أثارت فتوى أصدرها رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشيخ عبد الحميد الأطرش وتذهب إلى ان المسلم يستطيع الخروج من ذنوبه كيوم ولدته أمه إذا صلى صلاة التوبة وهي 21 ركعة متواصلة، جدلاً بين علماء الدين في مصر، فقد أكد العلماء انه لا توجد صلاة في الإسلام تسمى صلاة التوبة وقالوا ان باب التوبة مفتوح أمام كل إنسان وللتوبة طريقتها وشروطها وليس بالضرورة ان يصاحبها صلاة أو نحو ذلك.

وأعرب العلماء عن أسفهم لصدور مثل هذه الفتوى عن مؤسسة رسمية مثل لجنة الفتوى بالأزهر مطالبين بضرورة ان تشغل مؤسسات الفتوى الرسمية بالقضايا العامة التي تواجه المسلمين وليس بهذه المشكلات الهامشية.

وأكدوا ان مثل هذه الفتوى تدفع المسلمين إلى استسهال ارتكاب المعاصي والوقوع في المنكرات لأنها تجعل من مجرد أداء صلاة التوبة يغفر كل الذنوب. وحذروا من الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة مطالبين بالاعتماد على نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة.

من جانبه أكد الدكتور محمد شامة مستشار وزير الأوقاف المصري ان مثل هذه الفتاوى لا قيمة لها وضررها أكثر من نفعها مشيرا إلى عدم وجود صلاة تسمى صلاة التوبة في الإسلام ولم يرد عن علماء السلف شيء كهذا.

وقال ربما يكون صاحب الفتوى قد اعتمد على الكتب الصفراء والإسرائيليات مشيرا إلى ان الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ كان يقول: إذا وجدنا حديثا يطلب من المسلمين عملا صغيرا في مقابل مغفرة ذنوب كبيرة فمن المؤكد ان هذا الحديث ضعيف أو غير صحيح.

وأضاف الدكتور شامة ان المعروف عند علماء المسلمين ان باب التوبة مفتوح أمام كل إنسان وللمسلم ان يتوب من ذنوبه في أي وقت شاء ما لم «يغرغر» أي ما لم يدركه الموت عند خروج الروح والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد يقبل التوبة وقد لا يقبلها.

وأعرب عن أسفه ان يشغل علماء المسلمين أنفسهم بمثل هذه الأمور الهامشية وترك القضايا الأساسية التي تشغل المسلمين وتهدد وجودهم ومستقبلهم مشيرا إلى انه في عصور الضعف دائما يشغل العلماء أنفسهم بالقضايا الفرعية والخلافات البسيطة في حين كان ينبغي ان تترك مثل هذه القضايا لأئمة المساجد والوعاظ اما اللجان الرسمية للإفتاء مثل لجنة الفتوى بالأزهر.

ومجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية فيجب ان تشتغل بالقضايا العامة التي تهم كل المسلمين وتؤثر في وجودهم وحياتهم.

وأوضح الدكتور شامة ان صلاة التوبة بالصورة التي عرضتها لجنة الفتوى بالأزهر هي صورة من صور صكوك الغفران بمعنى ان المسلم يذنب كما يشاء ثم يأتي ويصلى 21 ركعة فتغفر له ذنوبه كلها وهذا غير مقبول في الإسلام لأن التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب يقول ـ تعالى :

« إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ».

الاستغفار

وقال الشيخ فرحات السعيد المنجي المشرف العام السابق على مدن البعوث الإسلامية بالأزهر ان التوبة تكون بالاستغفار والرجوع إلى الله وفعل الخيرات وعدم العودة إلى فعل المنكرات فهذا دليل على ان العبد تاب وعاد إلى ربه، ومن التوبة ما يعرف بالتوبة النصوح التي يعزم فيها العبد عزما أكيداً على ألا يعود إلى المعاصي مرة ثانية .

مؤكدا انه لا يوجد ما يسمى صلاة التوبة لكن من صلى عند توبته فلا بأس لكن ليس عددا محددا من الركعات وليس بطريقة مخصوصة وإنما هي صلاة كصلاة التطوع يدعو فيها الله ان يتقبل توبته ويستغفره.

