رغم أن تداعيات قرار زيادة أسعار البنزين والديزل لم تتبلور بشكل كامل بعد إلا أن إرهاصاتها بدأت في الظهور من قبل القطاعات التي ستتأثر بشكل كبير من هذه الزيادة ويأتي على رأسها قطاع النقل البري .

حيث تبدأ اعتباراً من اليوم زيادة أسعار الشحن البري بنسبة 22 %، ورغم وقوف قطاع المقاولات مكتوف الأيدي نظراً لارتباطه بعقود سابقة إلا أن مصادر هذا القطاع أشارت إلى أن أثر هذه الزيادة سيظهر في العقود الجديدة نظراً لارتفاع تكلفة العمليات التي تتعلق بهذا القطاع.

ويبدو المستهلك في النهاية هو الذي سيكون ضحية هذه الارتفاعات في الأسعار إزاء تحميله حسب مصادر مختلفة كلفة أية زيادات في مشروعات قطاع المقاولات أو غيره من القطاعات، الأمر الذي ينذر بحدوث موجة من التضخم. ورغم التأثيرات السلبية لقرار زيادة أسعار الوقود أكدت مصادر أنه يأتي نتيجة طبيعية لتطورات السوق العالمية باعتبار أن الإمارات جزء من هذه السوق وأنه من الطبيعي أن يتأثر بأي تطورات فيه.

فيما رأى البعض وسيلة يمكن من خلالها تغيير النمط الاستهلاكي للأفراد في المجتمع. ربما يعد قطاع النقل البحري وشركاته من أكثر القطاعات التي ستتأثر بزيادة أسعار الديزل لاعتماد الشاحنات عليه. ويقول كارلوس الهاشم عضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للنقل البري ومدير عام شركة جوعان وشركة عبر العالم للنقل البري .

والتي تحتل نسبة 10% مما يتم تصديره براً من داخل الإمارات للدول المحيطة والمجاورة إن حركة النقل البري ستتأثر بشدة بهذا الارتفاع الكبير، مشيراً إلى أن سعر جالون الديزل كان منذ 3 ـ 4 سنوات 5. 2 درهم، ومنذ ذلك الحين ظل يشهد ارتفاعات متتالية كان آخرها ما تم الإعلان عنه أمس بـ 7. 7 دراهم.

وهذا يضيف أعباء كبيرة على شركات النقل خاصة في ظل ما هو معروف عن الإمارات من أنها بلد ترانزيت ومحطة مهمة لعبور البضائع إلى دول المنطقة، أي أن التجار في هذه الدول يفضلون استيراد بضائعهم من خلال الإمارات ثم يعاد شحنها إليهم.

ويضيف الهاشم أن أسعار البنزين والديزل في الإمارات مع أنها بلد منتج للنفط، صار أعلى منها في الدول غير المنتجة، وأن هذه الأسعار لم تشهد مثل هذه الزيادات في السنوات الأخيرة بالدول المجاورة، وخاصة المملكة العربية السعودية، وهو ما جعل كثيراً من التجار يتحولون عن استيراد بضائعهم عبر الإمارات إلى استيرادها مباشرة بالبحر عبر موانئ بلدانهم، وبالتالي تتأثر حركة النقل البري هنا.

وأكد كارلوس الهاشم أن شركته وبقية شركات النقل البري ستزيد ابتداء من اليوم أسعار الشحن البحري بنسبة تتراوح بين 20 ـ 22% مع تحملها لبعض فروقات الأسعار على حساب أرباحها. وقال إن شركته أبلغت العملاء من التجار والشاحنين بهذه الزيادات في الأسعار اليوم وليس هناك مفر أمام التجار من تحمل هذه الزيادات تقديراً للموقف.

وتوقع كارلوس الهاشم أن يرفع التجار أيضاً أسعار منتجاتهم وبضائعهم على المستهلك الذي يتحمل في النهاية هذه الزيادات، وهو ما قد يقود إلى ارتفاعات مماثلة في منتجات عديدة في السوق.

ويقول الهاشم: لم يعد بمقدورنا تحمل التكاليف دون أن نرفع الأسعار لتغطية هذه التكلفة بنفس النسبة أو بنسبة أقل على حساب الأرباح. وأضاف الهاشم أن شركته تقوم يومياً عبر شاحناتها بنقل 400 طن من الإمارات للخارج، أما إجمالي الشحنات التي يتم تصديرها وإعادة تصديرها من الإمارات يومياً عبر الشاحنات البرية فتصل إلى 4 آلاف طن.

من جانبها، عقدت شركة فيديكس للشحن السريع اجتماعاً أمس لدراسة مدى تأثير هذه الزيادات في أسعار البنزين على مختلف قطاعات الدولة. وقال حمدي عثمان المدير الإقليمي للشركة: بالتأكيد هذه زيادة كبيرة ومرتفعة.

وربما هي الأولى التي تزيد فيها الأسعار بهذا المعدل، متوقعاً أن يكون لها تأثيرات سلبية على السوق من ناحية ارتفاعات أسعار منتجاته، ومن جانبنا لن نزيد الأسعار بصورة عشوائية وخلال أسبوع من الآن سنقرر ما إذا كنا سنزيد الأسعار أم لا، وبأي نسبة سنزيدها، وهذا سيتم على ضوء دراستنا للسوق وقطاعاته المختلفة.

وقال حمدي عثمان: سوف نضطر لتحمل هذه التكلفة الإضافية على مصروفاتنا خلال هذا الأسبوع حفاظاً على العملاء وحرصاً منا على ألا تكون الزيادة عشوائية مشيراً إلى أن تكلفة الوقود ستزيد بنفس نسبة زيادة ارتفاعات أسعار البنزين مشيراً إلى أن لفيديكس أسطولاً ضخماً من السيارات تعمل في السوق.

* آليات السوق

ويقول المهندس صلاح الشامسي رجل الأعمال وأمين جمعية الصناعيين ان الإمارات تطبق نظام السوق الحر، وهذا النظام له ايجابياته وسلبياته، ومن الطبيعي في ظل هذا النظام ان تلجأ شركات توزيع الوقود إلى زيادة الأسعار بعد ان وصلت أسعار النفط الخام إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.

ويضيف لم يكن من الممكن استمرار هذه الشركات في تقديم خدماتها مع تزايد الخسائر ولم يكن من الممكن أيضا استمرار الدعم الحكومي إلى مالا نهاية. فأسعار الوقود وأسعار السلع بصفة عامة زادت وتزيد بصورة تدريجية في جميع دول العالم ونحن لسنا بمعزل عما يجري في بقية دول العالم.

ويرى الشامسي ان شركات المقاولات والنقليات سوف تتأثر بطبيعة الحال بزيادة أسعار المحروقات لكن ذلك يعتبر أمراً طبيعيا تحدده آليات السوق فأسعار مواد البناء من أسمنت وحديد وكنكريت وطابوق شهدت خلال العامين الماضيين ارتفاعا ملحوظا نتيجة لزيادة الطلب العالمي والمحلي وارتفاع أسعار المشتقات البترولية يأتي في هذا السياق بعد ان سجلت أسعار النفط كما هو معروف أرقاما قياسية.

* كارثة على المقاولات

وقال احمد خلف المزروعي نائب رئيس مجلس إدارة جمعية المقاولين ان رفع أسعار المحروقات يعد بمثابة الكارثة على الشركات العاملة في القطاع، مؤكدا بان لا أحد ضد هذه الزيادة ولكن المنطق كان يستوجب التحضير لها وإعطاء مهلة لمختلف القطاعات الاقتصادية لتكييف نفسها معها خاصة.

وان المحروقات تشكل عنصرا رئيسيا في أنشطة الكثير من هذه القطاعات وأكد المزروعي ان نسبة الزيادة كانت عالية جداً الأمر الذي ستزداد فيه حدة خسائر شركات المقاولات الوطنية والتي مازالت تعاني من مشاكل كثيرة وجاء رفع أسعار المحروقات لزيادة حدتها.

