بالغ الإسلام في التحذير من إهمال الفقراء إلى الحد الذي جعله سبباً في براءة ذمة الله سبحانه وتعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، من الجماعة البشرية التي تسقط في مستنقع هذا الخلل الفاحش في علاقات الاجتماع.
. وفي ذلك وعنه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما أهل عرصة(أي مجتمع، صغيراً كان أو كبيراً)، أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله».
فمجتمع التكافل الاجتماعي هو مجتمع الجسد الحي. وإسهام كل عضو من الأعضاء في حياة الجسد وحيويته ليس متماثلاً ولا متساوياً.. وحظ كل عضو ونصيبه من رصيد حياة الجسد وحيويته ليس واحدا فالتوازن والارتفاق، الذي يصبح فيه كل عضو فاعلاً ومنفعلاً ومتفاعلاً مع الآخرين.
وكأنه المرفق الذي يرتفق به وعليه الآخرون كما يرتفق هو بهم وعليهم، مع التفاوت في الحظوظ والمقادير والدرجات في عملية الارتفاق والتوازن هذه.. ان هذه الصورة هي الممكنة والحقيقية والعادلة في مبدأ المساواة بالميادين التي تتفاوت في طاقات الناس، وتتفاوت فيها أيضاً احتياجاتهم لما يحصلون في هذه الميادين.
وفي المأثور الإسلامي: «من لم يهتم بأمر الناس فليس منهم»، أي أن الفردية والأثرة وقطع الروابط الاجتماعية مع الناس تخرج صاحبها من زمرة الإنسانية! فالتكافل الاجتماعي هو «اللحمة» التي تصل الفرد بجنس الإنسان ومعنى الإنسانية.
وفي التعبير عن هذا المعنى الإنساني والاجتماعي، جاء التصوير النبوي لهذا التكافل الذي يجعل الأمة جسداً واحداً حياً رغم تفاوت أعضاء هذا الجسد في الحجم والتأثير والإمكانات والاحتياجات.. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
فإذا غاب هذا التكافل، تحللت الروابط الاجتماعية في المجتمع، وتحللت الأعصاب الجامعة للأمة.. أما إذا غاب التكافل الاجتماعي، وحل محله «الخلل» في الاجتماع الإنساني، فإن الثراء سيتركز في جانب، بينما يتركز الفقر في الجانب الآخر، ولذلك كان مجتمع التكافل هو النقيض لمجتمع «دولة الأغنياء» الذي تحدث عنه القرآن الكريم فقال:
«ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب» (الحشر: 7)، ذلك إن النشوز الاجتماعي .
والاستفراد بسلطة المال ـ وبكل سلطة ـ هو المقدمة المفضية إلى الطغيان الاجتماعي.. والسياسي.. والإداري.. والاقتصادي. وصدق الله العظيم: «كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى» (العلق: 6 و7).فالتكافل الاجتماعي هو الطريق إلى حياة وإحياء الإنسانية في المجتمع.. والفردية والأثرة هي سبيل الطغيان.
أحمد حلمي سيف النصر