قال الشيخ: مر معنا أن الطبل هو إنسان رجلاً كان أم امرأة يغرك مظهره أو تظاهره فتعتقد فيه الغنى والقدرة على الرزق، فإذا ما بذلت جهداً في الاقتراب منه أو التزلف إليه حدث معك ما حدث مع الثعلب ففوجئت بكونه أقل مالاً وقدرة مما كنت تتصور
أو بكونه صاحب مال وغيره من متاع الدنيا ولكنه يضن بماله عليك أو على من هم أمثالك مؤثراً نفسه حتى بالقليل بالنسبة لما يملك والذي هو عندك كثير ويفرج عنك كربة من كربات الدنيا.
والحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، فأنت لست بحاجة إلى البحث حتى تقع على طبل من الطبول، فهم رجالاً ونساءً أكثر من الهم على القلب وهم يحيطون بك في كل مكان حتى أنهم قد صاروا فتنة للكثيرين منا ومن شبابنا فلم نعد قانعين بحياتنا، والرضا والسعادة أصلهما القناعة، ولم نعد على إيماننا بأن الرازق هو الله فهو مالك الملك .
وهو وحده الذي يحب ويرضى أن يسأل ليعطي وأن يستعان به فيعين وأن يستغاث به فيغيث، بل إنه يعد السائلين إن هم كانوا على يقين من الإجابة دون استعجالها بثواب في الآخرة وعطاء في الدنيا، وما من إنسان يسأل إلا ويجد في نفسه غصة أعطى أو لم يعط، فحسبنا الرازق من المرزوقين.
فإذا سألتموني عن علامات الطبل وصفاته قلت لكم أنه كثيراً ما يثير حوله ضوضاء هي أقرب إلى ضوضاء الطبول وأصواتها العالية، فهو كثير الحديث عن المال وعن إنجازاته العظيمة في جمعه، وهو ينسب غناه إلى مهارته وشطارته أو جهده وكفاحه دون أن يذكر شيئاً عن الله وتوفيقه ورزقه وكرمه.
وقد يضطركم إلى سماع ما لا تريدون وما لا تطيقون من قصص لا تنتهي عن جرأته وإقدامه على العمل والكفاح. أما النساء وقد آتاهم رب العزة بسطة في اللسان .
وكثرة في الحديث فترى الطبول منهن يغرقنك في تفاصيل التفاصيل في أبواب الإنفاق على الرفاهية وألوانها وفي برنامجهن اليومي الذي لا تملأ مساحاته إلا بتبديد المال والعمر فيما يضر أو في أحسن الحالات فيما لا ينفع.
ثم إن كثيراً من الطبول من أصحاب المال والأعمال يتعامل بالربا مقرضاً أو مقترضاً، وقد صار للربا في عالمنا أسماء ومؤسسات ومصارف وجامعات ومعاهد تدرس أصوله وكيفياته.
وهو على الرغم من إفتاء من حلله ببعض صوره أو بكلها وعلى الرعم من أنه قد ييسر للبعض قضاء حاجاته أو توسيع أعماله فيكفيه أن مسرباً لسير المال باتجاه واحد من الفقراء والمساكين وأصحاب الحرف البسيطة والمتوسطة إلى الحيتان الكبيرة التي لا تعف عن ابتلاع كل شيء حتى صغار السمك.
وقد ساءني يا أحباب مقالة نشرت لعالم لم نعهد عليه الخطأ والسقوط في صحيفة يومية يقرؤها الآلاف، وقد بدأ العالم بالحديث في أصول الفقه والاستنباط مما يعسر على كثيرين فهمه ثم قفز منها بمهارة إلى تحليل بعض أشكال الربا مما يسمى بفوائد البنوك متهماً كل العلماء الذين أفتوا بتحريمها بأنهم يعملون.
أو على صلة استشارية بالمصارف الإسلامية وأن هذا برأيه كفيل وكاف للطعن فيهم وفي فتاويهم. ولو عدنا إلى الحقيقة المجردة لوجدنا أن الطعن إذا كان وارداً فهو أحق به لأنه من وعاظ السلاطين، أما من طعن فيهم فبعضهم أو قليل منهم على صلة بالمصارف الإسلامية في حين أن أكثرهم أفتى بما رأى واقتنع به دون أي اعتبار للمصلحة أو المنفعة.
وكان يكفي عالمنا أن يعلن فتواه التي يراها دون طعن في عدالة غيره من العلماء فهو مذنب في إساءة الظن بهم والإعلان عن هذه الإساءة في الصحف التي يقرأها العامة هذا إن لم يكن مذنباً في فتواه دون أن يتحقق من صحة ما رآه وخطأ ما رأوه.
قال الشيخ: إن الأمور تزان بنتائجها وخواتمها، والمصارف الربوية تجمع الملايين من دريهمات الفقراء أو صغار الصناعة والتجارة في حين أن مصالح العباد في ديننا تفرض أن يعاد قسط من المال من الأغنياء إلى الفقراء أو إلى صغار الصناعة والتجارة عن طريق الزكاة والصدقات وما يرى أولى الأمر فرضه على الأغنياء.
ثم إن المصارف على اختلاف أنواعها وعلى رأسها كبيرهم الذي علمهم السحر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تسعى إلى إقراض الطبول بيسر وسهولة وتطرح ألف سؤال وتبحث عن ألف ضمان لإقراض الأقل مالاً فيزداد الغني غنى ويزداد الفقير فقراً، ويموت الطبول من التخمة ويموت الملايين من الجوع والفقر.
ماهر سقا أميني