وأوضح ان شركات المقاولات لن تكون قادرة على رفع أسعارها على المشاريع التي تقوم بتنفيذها أو ارتبطت بعقود لتنفيذها خلال المرحلة المقبلة وذلك نظرا لوجود نصوص تعاقدية مسبقة لا تأخذ بالاعتبار حدوث مثل هذه الزيادات على أسعار المحروقات.

وقال رياض كمال مدير عام شركة «اربتك» من الطبيعي عند زيادة أسعار المحروقات ارتفاع كلفة تنفيذ المشاريع خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطاقة في تشغيل المولدات الكهربائية والنقل في المشاريع الإنشائية.

وأوضح ان زيادة أسعار المحروقات ستؤثر سلباً على ربحية الشركات العاملة في قطاع المقاولات والإنشاءات مشيراً إلى انه من الصعب التكهن حالياً بنسبة الارتفاع في كلفة المشاريع نتيجة زيادة أسعار المحروقات. وأوضح ان زيادة كلفة المشاريع ستتحملها بالدرجة الأولى شركات المقاولات والتي ستقوم بدورها بتحميل الكلفة إلى المستهلك.

وأكد احمد علي خلفان الظاهري مدير عام شركة أبوظبي للمواد الغذائية ان المتأثر الأكبر من ارتفاع أسعار المحروقات هو شركات المقاولات كما سيؤدي الارتفاع أيضاً إلى تخفيض الطلب على السيارات مشيرا إلى ان الزيادة ستؤثر بشكل عام على ربحية الشركات نتيجة ارتفاع مصاريفها.

وأوضح ان رفع كلفة المشاريع في قطاع المقاولات سيؤدي في النهاية إلى رفع الكلفة على المستهلك، مشيرا إلى انه ورغم التأثيرات السلبية لزيادة أسعار المحروقات إلا أن شركات توزيع البنزين والديزل كانت مجبرة على اتخاذ القرار نظرا للخسائر الكبيرة التي لحقت بها خلال المرحلة الماضية.

وقال حمد الهاجري رئيس مجلس إدارة مؤسسة الهاجري الدولية ان أكثر المتضررين من رفع الأسعار هم المستهلكين، مشيرا إلى ان الشركات وفي ظل هذا الارتفاع مطالبة بإعادة النظر في أسعار الخدمات التي تقدمها لتغطية نفقات النقل والاستيراد ومصاريف الطاقة. وقال الهاجري كان من الطبيعي ان تقوم شركات توزيع البنزين والديزل برفع الأسعار بعد الخسائر التي لحقت بها.

وقال لا يعقل ان تبقى الحكومة تقدم الدعم لمختلف السلع طوال الوقت بل يجب على الشركات والمستهلكين الاعتياد على نمط استهلاكي غير متوفر حالياً.

*ارتفاع متوقع

ويرى ناصر النويس رئيس مجلس إدارة مجموعة روتانا الفندقية ان هذا الارتفاع في أسعار البنزين والديزل كان متوقعاً خصوصاً في ظل الارتفاعات المضطردة في أسعار النفط عالمياً خلال العامين الماضيين.

والتي وصلت إلى مستويات قياسية في حين ان الحكومة بذلت جهوداً كبيرة خلال الشهور الماضية حتى لا ترتفع الأسعار محليا بنفس هذه المتوسطات الكبيرة للأسعار العالمية على الرغم من ان الدولة تنتهج سياسة السوق الحرة.

وأشار إلى ان شركات التوزيع في الدولة تحصل على البترول بالسعر العالمي المطروح في الأسواق ولهذا السبب لا تستطيع تحمل خسائر باهظة من جراء شرائه بسعر مرتفع وبيعه بسعر منخفض.

ويقول ان البنزين سلعة مثل بقية السلع التجارية و شركات التوزيع شركات تجارية مشيرا إلى انه في ظل الجهود الحكومية في هذا المجال الهادفة لتقليل الأعباء على المواطنين والمقيمين في الدولة فان أسعار البنزين في الإمارات لا تزال الأقل مقارنة بمعدلات مثيلاتها في دول مجلس التعاون الخليجي التي تقدم حكوماتها دعماً لشركات التوزيع لبيع البنزين بأسعار محددة مقابل هامش ربح محدد أيضاً في حين تحصل شركات التوزيع في الدولة على احتياجاتها من المشتقات النفطية بالأسعار العالمية وتلزم ببيع البنزين بأسعار محددة.

ويقول ان المستهلك العادي هو الذي سيتأثر بصورة اكبر إذا لم يتم ضبط الأسواق والسيطرة على الأسعار ومنع استغلال بعض التجار لهذه الزيادة في أسعار الوقود لرفع الأسعار بصورة مبالغا فيها.

ويؤكد ان الارتفاع المبالغ فيه للأسعار ليس في مصلحة السوق لان المستويات العالية للأسعار تغري وتشجع دولا غير منتجة للنفط بطاقة كبيرة على زيادة حجم إنتاجها كما أنها في ذات الوقت تشجع المستهلكين على ترشيد حجم الاستهلاك والبحث عن مصادر بديلة للطاقة إذن لابد من زيادة العرض بهدف خفض الأسعار وبالتالي الحفاظ على توازن السوق.

وطالب سعيد اليتيم مدير إدارة الميزانية بوزارة المالية والصناعة بان تتولى جهة حكومية متابعة التغيرات في أسعار النفط عالميا وتأثير ذلك على الأسواق المحلية والتدخل في الوقت المناسب لضبط الأسواق.

ومنع التلاعب في الأسعار من قبل البعض مما يحقق الاستقرار في الأسواق وذلك سيكون للمستهلكين والتجار على حد سواء لأنه في حالة المبالغة في رفع الأسعار فإن الإقبال على الشراء يقل تدريجيا وينخفض الطلب ويحدث ركود في الأسواق.

* المستهلك .. المتضرر الأساسي

من جانبه توقع على الزعابى كبير الباحثين الإحصائيين في دائرة التخطيط والاقتصاد في أبوظبى ان يؤدي هذا الارتفاع الجديد في أسعار الوقود إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية في الدولة وان يكون المستهلك العادي هو المتضرر الأساسي خصوصاً وانه يعاني في الفترة الأخيرة من ارتفاع مستوى الإيجارات والعديد من السلع الأساسية.

وقال الزعابي ان سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس دائرة التخطيط والاقتصاد في أبوظبي إدراكاً من سموه لأهمية مواجهة ارتفاع الأسعار بكافة السبل حرص على متابعة هذا الأمر بشكل مستمر وترأس سموه عدة اجتماعات للجنة المواد الغذائية وارتفاع الأسعار التي عملت على مواجهة ارتفاع الأسعار بكافة السبل حيث أكد سموه ضرورة أن يضع الجميع نصب عينيه المصلحة الوطنية العليا.

وقال الدكتور حسين المطوع عضو المجلس الوطني الاتحادي إن قرار رفع أسعار المحروقات كان مفاجئاً وجاء في غير توقيته المناسب وذلك نظراً لارتفاع الأسعار في مختلف القطاعات الخدماتية. وفي مقدمتها الإيجارات والسلع.

وأوضح أن رفع أسعار المحروقات وبهذه النسبة لن يقيد حركة النمو الاقتصادي وسيساهم في زيادة نسبة التضخم وسينعكس سلباً على قطاع البناء والتشييد خلال المرحلة المقبلة.

وأكد أن القرار سيساهم في زيادة حدة معاناة البعض رغم وجود طبقات في المجتمع لن تتأثر بارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن زيادة الرواتب التي أقرت مؤخراً كانت متآكلة مسبقاً فكيف سيكون الوضع بالنسبة للمستهلك بعد زيادة أسعار المحروقات؟

متابعة: أحمد محسن ـ عبدالفتاح منتصر ـ وجيه عبدالعاطي