وأشار إلى انه لا يوجد فعل محدد يسبق توبة العبد ولا شرط إلا الشروط التي وضعها العلماء وهى الإقلاع عن الذنوب والندم عليها والعزم على عدم العودة وإعادة المظالم إلى أهلها إذا كانت هناك معاصٍ تتعلق بالعباد.

أحاديث ضعيفة

وأوضح الشيخ فكرى حسن إسماعيل عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية انه من الناحية الفقهية تنقسم الحقوق إلى قسمين: الأول: حقوق تتعلق بالله «تعالى» فالله صاحبها فقد يكون هناك من أفعال الطاعة ما يكون سببا في قبول التوبة والتجاوز عن الحقوق المتعلقة بالله «تعالى» وصاحبها هو الله ويكفى فيها الدعاء والاستغفار وأداء العمرة والحج وما شابه ذلك أما النوع الثاني من الحقوق فيتعلق بالآدميين وهذه لا تسقط إلا بعفو صاحب الحق عنها أو ردها إلى أصحابه.

ا ولو رجعنا إلى كتب السنة الصحاح لوجدنا ما يؤكد هذا مثل حديث « أتدرون من المفلس» فقد أوضح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ان المفلس هو من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج ويأتي وقد شتم هذا وسفك دم هذا فيؤخذ هذا من حسناته ويطرح من سيئاتهم حتى إذا فنيت حسناته طرح عليه من سيئاتهم ثم طرح في النار أيضا هناك حديث آخر:

«لتؤدن الحقوق إلى أصحابها يوم القيامة حتى انه ليقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» وأيضاً هناك أحاديث عن يوم عرفة الذي يتباهى الله فيه بحجاج بيته أمام ملائكته ويقول للملائكة: «اشهدوا يا ملائكتي اني قد غفرت لهم ذنوبهم الا التبعات فيما بينهم».

ويحذر الشيخ فكرى حسن إسماعيل من الجري وراء الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل ما قد يكون قد ورد عما يسمى بصلاة التوبة لان هذا يدفع الناس إلى الوقوع في المنكرات واستسهال معصية الله ماداموا يجدون بابا سهلا للتوبة رغم ان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:

« العائد في توبته كالمستهزئ بالله مشيرا إلى ان صلاة التوبة تدفع الإنسان إلى ارتكاب المعاصي مثل الذين يحجون ويعتقدون انهم غفرت ذنوبهم وعادوا إلى بلادهم مثل يوم ولدتهم أمهاتهم رغم ان ما ورد من أحاديث في هذا الصدد لا يفهم منها ذلك لان حقوق العباد لا تسقط إلا بالأداء أو العفو عنها من أصحابها اما الذنوب التي تغفر فهي التي في حق الله سبحانه وتعالى.

وقال ان باب التوبة مفتوح أمام العبد ما لم يغرغر وعندما جاء وحشى قاتل حمزة بن عبدالمطلب ـ رضي الله عنه ـ ليعلن إسلامه أمام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال أريد ان اسلم لكن يمنعني قول الله ـ تعالى:

« والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا » وقال لقد فعلت الثلاثة عبدت مع الله الها آخر وقتلت وزنيت ولا أظن ان الله يقبل توبتي فنزل قول الله ـ تعالى:

« إلا من تاب وامن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما» فأرسل النبي إلى وحشى ان الله انزل توبته لكنه قال ان الاية تشترط التوبة والإيمان والعمل الصالح وأنا لم افعل شيئا من ذلك فأمهله النبي حتى نزل قوله ـ تعالى: « ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » فقال وحشى ان الآية فيها شرط أيضاً « لمن يشاء » حتى نزل قوله ـ تعالى:

« قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم » عندئذ اسلم وحشى وحسن إسلامه وعندما هاجر عمرو بن العاص إلى المدينة ووضع يده في يد النبي ليسلم قال للنبي: ادع الله ان يغفر لى المواقف التي وقفتها عليك فقال رسول الله: « الإسلام يجب ما قبله » والتوبة تجب ما قبلها وكذلك الحج يجب ما قبله.

القاهرة ـ مكتب «البيان»: