتكاكات بدولتي فارس والروم .
ولكل منهما في ذلك الحين علوم ومعارف مهمة ولكن العرب لم يفيدوا أنفسهم بتحصيل شيء من تلك المعارف العلمية لأنهم كانوا يعيشون على هامش الدنيا وهامش التاريخ مشغولين بثرواتهم ونزاعاتهم وفخرهم وهجائهم.
وعلى الأكثر بتجاراتهم ولهوهم وشرابهم..... كان أشد ما يشغل العرب في حياتهم القبلية التي يعيشونها هو قول الشعر وحفظ الأنساب. فالشعر يتفننون في قوله ويتباهون بفصاحته وحفظ الأنساب تستخدمه كل قبيلة في التفاخر مع القبائل الأخرى وفى محاولة النيل من القبائل الأخرى وقت الخصام والنزاع بما قد يكون من ملمز في أنسابها) .
ولكن بعد أن أزيلت عن أعينهم غبار الجاهلية الأولى وجاء عصر الإسلام الزاهر فأخذ يشق طريقه إلى التقدم والازدهار في مجالات الحياة المختلفة سواء أكانت العامة منها والخاصة، أحس المسلمون في تلك الحقبة الزمنية بضرورة الاستفادة من الآخرين.
والاغتراف من علوم شتى فكانت حاجتهم ماسة في ذلك الوقت (إلى الإطلاع على ما كان عند غيرهم من الأمم من العلوم المختلفة وهو إحساس لم يشعروا به من قبل أيام جاهليتهم ولم يتجهوا إليه. ولما كانت لغة العلم الغالبة يومئذ هي الإغريقية واللاتينية فقد اتجه المسلمون إلى تعلم هاتين اللغتين حتى يستطيعوا نقل العلم إلى اللسان العربي ومن هذه النقطة بدأوا حركتهم العلمية.
وأخذوا يترجمون كل ما كان معروفا من العلم يومئذ وعكفوا على دراسته متتلمذين عليه كما هو الأمر الطبيعي في مثل هذه الأحوال وإن كانوا سرعان ما اكتسبوا الحاسة العلمية لأنفسهم وأخذوا يصححون بعض الأخطاء التي كان العلم الإغريقي يحتوى عليها.) .
وازدادت تلك الأهمية وعظم شأنها في العصر العباسي لاسيما في عصر المأمون (218 ه) حيث عكف الخلفاء على إغداق الأموال الوفيرة من اجل اكتساب المعارف من عند الآخرين خصوصا عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية العريقة فشجعوا العلماء والمهتمين بتحصيل العلوم المختلفة فكانت الثمار طيبة؛
فعلى أثر ذلك المنوال فجروا حضارة تباهي الأمم في ذلك العصر وهذا العصر أيضا فمآثرهم المتميزة عن غيرهم من الحضارات باقية إلى يوم الناس هذا فالتعليم كان أصلياً في صدر الإسلام ـ ولم يكن ثَّمة غيره ـ فقد لبَّى حاجات الأمة التربوية والتشريعية والأدبية وقدرة تامة ساعدها على تكوين أجيال ناضجة.
وقد جعل المسلمون ـ حضارة إسلامية عالمية ـ أمة تُعطي أكثر مما تأخذ، بل جعلها تدفع ولا تندفع، وتغزو ولا تُغزى نعم كان المسلمون بازدهارهم العلمي والفكري الأمة الأولى في العالم.
ولكن الانتكاسة التي جاءت بعد هذه الإنجازات ولدّت التخلف في بعض ميادين العلم المختلفة فكان مصيرنا الاعتماد على منجزات الحضارة الحديثة فاتجه بعض المسلمين إلى أخذ الغث والسمين من هذه الحضارة والبعض الآخر معتدل في منهجه أخذ الصالح وترك الطالح الذي لا يتلاءم مع مجريات حياته وخلقه وشرفه.
هذا (وأحب أن أنبه إلى أن كل قصور في العلوم المدنية لا يزيد دارسي الدين إلا خبالا، فدين الإسلام دين لا ترسخ قواعده ولا تنضج معارفه إلا في جو علمي واسع الآفاق.
ولا ادري كيف يفهم عظمة ومقصد القرآن الكريم ومزاياه الكثيرة رجل لم يدرس علوم الأرض والسماء وما بينها!!) ألم يخاطب القرآن الحكيم أولي العقول وأصحاب البصائر الثاقبة وأولي الألباب النافذة؟ بأن يُعملوا عقولهم ويكثروا من التفكير والتدبر في هذا الكون وبما فيه.
(فأين الشباب المسلم من مظاهر هذا العوز؟ أين العلم الذي يسعفنا ويقيم لنا صناعة مستقلة؟! أين العلم الذي يصون عقائدنا وآدابنا ويجعل أيدينا العليا هامة عالية ؟ أين العلم الذي يحكم علاقتنا بكتابنا وينقلنا إلى جوِّه الممدود بين الأرض والسماء؟
أين العلم الذي يقدرنا على أن نثير الأرض ونعمرها كما أثارها وعمرها غيرنا؟ أين وأين وأين...فيجب علينا قبل كل شيء أن نسأل أنفسنا كيف ارتقت الدول الصناعية وتقدمت في ميادين العلم المختلفة هل كان كل ذلك ناتج من فراغ؟
أم أنها اجتهدت واتجهت نحو الاكتشافات العلمية بعد القضاء على مبادئ الكنيسة الظالمة في حقوق البشر، فحثت تلك الدول عقول أفرادها على التفكير وتوظيف العقل التوظيف السليم والحكيم في استخراج خبايا الأرض وسبر أغوار هذا الكون وتقديم هذه المنجزات للبشرية جمعاء. فهذا هو السر الحقيقي لتقدم هذه الدول (فأرى ويرى غيري من المهتمين بقضايا العالم العربي والإسلامي ضرورة ملحة إلى تنظيم محاضرات فلكية وطبية وجغرافية وجيولوجية وفيزيائية وكيميائية..
.الخ على المشتغلين بالعلم الديني وغيره من العلوم حتى بعد تخرجهم) لعلهم يكتسبون بعض المعارف الجديدة التي تؤهلهم إلى الاكتشاف الجديد والمثمر في المستقبل فإن نصيب التخلف العلمي في هذا المضمار للعاملين العربي والإسلامي مصيبة كبيرة؛ هذا وللحديث بقية..
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي