الإسلام هو الدين عند الله، ومن ثم فقد جاءت رسالته العظيمة بمبادئ الإصلاح الشامل للعالمين كافة، لتكون بيد كل طالب للحق نبراسا يهتدي به في ظلمات الشكوك التي طفت في هذا الزمن الأخير حتى أيأست أهل الثقافة في صحة الدين، وحملتهم على نبذه والمضي في أغراضهم الدنيوية منطوية قلوبهم على الريب والشبهات.

حول هذا الموضوع المهم يقدم مجمع البحوث الإسلامية طبعة جديدة من كتاب «الإسلام دين عام خالد» تحليل دقيق لمبادئ الدين الإسلامي «للمفكر الإسلامي الراحل محمد فريد وجدي».

في البداية يشير المؤلف إلى قول الله تعالى: «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون». موضحا أن الدين فطرة في النفس، وأن هذه الفطرة نفسها هي الدين الحق، فالإسلام ليس بتقاليد وموروثات وآراء وشروح، ولكنه تلك الفطرة مجردة من كل شائبة.

. وهي تؤدي بالإنسان بقواها الذاتية إلى أقوم الطرق، وأعدل المذاهب، وتكون هذه الطرق والمذاهب عرضة للتطور على نسبة ما يدخل فيه عقله من التطورات المتعاقبة، فلا يعقل أن يوجد مذهب أرسخ من هذا المذهب أساسا.

ولا أشد على النقد مراسا، ولا أبعد في المعقولات غورا، وقد تسمى بأخص صفاته وهو «الإسلام»، ومعناه الاستسلام إلى الله متجردا من كل ما أنتجه الفكر، وما أثمر النظر، وما ورثته النفس وما صورته المخيلة.

والدليل على هذا الفهم من الكتاب حال إبراهيم عليه السلام في أول أمره، وقد نشأ في قوم يعبدون الكواكب، كما روى عنه الكتاب الكريم في قوله تعالى: « فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين.

فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين».

والدليل من السنة على أن الإسلام هو الفطرة مجردة من كل شائبة قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، أي أن كل مولود يولد مفطورا على الدين الخالص الذي هو الدين الحق وحده.

وإنما أبواه يلقنانه من التعاليم ما هم عليه منها، وهو ينافي الإسلام جملة وتفصيلا، لأنه لا يعتد بدين غير تلك الفطرة نقية ساذجة حرة مستعدة لقبول كل حسن، ودفع كل قبيح، وللمتذهب بكل ما يقوم على صحته الدليل، والاستعاضة عنه بغيره متى لاح لها أنه أقوم منه سبيلا.فهذه الفطرة فطرة المولود قبل أن يلقن دينا من الأديان وتعليما من التعاليم، هو الإسلام الذي جاء القرآن الكريم بالدعوة إليه.

تحطيم القواعد

وتحت عنوان «الإسلام وسلطان العقل والعلم» يبين المؤلف أن الإسلام أحدث انقلاباً كبيراً في أمر الدين، وتبدو عوامله جلية في موطن المناداة بسلطان العقل، والمجاهرة بسيادة العلم، فسمع الناس لأول مرة في تاريخ الأديان كلمات: تفكير ونظر وبرهان وتبعة شخصية وبطلان للتقليد.

كان الناس قد استعدوا بعد طول مقام على الاعتقاد بلا برهان، والتقليد لغير معصوم، للدخول في دور الرشد والاستقلال الذاتي عن الأوصياء، والمتحكمين في دور نفسياتهم وعقلياتهم، فأرسل الله محمدا بالإسلام لافتتاح هذا العهد الكريم والنداء بالدين العام الخالد، فكان أول شيء وجه إليه عناية تحطيم القواعد التي يقوم عليها التدين في مرحلة الجهل، وهي التقليد الأعمى.

وإهمال النظر الشخصي وإغفال التفكير الحر، ومنابذة العلم إلا ما كان منه موافقا للدين في نظرهم، ومؤيدا لسلطان المتحكمين في إرادات الناس وعقولهم، فأهاب الإسلام بالناس على اعتبار العقل، وسيادة العلم، ودعا إلى النظر والتفكير، وتطلب البرهان وأشتد في هذه الدعوة إلى حد أنه لو أحصى ما جاء في القرآن من قوله تعالى:

«أفلا تعقلون»، «ولعلهم يتفكرون»، «أفلا تذكرون»، لتعدت العشرات، ولو أضيفت إليها الآيات التي تطالب الناس بتنبيه قواهم العقلية، ورفض مالا يعززه برهان، وترك كل ما يؤيده علم، ونبذ التقليد للآباء، وغير ذلك، لبلغت المئات.

. فإن القرآن كله قائم على هذه الأصول ويدعو لها، حتى ليتجلى لمن يتلوه أنه إزاء انقلاب فكري خطير الشأن لا شبيه له في تاريخ القرون الماضية، بقصد إحداث ثورة على كل قديم إلا ما وافق العقل والعلم منه.

ويتحدث المؤلف عن الشريعة مبيناً أن الإسلام لم يحصر حق التشريع في طائفة خاصة أو جنس معين، وإنما فتح الباب أمام الكافة حتى الأرقاء ومن في حكمهم، ومن ثم جعله عالميا عاما، لا طائفيا خاصا، ولا قوميا محدودا..

والغرض من ذلك أن يتابع التشريع حياة الأمم ويكابد معها كل التطورات التي تدخل فيها، حماية له من الوقوف عند حد محدود، ومن القصور عن الإلمام بحاجات البشر كافة، باعتبار أنه دين عام خالد، وكل ما هو عالمي يعيش بحياة العالم، ويتبادل وإياه التعاون على قطع مفاوز الحياة ويدخل معه في جميع التطورات.

ويخرج منها أقوى مما كان وجودا، وأرسخ أصولا، وأشمل لحاجات الآخرين به والمعولين عليه.. ولكنه لو أسند إلى طائفة خاصة، أو طبقة معينة أو جنس دون جنس لاصطبغ بصبغه قومية فينطبق على قوم دون آخرين، ويخرج مع الزمن عن أن يكون شرعا عالميا، فيقف عند حد، ويزداد التباين بينه وبين الأمم، فلا تجد فيه حاجاتها ولا ثقافتها ولا روحها فتدعه وشأنه متلمسة من الشرائع ما يكون أولى بها منه.

وقد ترك الإسلام لشعوبه كل شيء من أول تعيين خليفة له، إلى تحديد شكل الحكومة إلى ترتيب السلطات العامة.. ليكون كل ذلك للشعوب الآخذة به، وما كانت هذه صفته، عاش ما عاشت الشعوب، وتطور معها ما تطورت، وليس بعد هذا ضمان لحياة شريعة عالمية في الأرض.

أصول عليا

وفي النهاية يؤكد المؤلف أن الإسلام بحق قد تذرع بكل الأصول العليا التي تجعله دينا عاما خالدا عند الآحاد والجماعات، فقد دعا إلى الوحدة الإنسانية العامة، ومحق ما كان بين الشعوب من فوارق القوميات، وأوهام الطبقات الاجتماعية، وقدر أن أصل الأديان واحد، وأن الخلافات التي يشاهدونها بينها إنما سببها بغي قادتها، فهم الذين خلقوها لمصلحتهم الذاتية.

ولذلك تركهم جانبا ووجه دعوته إلى الناس كافة، لا إلى الأحاد الممتازين منهم، ولا إلى الجماعات التي تتصدر للنيابة عنهم، وهدم التقليد من أساسه، وطالب كل معتقد بالبرهان، وأعلن أن إيمان المقلد غير مقبول، ونادى بسلطان العقل، ووجه العقول إلى النظر في الطبيعة .

وفي كائناتها، وحضها على تعرف السنن الاجتماعية بدراسة أحوال الأمم، وتتبع تطوراتها في العصور المختلفة، مصرحا بأن للاجتماع سننا لا تقبل التبدل ولا التحول، وحض على طلب العلم والحكمة من أقصى مظانهما، وشدد في ذلك على الجنسين حتى جعله عليهما فرضا، وربط فهم الدين بهما فقال تعالى: «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون».

ثم توسع في الإشادة بالعلم إلى أقصى ما يتخيله العقل، وأتى بذلك في ألوان هي أقصى ما يسمح به الإبداع الكتابي في عشرات من الآيات مثل قوله تعالى: «ولنبينه لقوم يعلمون»، وقوله عز وجل أيضا: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون».

وقد سمى أهل الجاهلية بالذين لا يعلمون، فما هذا كله ؟، والله لو كان محمد صلى الله عليه وسلم تخرج في أكسفورد أو السربون أو جامعة برلين، لما جاء كتابه بأكثر من هذا في الدعوة إلى العلم.

إن سر هذا الأمر أن هذا الدين خاتمة الوحي الإلهي، وما كان كذلك وجب أن يزود بكل ما يوجه العقول ويستهوي الأذهان، ويعلو على كل مذهب يتصدر للزعامة في الأرض وقد علم موحيه أنه سيكون زمان يعترك فيه الدين والعلم، ويظهر الثاني على الأول بسمو أصوله.

ودقة أسلوبه، فجعل دينه الأخير أجمع لهذه الأصول وأرعى لهذا الأسلوب من أبعد المذاهب العلمية شأوا في هذا الباب، وهذا مظهر غريب من مظاهر مناعة هذا الدين، وصلاحيته لجميع الأزمان ولم يبق بينه وبين أن يعلن أنه دين الإنسانية العام إلا أن يفهمه الناس على هذا الوجه الذي ارتضاه الله عز وجل له.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود :