نحن الآن في الأسبوع الأخير من شهر رجب، شهر الله الحرام، وفي الأسبوع الأخير من رجب يتذكر المسلمون حادثاً جللاً من أحداث السيرة النبوية العطرة، ذلكم هو حادث الاسراء والمعراج برسول الله صلى الله عليه وسلم.
يتذكر المسلمون هذا الحادث، ويحتفون به في ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر الكريم، وليس هناك قطع بأن الإسراء قد حدث في تلك الليلة، بل هناك خلاف كثير في ميقات الإسراء : في أي ليلة كان ؟
وفي أي شهر كان ؟ وفي أي سنة كان ؟ وهل وقع مرة واحدة أو وقع أكثر من مرة ؟ إلى آخر ما بحثه العلماء المسلمون من وقائع السيرة وتواريخها، التي لم يضبطها الصحابة وتابعوهم بإحسان، فإنهم ما كانوا يهتمون إلا بما كان وراءه عمل.ما كان وراءه حلال أو حرام، أو شيئ يوجب عليهم عملاً معيناً، فكانوا يبحثون عنه ويدققون فيه .
ولم يشرع في الإسراء والمعراج صيام نهار ولا قيام ليل، ولهذا حدث هذا الاختلاف . ولكن المسلمين قد اشتهر بينهم في العصور الأخيرة، ان الإسراء والمعراج في ليلة معينة تذكرها هذه السورة حينما قال عز وجل «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، انه هو السميع البصير».
ومن هنا كان من كذب الإسراء ولم يؤمن به كافراً بإجماع المسلمين لأنه كذب صريح القرآن الكريم المقطوع به والمجمع عليه والمعلوم من حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالضرورة.
أما المعراج فلم يذكر في القرآن إلا من باب الإشارة، وذلك في سورة ( النجم ) حيث قال الله تعالى : «والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى.
وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى» ـ الكلام عن جبريل الذي كان يأتي بالقرآن للنبي صلى الله عليه وسلم ـ «فكان قاب قوسين أو أدنى، فاوحى إلى عبده ما أوحى، ماكذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى.
ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى» رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته الملائكية مرتين:
مرة في الأرض، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء والمشار إليها في قوله تعالى في سورة التكوير «ولقد رآه بالأفق المبين»، والرؤية الثانية هي التي كانت عند سدرة المنتهى في ليلة المعراج هذه.
المعراج جاء في القرآن بهذه الإشارات في هذه الآيات، ولكن الإسراء جاء صريحاً، وجاءت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبت الإسراء والمعراج.
الإسراء رحلة أرضية، بين المسجدين المباركين المقدسين: مسجد مكة، ومسجد القدس «من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى»، ربط الله بينهما بهذه الرحلة النبوية المباركة، الأول هو بداية الإسراء والثاني هو نهايته.
أما المعراج فهو رحلة تبتدئ من الأرض إلى السموات العلا، إلى مستوى لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، كما قال الشاعر:
حتى بلغت سماء لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم هنالك بلغ مستوى لم يبلغه بشر قبله صلى الله عليه وسلم.
كان الأنبياء في استقباله في كل سماء، كبار الأنبياء استقبلوه في الأرض، وصلوا خلفه صلى الله عليه وسلم، ثم وزع الله أعظم الأنبياء على السموات، فكانوا يرحبون بمقدمه صلى الله عليه وسلم.
كان هذا التكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن نال ما نال من إعراض الخلق، ومن إيذاء البشر، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يسري عنه، وأن يعوضه، وأن يقيم له هذا الحفل التكريمي، في الأرض وفي السماء.
إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاسى ما قاسى هو وأصحابه، عشر سنوات وهو يعرض على القوم دعوته، يتلو عليهم القرآن، ويبلغهم الإسلام، ولكنهم استقبلوه بأشد ما يستقبل به نبي.
واشتد الأذى أكثر وأكثر بعد موت عمه أبو طالب، الذي كان ذائدا مدافعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد موت زوجه خديجة، كلاهما كان سنداً له، أبو طالب سنده في الخارج وخديجة كانت سنده في الداخل، ماتا في أيام قريبة في عام واحد، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم (عام الحزن).
وأراد عليه الصلاة والسلام أن يجرب موقعاً جديداً، وأرضاً جديدة بذر فيها بذور دعوته، فقرر أن يتوجه إلى الطائف، فلم يجد عند القوم إلا شراً مما وجد عند قريش.
استقبلوه أقبح استقبال، قال له منهم من قال: ألم يجد الله في جزيرة العرب غيرك حتى يرسله إلى الناس ؟ وقال له آخر إن كنت صادقاً فأنت أعظم من أن أكلمك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك، فلن أكلمك صادقاً ولا كاذباً ! حتى مجرد الكلام معه حرموه منه، ولم يرحموه بالكلام.
سلطوا عليه العبيد والسفهاء والصبيان، يرمونه بالحجارة، حتى أدموا عقبيه صلى الله عليه وسلم، وسال دمه الشريف من عقبيه، ولم يجد بداً من أن يعود.
عاد ولكن الله سبحانه وتعالى لم يدعه، لقد عاد يشكو إلى ربه، يناجيه تلك المناجاة المعروفة الرقيقة الندية، التي يقول فيها لربه «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله». لم يبال بغضب الناس إذا كان الله تعالى قد رضي عنه، ولكنه يسأل الله العفو والعافية.
هنالك غضبت له الملائكة من فوق السموات العلا، وأرادوا أن يكونوا رهن إشارته صلى الله عليه وسلم، إن شاء أن يطبق عليهم الجبلين أو يخسف بهم الأرض، أو ينزل بهم ما نزل بالكفار من قبلهم، ولكنه صلى الله عليه وسلم أبى ذلك كله، وقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً».
وشاء الله سبحانه ألا تضيع رحلته سدى، فكان من أمره وهو عائد إلى مكة، أن جلس إلى حائط بستان، لأحد مشركي مكة، لعتبة ابن ربيعة وأخيه شيبة، ابني ربيعة، من بني عبد شمس، وأحسا به، فأرسلا إليه بقطف من العنب، مع غلام نصراني خادم عندهم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بعض العنب، وقال: بسم الله، فعجب الغلام أن يسمع هذا وقال: هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد، فقال: من أي البلاد انت ؟
قال من نينوى قال: من بلدة العبد الصالح (يونس بن متى)؟ قال ومن أين لك العلم به ؟ قال: هو نبي، وانا نبي وعرض النبي صلى الله عليه الإسلام، وتلا عليه بعض القرآن، فأسلم الرجل. كان هذا أول ثمار الرحلة.
وفي عودته أيضاً أرسل الله إليه نفراً من الجن يستمعون القرآن «فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين» يقولون لهم: «يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم»، ثم كان هذا التكريم، كان الإسراء والمعراج.
بعث الله أمين الوحي (جبريل) عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فغسل صدره بماء زمزم، وأخرج منه حظ الشيطان، وذهب به، راكباً البراق: دابة كأنها من البرق، كأنها شيء يتصل نسباً بالكهرباء،ركب هذه الدابة التي لا نعرف كنهها، من المسجد الحرام إلى القدس الشريف، فك الله أسره. وأراه الله ما أراه، أراه أجزية وعقوبات لاناس كثيرين.
رأى رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من النار، فقال: من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال: الخطباء من أمتك، الذين يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون ؟، ورأى عقوبة الذين يغتابون الناس يخمشون وجوههم بأظافر من نحاس، ثم تعود كما كانت، ثم يخمشونها، وهكذا.
رأى ما رأى في طريقه، وفي مسيرته صلى الله عليه وسلم، حتى وصل إلى بيت المقدس، وكان هناك الأنبياء ينتظرونه.
ثم من هناك صعد إلى السموات العلا، إلى حيث ناجى ربه عز وجل، وفرض عليه الصلوات. كانت هذه بداية فرضية الصلوات، عمود الدين، التي هي الصلة اليومية بين الإنسان وربه، هي المعراج اليومي للمؤمنين.
إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرج به إلى السموات العلا، فالصحيح أنه أسري به، وعرج به، بجسده وروحه معاً، ولا يصعب ذلك على قدرة الله عز وجل، إن البشر استطاعوا ـ بوسائلهم الخاصة.
وبما علمهم الله ما لم يكونوا يعلمون ـ أن يطووا المسافات، ويختصروا الأزمان، ويصلوا إلى القمر، فكيف بصاحب القدرة التي لا تقهر ؟! بمن لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض ؟! لا نستبعد عليه أن يسري برسوله، وأن يعرج به إلى السموات العلا، جسماً وروحاً.
عرج به حتى فرض الله عليه في السموات هذه الصلوات، وكان هذا فضلاً لهذه الفريضة على غيرها من الفرائض والشعائر، فالفرائض كلها فرضت في الأرض، وهذه الصلاة فرضت في السماء، دلالة على مكانتها في دين الله، دلالة على منزلتها، وانها عماد الدين، من أقامها فقد أقام الإسلام، ومن هدمها فقد هدم هذا الدين.
الصلاة هي معراج كل مؤمن إلى ربه، تستطيع أن ترقى إلى الله يومياً بهذه الصلوات، التي تنتزعك من دنيا الناس، مما عليه يتصارع الناس، تنتزعك من دنيا الغفلة، من دنيا الصراع، إلى حيث تقف بين يدي ربك تناجيه، فتناجي قريباً غير بعيد، وتسأله، فتسأل كريماً غير بخيل، وتستعينه، فتستعين قوياً غير ضعيف.
وكأنك تسمع له، وهو يقول في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: «الحمد له رب العالمين» قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: «الرحمن الرحيم» قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: «مالك يوم الدين» قال:
مجدني عبدي، فإذا قال: «إياك نعبد وإياك نستعين» قال: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين» قال «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»، هناك تجاوب بين الله تعالى وبين عبده المصلى. إن التحفة والهدية والذخيرة التي بقيت لنا من ذكرى الإسراء والمعراج، هي هذه الصلوات.
الصلوات التي نرى كثيراً من المسلمين يفرطون فيها، ويضيعونها «أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا».
نرى من أبناء المسلمين، ممن يتسمى بأسماء المسلمين بأسماء الأنبياء بأسماء الصحابة، من اسمه محمد وأحمد، وعلي وعمر، وحسن وحسين.
ومع هذا لا يعرفون المساجد، ولا ينحنون لله راكعين، ولا يعفرون الجباه لله ساجدين، أهذا من الإسلام في شيء.
وكذلك بقي لنا من الإسراء والمعراج شيء مهم: هو الربط بين المسجدين ولا يجب التفريط في واحد منهما، فإنه إذا فرط في أحدهما أوشك أن يفرط في الآخر.
إذا تركنا المسجد الأقصى يأخذه (اليهود)، ويعبث به (اليهود) ويعمل على تهديمه (اليهود)، ليقيموا مكانه (هيكل سليمان)، إذا فرطنا في المسجد الأقصى، فلا يبعد أن نفرط يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في المسجد الحرام. ولليهود أطماع في المدينة، حيث كان هناك: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير.
لهم أطماع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تستبعدوا شيئاً، كنا نستبعد ما وقع الآن حتى وقع، كل ما نراه الآن، كان عندنا قديماً شبه مستحيل، ولكن الأجيال التي تنشأ اليوم على ما تراه، أصبح هذا الأمر واقعاً عندها، لا تستبعدوا شيئاً إذا نحن غفلنا وفرطنا.
ربط الله بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، حتى لا تهون عندنا حرمة المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وإذا كان قد بارك الله حوله، فما بالكم بالمباركة له هو ؟!
إذا كان ما حوله مباركاً، الأرض التي حوله كلها أرض مباركة، أرض النبوات أرض الذكريات، وصفها الله في القرآن بالبركة في جملة مواضع، كما قال عز وجل عن إبراهيم: «ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين».
إنها أرض النبوات، الأرض التي رواها الصحابة والتابعون بدمائهم، وسقط فيها الشهداء، لا ينبغي للمسلمين أن يفرطوا فيها.
مما نتعلمه من رحلة الإسراء والمعراج، أن الله قد ربط بين المسجدين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
المسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة، التي لا تشد الرحال إلا إليها، كما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ـ المسجد الحرام ـ، ومسجدي هذا ـ أى مسجده صلى الله عليه وسلم ـ والمسجد الأقصى».
علينا أن نتذكر قضية المسجد الأقصى ولا ننساها لا ينبغي أن يصبح الأمر الواقع مفروضاً علينا، ونتقبل هذا بهزيمة نفسية منكرة، ويصبح اليهود سادة المسجد الأقصى، وسادة أرض النبوات.
إن علينا أن نجاهد، حتى نسترد هذا المسجد، حتى نسترد القدس الشريف، حتى نسترد الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، وهي أرض الإسلام، وهي جزء من دار الإسلام، ووطن الإسلام، ولا يجوز لأحد أن يفرط فيه، أو يبيعه، أو يخونه.
حتى لو أن الفلسطينيين أنفسهم تخلوا عن هذا الوطن الإسلامي، عن هذه الأرض المقدسة، لوجب على المسلمين أن يدافعوا عنها، لأن هذه الأرض الطيبة المباركة، ليست أرض الفلسطينيين وحدهم، ولا أرض الأردنيين وحدهم، ولا أرض المسلمين المعاصرين وحدهم بل هي أرض الإسلام، أرض الأمة الإسلامية في مختلف أجيالها.
راية المحرزي